الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
تمهيـد

1 - في الإسلام، وجهات النظر الاجتهادية كلها مأجورة من الله سبحانه وتعالى ، ولا لوم على مخطئ -إن عرف خطأه- طالما أخذ قدر إمكاناته بأدوات الصناعة الفقهية عند عرض وجهة نظره، وبنى بحثه فوق دلالات صحيحة.

وهذا البحث -في جوهره- إنشاء لصيغة فقهية تشريعية، من واقع كتاب ربنا سبحانه وتعالى ، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم وهو في مجمله يخاطب القارئ وفق قول القائل: (ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم مع وجود الداعي، وانتفاء المانع، فتركه سنة، وفعله بدعة) [1] .

2 - إن حماية الدين من البدع المحدثة، فرض لازم على كل قادر، حتى يبقى على أصله الحقيقي وصلاحيته المطلقة، وفق قاعدة : أن العقل تابع للنقل، لأنه لو جاز للعقل تخطي مأخذ النقل، لم يكن للحد الذي حده النقل فائدة، لأن الفرض أنه حد له حدا، فإذا جاز تعديه صار الحد غير مفيد، وذلك في الشريعة باطل [2] .

3 - إن نظام الأسرة في الإسلام بالغ الروعة، قوي الإحكام، كما أنه جزء من نظرة الإسلام الشاملة للحياة، وأيضا ركن ركين لبقاء الأمة الإسلامية وصمودها في مواجهة النوازل والخطوب، من خلال بنائها التشريعي السليم. [ ص: 29 ]

وقد أدرك أعداء الإسلام ذلك، فاشتد هـجومهم عليه دينا، بعد نجاحهم في حربه دنيا، مما أدى إلى تمزيق كتلته، وتوهين قوته، وخفض رايته، فأغراهم ذلك بالهجوم عليه في عقيدته، حيث تناول الغربيون والمستشرقون فقه الأسرة في الإسلام بالعيب تارة، وبالغمز أخرى، ثـم ما لبثوا أن نقلوا الحملة داخل المجتمع الإسلامي، حيث بثوا أفكارهم وثقافتهم في طول بلاد المسلمين وعرضها، من خلال قنوات عديدة مسموعة ومرئية ومقروءة، فأحدثوا غشا ثقافيا في ميدان الدين، من خلال تفوق ظاهر في علوم المادة والتجريب، فانصاع لذلك من لهم عقول الطفولة الفجة، والزيغ الفار بأهله من ميدان الحق، الذين اعتنقوا آراءهم، وراحوا يدافعون عنها، ويقاتلون دونها، ويحاولون أن يؤسسوا دعائمها في المجتمع المسلم.

وتتابعت حملات أعداء الإسلام تترى من كل حدب على فقه الأسرة في الإسلام، فهذا يهاجم إباحة تعدد الزوجات ويستنكره، ويعتبره ضربا من الانفلات الأخلاقي، وخروجا على مبدأ الشرعية، ولعمري ما أدري ما تلكم الشرعية التي يتكلمون عنها، وهل وعى هـذا الفريق وأعوانه معنى قول ربنا سبحانه : ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا ) (النساء : 3) .

أ - يقول ابن العربي رحمه الله، ضمن شرحه وتعليقه على النص الكريم: معناه القسم بين الزوجات، والتسوية في حقوق النكاح، وهو فرض، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتمده ويقدر عليه، فإذا أقدر الرجل من حاله ومن بنيته في الباءة ذلك، فليقتصر على ما يقدر عليه [3] [ ص: 30 ]

وما أفهمه من النص، فضلا عما قاله ابن العربي ، أن مجرد خوف عدم العدل، يعد مانعا من التعدد، فإذا كان عدم العدل محققا كان المنع أشد من باب أولى.

