الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وساوس إبليس على بعض المصلين في التشديد في مخارج الحروف

السؤال

أنا طالبٌ مغترب في بلدٍ أجنبي، أهله في معظمهم مسلمون، وتُقام فيه الصلوات الخمس في المساجد، والأئمة غالبًا يجيدون القراءة؛ فهم مُعيَّنون من الدولة.
لدينا إمامٌ متقنٌ للقراءة، لكنه أحيانًا في الفاتحة يغيّر بعض الحروف، مثل نطق الذال زايًا، وكذلك الطاء، إذ ينطقها أحيانًا قريبةً من الدال قليلًا، وأحيانًا ينطقها على الوجه الصحيح، فلا أظنه عاجزًا.
وقد تحدثتُ معه كثيرًا، فهو يعلم تمامًا القراءة الصحيحة، لكنه قال لي: إن هذا لا يُبطل الصلاة، وأن فعله لا يغيّر المعنى لتقارب الحروف (ولا يقصد بكلامه تعمد تغيير الحرف، فهو يعلم أن ذلك قد يؤدي إلى الكفر).
فهل يُعدّ هذا الإمام متساهلًا؟ علمًا بأنه يُعدّ فقيهًا في الإمامة، إذ يمارس هذا العمل منذ سنين. وماذا لو كان يأخذ بقول بعض الأحناف بجواز تبديل بعض الحروف؟ هل يجوز الاقتداء به؟
علمًا أن معظم الأئمة قد يكونون على هذه الحال، وأنا أخاف أن تكون صلواتي باطلة، فأضطر إلى الصلاة في البيت.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالأصل أنه ما دام الإمام متقنًا للقراءة، ويعلم تمامًا القراءة الصحيحة -كما ذكرت- فتخطئته في القراءة تحتاج إلى يقين للحكم بحصول الخطأ، وترتيب الأحكام الأخرى على ذلك؛ لأن بعض الحروف قد تتقارب في المخرج، فيظن السامع أن الحرف قد استُبدِلَ بحرف آخر، والأمر بخلاف ذلك.

فننصح السائل بأن يترك التدقيق الزائد عن المعتاد الذي قد تنشأ عنه وسوسة -كما هو مشاهد- وينبغي أن ينشغل بالخشوع في الصلاة، ويأخذ بأسباب ذلك.

قال ابن الجوزي في تلبيس إبليس: وقد لبس إبليس على بعض المصلين في مخارج الحروف، فتراه يقول: الحمد الحمد، فيخرج بإعادة الكلمة عن قانون أدب الصلاة، وتارة يلبس عليه في تحقيق التشديد، وتارة في إخراج ضاد المغضوب، ولقد رأيت من يقول المغضوب، فيخرج بصاقة مع إخراج الضاد، لقوة تشديده، وإنما المراد تحقيق الحرف فحسب، وإبليس يخرج هؤلاء بالزيادة عن حد التحقيق، ويشغلهم بالمبالغة في الحروف عن فهم التلاوة، وكل هذه الوساوس من إبليس.
وعن سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء: أن سهل بن أبي أمامة حدثه أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك -رضي الله عنه- وهو يصلي صلاة خفيفة، كأنها صلاة مسافر، فلما سلّم قال: يرحمك الله، أرأيت هذه الصلاة المكتوبة كصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أم شيء تنفلته؟ قال: إنها لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أخطأت إلا شيئًا سهوت عنه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: لا تشددوا على أنفسكم، فيشدد الله عليكم، فإن قومًا شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديورات، {رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ}.
انتهى.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني