قوله تعالى
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=120ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=121ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون [ ص: 207 ] فيه ست مسائل :
الأولى : قوله تعالى
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=120ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ظاهره خبر ومعناه أمر ; كقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=33&ayano=53وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله وقد تقدم .
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=120أن يتخلفوا في موضع رفع اسم كان . وهذه معاتبة للمؤمنين من
أهل يثرب وقبائل العرب المجاورة لها ;
كمزينة وجهينة وأشجع وغفار وأسلم على التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك . والمعنى : ما كان لهؤلاء المذكورين أن يتخلفوا ; فإن النفير كان فيهم ، بخلاف غيرهم فإنهم لم يستنفروا ; في قول بعضهم . ويحتمل أن يكون الاستنفار في كل مسلم ، وخص هؤلاء بالعتاب لقربهم وجوارهم ، وأنهم أحق بذلك من غيرهم .
الثانية : قوله تعالى
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=120ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه أي لا يرضوا لأنفسهم بالخفض والدعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في المشقة . يقال : رغبت عن كذا أي ترفعت عنه .
الثالثة : قوله تعالى
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=120ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ أي عطش . وقرأ
nindex.php?page=showalam&ids=16531عبيد بن عمير ظماء بالمد . وهما لغتان مثل خطأ وخطاء . ( ولا نصب ) عطف ، أي تعب ، و " لا " زائدة للتوكيد . وكذا ( ولا مخمصة ) أي مجاعة . وأصله ضمور البطن ; ومنه رجل خميص و امرأة خمصانة . وقد تقدم .
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=120في سبيل الله أي في طاعته .
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=120ولا يطئون موطئا أي أرضا .
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=120يغيظ الكفار أي بوطئهم إياها ، وهو في موضع نصب لأنه نعت للموطئ ، أي غائظا .
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=120ولا ينالون من عدو نيلا أي قتلا وهزيمة . وأصله من نلت الشيء أنال أي أصبت . قال
الكسائي : هو من قولهم أمر منيل منه ; وليس هو من التناول ، إنما التناول من نلته العطية . قال غيره : نلت أنول من العطية ، من الواو والنيل من الياء ، تقول : نلته فأنا نائل ، أي أدركته .
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=121ولا يقطعون واديا العرب تقول : واد وأودية ، على غير قياس . قال
النحاس : ولا يعرف فيما علمت فاعل وأفعلة سواه ، والقياس أن يجمع ووادي ; فاستثقلوا الجمع بين واوين وهم قد يستثقلون واحدة ، حتى قالوا : أقتت في وقتت . وحكى
الخليل nindex.php?page=showalam&ids=16076وسيبويه في تصغير واصل اسم رجل أويصل فلا يقولون غيره . وحكى
الفراء في جمع واد أوداء .
قلت : وقد جمع أوداه ; قال
جرير :
عرفت ببرقة الأوداه رسما محيلا طال عهدك من رسوم
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=120إلا كتب لهم به عمل صالح قال
ابن عباس : بكل روعة تنالهم في سبيل الله سبعون
[ ص: 208 ] ألف حسنة . وفي الصحيح :
nindex.php?page=hadith&LINKID=836532الخيل ثلاثة . . . وفيه : وأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام في مرج أو روضة فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات . . . . الحديث . هذا وهي في مواضعها فكيف إذا أدرب بها .
الرابعة : استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن
nindex.php?page=treesubj&link=25640الغنيمة تستحق بالإدراب والكون في بلاد العدو ، فإن مات بعد ذلك فله سهمه ; وهو قول
أشهب وعبد الملك ، وأحد قولي
nindex.php?page=showalam&ids=13790الشافعي . وقال
مالك وابن القاسم : لا شيء له ; لأن الله عز وجل إنما ذكر في هذه الآية الأجر ولم يذكر السهم .
قلت : الأول أصح لأن الله تعالى : جعل وطء ديار الكفار بمثابة النيل من أموالهم وإخراجهم من ديارهم ، وهو الذي يغيظهم ويدخل الذل عليهم ، فهو بمنزلة نيل الغنيمة والقتل والأسر ; وإذا كان كذلك فالغنيمة تستحق بالإدراب لا بالحيازة ، ولذلك قال
علي رضي الله عنه : ما وطئ قوم في عقر دارهم إلا ذلوا . والله أعلم .
الخامسة : هذه الآية منسوخة بقوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=122وما كان المؤمنون لينفروا كافة وأن حكمها كان حين كان المسلمون في قلة ، فلما كثروا نسخت وأباح الله التخلف لمن شاء ; قاله
ابن زيد . وقال
مجاهد :
بعث صلى الله عليه وسلم قوما إلى البوادي ليعلموا الناس فلما نزلت هذه الآية خافوا ورجعوا ; فأنزل الله : nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=122وما كان المؤمنون لينفروا كافة . وقال
قتادة : كان هذا خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر ; فأما غيره من الأئمة الولاة فلمن شاء أن يتخلف خلفه من المسلمين إذا لم يكن بالناس حاجة إليه ولا ضرورة . وقول ثالث : أنها محكمة ; قال
nindex.php?page=showalam&ids=15500الوليد بن مسلم : سمعت
الأوزاعي nindex.php?page=showalam&ids=16418وابن المبارك والفزاري nindex.php?page=showalam&ids=11813والسبيعي وسعيد بن عبد العزيز يقولون في هذه الآية إنها لأول هذه الأمة وآخرها . قلت : قول
قتادة حسن ; بدليل غزاة تبوك ، والله أعلم .
السادسة : روى
أبو داود عن
أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
nindex.php?page=hadith&LINKID=836475لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه . قالوا : يا رسول الله ، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة . ؟ قال : حبسهم العذر . خرجه
مسلم من حديث
جابر قال :
nindex.php?page=hadith&LINKID=836534كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فقال : إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا [ ص: 209 ] قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم المرض . فأعطى صلى الله عليه وسلم للمعذور من الأجر مثل ما أعطى للقوي العامل . وقد قال بعض الناس : إنما يكون الأجر للمعذور غير مضاعف ، ويضاعف للعامل المباشر . قال
nindex.php?page=showalam&ids=12815ابن العربي : وهذا تحكم على الله تعالى وتضييق لسعة رحمته ، وقد عاب بعض الناس فقال : إنهم يعطون الثواب مضاعفا قطعا ، ونحن لا نقطع بالتضعيف في موضع فإنه مبني على مقدار النيات ، وهذا أمر مغيب ، والذي يقطع به أن هناك تضعيفا وربك أعلم بمن يستحقه .
قلت : الظاهر من الأحاديث والآي المساواة في الأجر ; منها قوله عليه السلام :
nindex.php?page=hadith&LINKID=836535من دل على خير فله مثل أجر فاعله وقوله :
nindex.php?page=hadith&LINKID=836536من توضأ وخرج إلى الصلاة فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها . وهو ظاهر قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=100ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وبدليل أن
nindex.php?page=treesubj&link=28272النية الصادقة هي أصل الأعمال ، فإذا صحت في فعل طاعة فعجز عنها صاحبها لمانع منع منها فلا بعد في مساواة أجر ذلك العاجز لأجر القادر الفاعل ويزيد عليه ; لقوله عليه السلام :
nindex.php?page=hadith&LINKID=836537نية المؤمن خير من عمله . والله أعلم .