ب - الباءة هـي ما تتطلبه الحياة الزوجية من تكاليف، فإذا كان هـذا في أصول الزواج الفردي، فيكون شرطا من باب أولى في التعدد، مع شرط التيقن من العدل، فإذا انتفى الأمران فلا إباحة [4] وهذا يعني أن ما يفعله بعضهم باسم الإسلام وعلى حسابه من تعدد الزوجات، مع عدم القدرة، أو عدم العدل، مما يترتب عليه مفاسد كثيرة، ليس من الإسلام في شيء، لأن سوء التطبيق لا يعيب أصل التشريع.

جـ - وفـي عالم الواقـع، التعدد ضـرورة من ضرورات المجتمـع، لا يستغني عنها بعض الرجال، لأكثر من سبب، ولذا تجده في المجتمع الإسلامي قائما مشروعا، وفي المجتمع غير الإسلامي واقعا موجودا، مع الفارق الكبير بينهما، حيث الأول مشروع مضبوط تتساوى فيه الزوجات في الحقوق الزوجية، كما أن أولادهن متساوون في كل شيء، نسبا، وميراثا، وكفالة، ونفقة، أما ذاك الأخير، التعدد غير المشروع، فيه تستقل واحدة بشرعية معاشرة زوجها، مع تصحيح نسب أولادها إلـى أبيهم، وتبقـى الأخيـرات لا تربطهن بالرجل إلا علاقة أثيمة، ثمرتها في أدراج الرياح، فأي الأمرين خير للمرأة؟

د - أثمرت الحملة الشرسة للحاقدين على الإسلام، إلى اقتراح بعضهم وجوب منع التعدد بقانون، وفي ذلك خروج على شرع الله، ومعارضة [ ص: 31 ] صريحة لكتابه مع ما في تنفيذه من الرجوع إلى حياة الأخدان، ولم يكتف بعض هـؤلاء السفهـاء بمجـرد المنـع بقانـون، بل يقترح فرض عقوبة رادعة لكل من الرجل الذي يقدم عليه، والزوجة التي تقبل أن تدخل عليها امرأة أخرى في عصمة زوجها!

وأما ما يقترحه بعضهم بتقييد التعدد وجعله بإذن خاص من القـاضـي، فهـذا أمـر عجب، فإن من الأسباب الداعية إلى التعدد ما لا يليق أن يطلع عليه أحد، ولو فعلنا ذلك لخرجنا بهذا العقد الذي جعله الله مودة بين الزوجين وسكنا لكل منهما إلى الآخر، إلى جعله صفقة من الصفقات، وعقدا من عقود العمل أو المفاوضات.

أين ذلك مما رواه أصحاب السنن ( عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال : أسلم غيلان الثقفي وتحته عشر نسوة، فأسلمن معه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعا ) [5] .

4 - والتشنيع على شرعية تعدد الزوجات واستنكاره، من قبل أعداء الإسلام، لم يكن المجال الوحيد الذي أدلى فيه هـؤلاء بدلوهم، فهناك من يستفظع إباحة الطلاق ويستهوله، وهناك من يصرخ من قوامة الرجل!

ولذلك لم تيأس هـذه الحملة الظالمة سنين طويلة باحثة عن آذان مصغية، حتى تتسلل مباذل المدنية الحديثة إلى بلادنا مستغلة كل ضعف بين المسلمين وموروثاتهم الدينية، حتى لا تكون ثمة مقاومة تذكر في بلاد الإسلام، مع أنها بلاد سعدت وشرفت برشد الوحي، حتى تكون أحق بالاستقرار من بلاد حرمت منه، لتصحح المعرفة، وتضبط مسار الأمم إلى أهدافها. [ ص: 32 ]

5 - وتزييفا لوعي الأجيال المسلمة، يسعى أعداء الإسلام إلى عقد معاهدات ثقافية مع الممالك الإسلامية لإحكام قبضتهم، وفرض سيطرتهم المعنوية على الدراسة، والأدب، وأنواع العلوم والفنون، وهم إن أفلحوا في ذلك، حققوا بعض مقاصدهم أو جلها، فالهزيمة لا محالة قادمة لمن يحاربهم ويرضى بما تحتويه معاهداتهم من بنود ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها العذاب.

