المسألة الثالثة : في الآية سؤال مشكل مشهور ، وهو أنه تعالى قال : (
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=60ادعوني أستجب لكم ) ، وقال في هذه الآية : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=186أجيب دعوة الداع إذا دعان ) ، وكذلك (
nindex.php?page=tafseer&surano=27&ayano=62أمن يجيب المضطر إذا دعاه ) [ النمل : 62 ] ثم إنا نرى
nindex.php?page=treesubj&link=19736_19744الداعي يبالغ في الدعاء والتضرع فلا يجاب .
والجواب : أن هذه الآية وإن كانت مطلقة إلا أنه قد وردت آية أخرى مقيدة ، وهو قوله تعالى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=41بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ) [ الأنعام : 41 ] ولا شك أن المطلق محمول على المقيد ، ثم تقرير
[ ص: 86 ] المعنى فيه وجوه :
أحدها : أن
nindex.php?page=treesubj&link=19734الداعي لا بد وأن يجد من دعائه عوضا ، إما إسعافا بطلبته التي لأجلها دعا وذلك إذا وافق القضاء ، فإذا لم يساعده القضاء فإنه يعطى سكينة في نفسه ، وانشراحا في صدره ، وصبرا يسهل معه احتمال البلاء الحاضر ، وعلى كل حال فلا يعدم فائدة ، وهو نوع من الاستجابة .
وثانيها : ما روى
القفال في تفسيره عن
nindex.php?page=showalam&ids=44أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : "
nindex.php?page=treesubj&link=19742دعوة المسلم لا ترد إلا لإحدى ثلاث ، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم : إما أن يعجل له في الدنيا ، وإما أن يدخر له في الآخرة ، وإما أن يصرف عنه من السوء بقدر ما دعا " .
وهذا الخبر تمام البيان في الكشف عن هذا السؤال ، لأنه تعالى قال : (
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=60ادعوني أستجب لكم ) [غافر : 60] ولم يقل : أستجب لكم في الحال ، فإذا استجاب له ولو في الآخرة كان الوعد صدقا .
وثالثها : أن قوله : (
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=60ادعوني أستجب لكم ) يقتضي أن يكون الداعي عارفا بربه وإلا لم يكن داعيا له ، بل لشيء متخيل لا وجود له البتة ، فثبت أن
nindex.php?page=treesubj&link=19749_19767شرط الداعي أن يكون عارفا بربه ، ومن صفات الرب سبحانه أن لا يفعل إلا ما وافق قضاءه وقدره وعلمه وحكمته ، فإذا علم أن صفة الرب هكذا استحال منه أن يقول بقلبه وبعقله : يا رب أفعل الفعل الفلاني لا محالة ، بل لا بد وأن يقول : أفعل هذا الفعل إن كان موافقا لقضائك وقدرك وحكمتك ، وعند هذا يصير الدعاء الذي دلت الآية على ترتيب الإجابة عليه مشروطا بهذه الشرائط ، وعلى هذا التقدير زال السؤال الرابع أن لفظ الدعاء والإجابة يحتمل وجوها كثيرة :
أحدها : أن يكون
nindex.php?page=treesubj&link=19733الدعاء عبارة عن التوحيد والثناء على الله كقول العبد : يا الله الذي لا إله إلا أنت ، وهذا إنما سمي دعاء لأنك عرفت الله تعالى ثم وحدته وأثنيت عليه ، فهذا يسمى دعاء بهذا التأويل ، ولما سمي هذا المعنى دعاء سمي قبوله إجابة لتجانس اللفظ ، ومثله كثير ، وقال
nindex.php?page=showalam&ids=12590ابن الأنباري : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=186أجيب ) ههنا بمعنى أسمع لأن بين السماع وبين الإجابة نوع ملازمة ، فلهذا السبب يقام كل واحد منهما مقام الآخر ، فقولنا سمع الله لمن حمده أي أجاب الله ، فكذا ههنا قوله : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=186أجيب دعوة الداع ) أي أسمع تلك الدعوة ، فإذا حملنا قوله تعالى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=60ادعوني أستجب لكم ) [ غافر : 60 ] على هذا الوجه زال الإشكال .
وثانيها : أن يكون
nindex.php?page=treesubj&link=19733_19771المراد من الدعاء التوبة عن الذنوب ، وذلك لأن التائب يدعو الله تعالى عند التوبة ، وإجابة الدعاء بهذا التفسير عبارة عن قبول التوبة ، وعلى هذا الوجه أيضا لا إشكال .
وثالثها : أن يكون
nindex.php?page=treesubj&link=19733_19738المراد من الدعاء العبادة ، قال عليه الصلاة والسلام : "
nindex.php?page=hadith&LINKID=16011778الدعاء هو العبادة " ، ومما يدل عليه قوله تعالى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=60وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) [ غافر : 60 ] فظهر أن الدعاء ههنا هو العبادة ، وإذا ثبت هذا فإجابة الله تعالى للدعاء بهذا التفسير عبارة عن الوفاء بما ضمن للمطيعين من الثواب ، كما قال : (
nindex.php?page=tafseer&surano=42&ayano=26ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله ) [ الشورى : 26 ] ، وعلى هذا الوجه الإشكال زائل .
ورابعها : أن
nindex.php?page=treesubj&link=19733يفسر الدعاء بطلب العبد من ربه حوائجه فالسؤال المذكور إن كان متوجها على هذا التفسير لم يكن متوجها على التفسيرات الثلاثة المتقدمة ، فثبت أن الإشكال زائل .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي الْآيَةِ سُؤَالٌ مُشْكِلٌ مَشْهُورٌ ، وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=60ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) ، وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=186أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) ، وَكَذَلِكَ (
nindex.php?page=tafseer&surano=27&ayano=62أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ) [ النَّمْلِ : 62 ] ثُمَّ إِنَّا نَرَى
nindex.php?page=treesubj&link=19736_19744الدَّاعِيَ يُبَالِغُ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ فَلَا يُجَابُ .
وَالْجَوَابُ : أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً إِلَّا أَنَّهُ قَدْ وَرَدَتْ آيَةٌ أُخْرَى مُقَيَّدَةٌ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=41بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ ) [ الْأَنْعَامِ : 41 ] وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُطْلَقَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ ، ثُمَّ تَقْرِيرُ
[ ص: 86 ] الْمَعْنَى فِيهِ وُجُوهٌ :
أَحَدُهَا : أَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=19734الدَّاعِيَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَجِدَ مِنْ دُعَائِهِ عِوَضًا ، إِمَّا إِسْعَافًا بِطَلَبَتِهِ الَّتِي لِأَجْلِهَا دَعَا وَذَلِكَ إِذَا وَافَقَ الْقَضَاءَ ، فَإِذَا لَمْ يُسَاعِدْهُ الْقَضَاءُ فَإِنَّهُ يُعْطَى سَكِينَةً فِي نَفْسِهِ ، وَانْشِرَاحًا فِي صَدْرِهِ ، وَصَبْرًا يَسْهُلُ مَعَهُ احْتِمَالُ الْبَلَاءِ الْحَاضِرِ ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَا يَعْدَمُ فَائِدَةً ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الِاسْتِجَابَةِ .
وَثَانِيهَا : مَا رَوَى
الْقَفَّالُ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ
nindex.php?page=showalam&ids=44أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "
nindex.php?page=treesubj&link=19742دَعْوَةُ الْمُسْلِمِ لَا تُرَدُّ إِلَّا لِإِحْدَى ثَلَاثٍ ، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ : إِمَّا أَنْ يُعَجَّلَ لَهُ فِي الدُّنْيَا ، وَإِمَّا أَنْ يُدَّخَرَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ ، وَإِمَّا أَنْ يُصْرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ بِقَدْرِ مَا دَعَا " .
وَهَذَا الْخَبَرُ تَمَامُ الْبَيَانِ فِي الْكَشْفِ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ ، لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=60ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) [غَافِرٍ : 60] وَلَمْ يَقُلْ : أَسْتَجِبْ لَكُمْ فِي الْحَالِ ، فَإِذَا اسْتَجَابَ لَهُ وَلَوْ فِي الْآخِرَةِ كَانَ الْوَعْدُ صِدْقًا .
وَثَالِثُهَا : أَنَّ قَوْلَهُ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=60ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي عَارِفًا بِرَبِّهِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ دَاعِيًا لَهُ ، بَلْ لِشَيْءٍ مُتَخَيَّلٍ لَا وُجُودَ لَهُ الْبَتَّةَ ، فَثَبَتَ أَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=19749_19767شَرْطَ الدَّاعِي أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِرَبِّهِ ، وَمِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ أَنْ لَا يَفْعَلَ إِلَّا مَا وَافَقَ قَضَاءَهُ وَقَدَرَهُ وَعِلْمَهُ وَحِكْمَتَهُ ، فَإِذَا عَلِمَ أَنَّ صِفَةَ الرَّبِّ هَكَذَا اسْتَحَالَ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ بِقَلْبِهِ وَبِعَقْلِهِ : يَا رَبِّ أَفْعَلُ الْفِعْلَ الْفُلَانِيَّ لَا مَحَالَةَ ، بَلْ لَا بُدَّ وَأَنْ يَقُولَ : أَفْعَلُ هَذَا الْفِعْلَ إِنْ كَانَ مُوَافِقًا لِقَضَائِكَ وَقَدَرِكَ وَحِكْمَتِكَ ، وَعِنْدَ هَذَا يَصِيرُ الدُّعَاءُ الَّذِي دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى تَرْتِيبِ الْإِجَابَةِ عَلَيْهِ مَشْرُوطًا بِهَذِهِ الشَّرَائِطِ ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ زَالَ السُّؤَالُ الرَّابِعُ أَنَّ لَفْظَ الدُّعَاءِ وَالْإِجَابَةِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا كَثِيرَةً :
أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ
nindex.php?page=treesubj&link=19733الدُّعَاءُ عِبَارَةً عَنِ التَّوْحِيدِ وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ كَقَوْلِ الْعَبْدِ : يَا اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، وَهَذَا إِنَّمَا سُمِّيَ دُعَاءً لِأَنَّكَ عَرَفْتَ اللَّهَ تَعَالَى ثُمَّ وَحَّدْتَهُ وَأَثْنَيْتَ عَلَيْهِ ، فَهَذَا يُسَمَّى دُعَاءً بِهَذَا التَّأْوِيلِ ، وَلَمَّا سُمِّيَ هَذَا الْمَعْنَى دُعَاءً سُمِّي قَبُولُهُ إِجَابَةً لِتَجَانُسِ اللَّفْظِ ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ ، وَقَالَ
nindex.php?page=showalam&ids=12590ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=186أُجِيبُ ) هَهُنَا بِمَعْنَى أَسْمَعُ لِأَنَّ بَيْنَ السَّمَاعِ وَبَيْنَ الْإِجَابَةِ نَوْعُ مُلَازَمَةٍ ، فَلِهَذَا السَّبَبِ يُقَامُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ ، فَقَوْلُنَا سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ أَيْ أَجَابَ اللَّهُ ، فَكَذَا هَهُنَا قَوْلُهُ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=186أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ ) أَيْ أَسْمَعُ تِلْكَ الدَّعْوَةَ ، فَإِذَا حَمَلْنَا قَوْلَهُ تَعَالَى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=60ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) [ غَافِرٍ : 60 ] عَلَى هَذَا الْوَجْهِ زَالَ الْإِشْكَالُ .
وَثَانِيهَا : أَنْ يَكُونَ
nindex.php?page=treesubj&link=19733_19771الْمُرَادُ مِنَ الدُّعَاءِ التَّوْبَةَ عَنِ الذُّنُوبِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّائِبَ يَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ التَّوْبَةِ ، وَإِجَابَةُ الدُّعَاءِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ عِبَارَةٌ عَنْ قَبُولِ التَّوْبَةِ ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا لَا إِشْكَالَ .
وَثَالِثُهَا : أَنْ يَكُونَ
nindex.php?page=treesubj&link=19733_19738الْمُرَادُ مِنَ الدُّعَاءِ الْعِبَادَةَ ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : "
nindex.php?page=hadith&LINKID=16011778الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ " ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=60وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) [ غَافِرٍ : 60 ] فَظَهَرَ أَنَّ الدُّعَاءَ هَهُنَا هُوَ الْعِبَادَةُ ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِجَابَةُ اللَّهِ تَعَالَى لِلدُّعَاءِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ عِبَارَةٌ عَنِ الْوَفَاءِ بِمَا ضَمِنَ لِلْمُطِيعِينَ مِنَ الثَّوَابِ ، كَمَا قَالَ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=42&ayano=26وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) [ الشُّورَى : 26 ] ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْإِشْكَالُ زَائِلٌ .
وَرَابِعُهَا : أَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=19733يُفَسَّرَ الدُّعَاءُ بِطَلَبِ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ حَوَائِجَهُ فَالسُّؤَالُ الْمَذْكُورُ إِنْ كَانَ مُتَوَجِّهًا عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ لَمْ يَكُنْ مُتَوَجِّهًا عَلَى التَّفْسِيرَاتِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، فَثَبَتَ أَنَّ الْإِشْكَالَ زَائِلٌ .