وإمعانا في تزييف الوعي لدى المسلمين، لجأ أعداء الإسلام إلى تدويل كيدهم من خلال مؤتمرات دعت إليها الأمم المتحدة، ومن ذلك المؤتمر الدولي للسكان والتنمية، الذي عقد في القاهرة في الفترة من 5-13 سبتمبر 1994م، والذي قدم برنامج عمل في وثيقة صيغت وعن عمد بألفاظ مضمونها رفع شعارات الإباحية، وإقصاء الدين والأخلاق، تحت زعم أن العالم يتعرض لأزمة سكانية حادة، تهدد بوجود مجاعات وكوارث دولية، ويحمل لواء هـذا الزعم عدد من الذين يعملون في المجالات الاجتماعية والسكانية، وهم يقومون بحملة علمية إعلامية، مفادها إقناع الدول النامية بخطورة الموقف نتيجة النمو المطرد في عدد سكانها، وما ينجم عن ذلك من مخاطر تعترض سبيل التنمية الاقتصادية والاجتماعية في تلك الدول.

6 - أرى أنه من ضرورة البحث، بل من المقصود الفقهي والعقلي، الرجوع إلى الكتب المقدسة من غير القرآن، بغض النظر عما أثير في شأنها من تحريفات، تأسيسا على أن وثيقة هـذا المؤتمر وضعها -فيما أتصور- أهل كتاب، وهم مخاطبون بهذه الكتب، لنرى موقف هـذه الكتب فيما يتصل بالأسرة، وفيما يتصل بالعلاقات الجنسية، وفيما يتصل بالإجهاض، وغيرها من القضايا التي حملت وثيقة المؤتمر لواء شرعيتها، ولا يعد ذلك ترفا عقليا أو وليدا لشره عقلي جامح، [ ص: 33 ] فالله عز وجل : (أمر تخييرا، ونهى تحذيرا، وكلف تيسيرا، ولم يعص مغلوبا، ولم يرسل إلى خلقه عبثا، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا، ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار) [6] ثم إني هـنا، أرى أن الدفاع عن الحق المشروع للناس كافة، فيما أنزل ربنا، أو قاله نبينا عليه الصلاة والسلام ، أو اجتهد فيه أهل علمنا، أقول : أرى أن له مذاقا خاصا، ويا ويح أهل العلم الشرعي والفقه الإسلامي من المداهنة والسكوت عن الحق.

وعلينا أن نعي جميعا أن الفقه الإسلامي حفظ للأمة شخصيتها طيلة مئات السنين، وما ذاك إلا لأنه كان يعالج قضاياها ونوازلها في إطار شرع الله عز وجل ، فاستغنت بذلك عن كل منهج غير منهجها، وابتعدت عن كل شرع غير شرعها، فسلمت من التبعية التشريعية إلا لرب الناس، فالتبعية موت للأمم وزوال لها، سلمت منه أمتنا الإسلامية.

وفيما يلي من سطور، لا يخرج هـذا البحث في مجمله عن تفنيد لأهم ما تضمنته وثيقة هـذا المؤتمر، ثم عرضها على ميزان الشرع والعقل دون تحيز أو إجحاف، أو خروج على مبدأ الحيدة، ثم أنا غير ضائق بوجهة النظر الأخرى، طالما وجد لها ما يبررها من واقع شرع ربنا سبحانه وتعالى ، كما أني مهدر ونابذ لمضمونها من خلال ما يؤكد بطلانها، إذا لم يوجد لها ثمة دليل شرعي، فالخلاف الفقهي عند المسلمين ليس بمعصية.

والله وحده أسأل العصمة من الزلل، والتجاوز عن الخطأ، وأن تكون في ميزان حسناتنا. [ ص: 34 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية