رسالة من
شيخ الإسلام - قدس الله روحه - إلى أصحابه وهو في حبس
الإسكندرية قال : بسم الله الرحمن الرحيم {
nindex.php?page=tafseer&surano=6183&ayano=93وأما بنعمة ربك فحدث } . والذي أعرف به الجماعة أحسن الله إليهم في الدنيا وفي الآخرة وأتم عليهم نعمته الظاهرة والباطنة ; فإني - والله العظيم الذي لا إله إلا هو - في نعم من الله ما رأيت مثلها في عمري كله وقد فتح الله سبحانه وتعالى من أبواب فضله ونعمته وخزائن جوده ورحمته ما لم يكن بالبال ; ولا يدور في الخيال ما يصل الطرف إليها يسرها الله تعالى حتى صارت مقاعد وهذا يعرف بعضها بالذوق من له نصيب من معرفة الله وتوحيده وحقائق الإيمان وما هو مطلوب الأولين والآخرين من العلم والإيمان .
[ ص: 31 ] فإن اللذة والفرحة والسرور وطيب الوقت والنعيم الذي لا يمكن التعبير عنه إنما هو في معرفة الله سبحانه وتعالى وتوحيده والإيمان به : وانفتاح الحقائق الإيمانية والمعارف القرآنية كما قال بعض الشيوخ : لقد كنت في حال أقول فيها : إن كان أهل الجنة في هذه الحال إنهم لفي عيش طيب .
وقال آخر : لتمر على القلب أوقات يرقص فيها طربا
nindex.php?page=treesubj&link=24589_29675_29676وليس في الدنيا نعيم يشبه نعيم الآخرة إلا نعيم الإيمان والمعرفة . ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " {
nindex.php?page=hadith&LINKID=600229أرحنا بالصلاة يا بلال } ولا يقول : أرحنا منها كما يقوله من تثقل عليه الصلاة كما قال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=54&ayano=2وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } والخشوع : الخضوع لله تعالى والسكون والطمأنينة إليه بالقلب والجوارح . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : {
nindex.php?page=hadith&LINKID=600230حبب إلي من دنياكم النساء والطيب } ثم يقول : {
nindex.php?page=hadith&LINKID=40054وجعلت قرة عيني في الصلاة } ولم يقل : {
nindex.php?page=hadith&LINKID=600231حبب إلي من دنياكم ثلاث } كما يرفعه بعض الناس بل هكذا رواه
nindex.php?page=showalam&ids=12251الإمام أحمد والنسائي أن المحبب إليه من الدنيا النساء والطيب . وأما قرة العين تحصل بحصول المطلوب وذلك في الصلاة .
والقلوب فيها وسواس النفس والشيطان يأمر بالشهوات والشبهات ما يفسد عليه طيب عيشها فمن كان محبا لغير الله فهو معذب في الدنيا
[ ص: 32 ] والآخرة ; إن نال مراده عذب به ; وإن لم ينله فهو في العذاب والحسرة والحزن .
nindex.php?page=treesubj&link=28656_29428_28683وليس للقلوب سرور ولا لذة تامة إلا في محبة الله والتقرب إليه بما يحبه ولا تمكن محبته إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه وهذا حقيقة لا إله إلا الله وهي ملة
إبراهيم الخليل - عليه السلام - وسائر الأنبياء والمرسلين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه : {
nindex.php?page=hadith&LINKID=600232قولوا : أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين } .
" والحنيف "
للسلف فيه ثلاث عبارات . قال
محمد بن كعب : مستقيما . وقال
عطاء : مخلصا . وقال آخرون : متبعا . فهو مستقيم القلب إلى الله دون ما سواه قال الله تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4265&ayano=41فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين } وقال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4289&ayano=41إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } قال
أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - : فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة . فلم يلتفتوا بقلوبهم إلى ما سواه لا بالحب ولا بالخوف ولا بالرجاء ; ولا بالسؤال ; ولا بالتوكل عليه ; بل لا يحبون إلا الله ولا يحبون معه أندادا ولا يحبون إلا إياه ; لا لطلب منفعة ولا لدفع مضرة ولا يخافون غيره كائنا من كان ولا يسألون غيره ولا يتشرفون
[ ص: 33 ] بقلوبهم إلى غيره .
ولهذا {
nindex.php?page=hadith&LINKID=600233قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل ولا متشرف فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك } - فالسائل بلسانه والمتشرف بقلبه - متفق على صحته وعن
أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " {
nindex.php?page=hadith&LINKID=37624من يستعفف يعفه الله ; ومن يستغن يغنه الله ; ومن يصبر يصبره الله } متفق على صحته . فالغنى في القلب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " {
nindex.php?page=hadith&LINKID=600234ليس الغنى عن كثرة المال ; ولكن الغنى غنى النفس } . " والعفيف " الذي لا يسأل بلسانه لا نصرا ولا رزقا قال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=5328&ayano=67أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور } {
nindex.php?page=tafseer&surano=5329&ayano=67أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور } . وقال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1208&ayano=8وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير } وقال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=2695&ayano=22وجاهدوا في الله حق جهاده } إلى آخر السورة . وقال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4325&ayano=42ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } أي : لا في ذاته ولا في صفاته ; ولا في أفعاله . فإنه سبحانه وتعالى من حسن تدبيره لعبده وتيسيره له أسباب الخير من الهدى للقلوب والزلفى لديه والتبصير : يدفع عنه شياطين الإنس والجن ما لا تبلغ العباد قدره .
nindex.php?page=treesubj&link=28750والخير كله في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم النبي الأمي الذي {
nindex.php?page=tafseer&surano=1118&ayano=7يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر } إلى آخر الآية . وأكثر الناس لا
[ ص: 34 ] يعرفون حقائق ما جاء به ; إنما عندهم قسط من ذلك . {
nindex.php?page=tafseer&surano=4609&ayano=47والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم } وقال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=3438&ayano=29والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } والجهاد يوجب هداية السبيل إليه . وقال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1232&ayano=8يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } . فكل من اتبع الرسول فإن الله حسبه ; أي كافيه وهاديه وناصره ; أي : كافيه كفايته وهدايته وناصره ورازقه .
فالإنسان ظالم جاهل كما قال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=3638&ayano=33إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال } إلى قوله : {
nindex.php?page=tafseer&surano=3638&ayano=33ظلوما جهولا } وإنما غاية أولياء الله المتقين وحزبه المفلحين وجنده الغالبين التوبة . وقد قال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=6326&ayano=110فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا } وتوبة كل إنسان بحسبه وعلى قدر مقامه وحاله .
ولهذا كان الدين مجموعا في التوحيد والاستغفار قال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4611&ayano=47فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } . وقال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4265&ayano=41فاستقيموا إليه واستغفروه } . وقال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1574&ayano=11واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه }
nindex.php?page=treesubj&link=28655ففعل جميع المأمورات وترك جميع المحظورات يدخل في التوحيد في قول : لا إله إلا الله ; فإنه من لم يفعل الطاعات لله ويترك المعاصي لله : لم يقبل الله عمله قال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=701&ayano=5إنما يتقبل الله من المتقين } قال
طلق بن حبيب : التقوى : أن تعمل بطاعة الله على نور
[ ص: 35 ] من الله ترجو رحمة الله ; وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عذاب الله .
ولا بد لكل عبد من التوبة والاستغفار بحسب حاله .
والعبد إذا أنعم الله عليه بالتوحيد فشهد أن لا إله إلا الله مخلصا من قلبه - والإله هو المعبود الذي يستحق غاية الحب والعبودية بالإجلال والإكرام والخوف والرجاء يفنى القلب بحب الله تعالى عن حب ما سواه ودعائه والتوكل عليه وسؤاله عما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواه - حلاه الله بالأمن والسرور والحبور والرحمة للخلق ; والجهاد في سبيل الله ; فهو يجاهد ويرحم . له الصبر والرحمة قال الله تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=6130&ayano=90وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة } وكلما قوي التوحيد في قلب العبد قوي إيمانه وطمأنينته وتوكله ويقينه .
والخوف الذي يحصل في قلوب الناس هو الشرك الذي في قلوبهم قال الله تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=447&ayano=3سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله } . وكما قال الله جل جلاله في قصة الخليل عليه السلام أتحاجونني في الله وقد هداني إلى قوله : {
nindex.php?page=tafseer&surano=877&ayano=6الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } . وفي الحديث الصحيح : " {
nindex.php?page=hadith&LINKID=600235تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة تعس عبد الخميلة [ ص: 36 ] تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش } . فمن كان في قلبه رياسة لمخلوق ففيه من عبوديته بحسب ذلك . فلما خوفوا خليله بما يعبدونه ويشركون به - الشرك الأكبر كالعبادة - قال
الخليل : {
nindex.php?page=tafseer&surano=876&ayano=6وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون } يقول : إن تطيعوا غير الله وتعبدوا غيره وتكلمون في دينه ما لم ينزل به سلطانا : فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ؟ أي تشركون بالله ولا تخافونه وتخوفوني أنا بغير الله فمن ذا الذي يستحق الأمن إلى قوله : {
nindex.php?page=tafseer&surano=877&ayano=6أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } أي : هؤلاء الموحدون المخلصون ; ولهذا قال
nindex.php?page=showalam&ids=12251الإمام أحمد لبعض الناس : لو صححت لم تخف أحدا .
ولكن للشيطان وسواس في قلوب الناس كما قال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=907&ayano=6وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا } إلى قوله تعالى {
nindex.php?page=tafseer&surano=911&ayano=6إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون } أخبر سبحانه وتعالى : أن ما جاءت به الرسل والأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - لا بد له من عدو شياطين الإنس والجن يوسوسون القول المزخرف ونهى أن يطلب حكما من غير الله بقوله تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=909&ayano=6أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا } والكتاب : هو الحاكم بين الناس شرعا ودينا وينصر القائم نصرا وقدرا . وقد قال الله تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1157&ayano=7إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين } . وقال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4536&ayano=45ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها } إلى قوله : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4537&ayano=45والله ولي المتقين } . وقال تعالى : " {
nindex.php?page=tafseer&surano=5157&ayano=57لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط } إلى قوله : {
nindex.php?page=tafseer&surano=5157&ayano=57إن الله قوي عزيز } و " الميزان " هو : العدل وما به يعرف العدل وأنزل الحديد لينصر الكتاب ; فإن قام صاحبه بذلك كان سعيدا مجاهدا في سبيل الله ; فإن الله نصر الكتاب بأمر من عنده ; وانتقم ممن خرج عن حكم الكتاب كما قال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1284&ayano=9إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين } إلى قوله : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1284&ayano=2والله عزيز حكيم } . {
وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : { nindex.php?page=tafseer&surano=1284&ayano=9إن الله معنا } } وقال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=2045&ayano=16إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } وقال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=162&ayano=2إن الله مع الصابرين } . وكل من وافق الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر خالف فيه غيره فهو من الذين اتبعوه في ذلك ; وله نصيب من قوله : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1284&ayano=9لا تحزن إن الله معنا } فإن المعية الإلهية المتضمنة للنصر هي لما جاء به إلى يوم القيامة ; وهذا قد دل عليه القرآن وقد رأينا من ذلك وجربنا ما يطول وصفه . وقال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4312&ayano=41سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم } إلى آخر السورة . وقال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=3363&ayano=7والعاقبة للمتقين } .
[ ص: 38 ] وقال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=6314&ayano=108فصل لربك وانحر } {
nindex.php?page=tafseer&surano=6315&ayano=108إن شانئك هو الأبتر } فمن شنأ شيئا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فله من ذلك نصيب ; ولهذا قال
nindex.php?page=showalam&ids=11948أبو بكر بن عياش لما قيل له : إن بالمسجد أقواما يجلسون ويجلس الناس إليهم فقال : من جلس للناس جلس الناس إليه ; لكن
أهل السنة يبقون ويبقى ذكرهم وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم . وذلك أن أهل البدعة شنئوا بعض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فأبترهم بقدر ذلك والذين أعلنوا ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فصار لهم نصيب من قوله تعالى {
nindex.php?page=tafseer&surano=6188&ayano=94ورفعنا لك ذكرك } فإن ما أكرم الله به نبيه من سعادة الدنيا والآخرة فللمؤمنين المتابعين نصيب بقدر إيمانهم . فما كان من خصائص النبوة والرسالة فلم يشارك فيه أحد من أمته وما كان من ثواب الإيمان والأعمال الصالحة فلكل مؤمن نصيب بقدر ذلك .
والله تعالى يقول : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1277&ayano=9هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله } بالحجة والبيان ; وباليد واللسان ; وهذا إلى يوم القيامة ; لكن الجهاد المكي بالعلم والبيان ; والجهاد المدني مع المكي باليد والحديد قال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=2932&ayano=25فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا } و " سورة الفرقان " مكية وإنما جاهدهم باللسان والبيان ; ولكن يكف عن الباطل وإنما قد بين في المكية . {
nindex.php?page=tafseer&surano=4623&ayano=47ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم } . وقال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=223&ayano=2أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب } . وقال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=3370&ayano=2الم } {
nindex.php?page=tafseer&surano=3371&ayano=29أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون } إلى قوله : {
nindex.php?page=tafseer&surano=3373&ayano=6ساء ما يحكمون } فبين سبحانه وتعالى : أنه أرسل رسله . والناس رجلان : رجل يقول : أنا مؤمن به مطيعه ; فهذا لا بد أن يمتحن حتى يعلم صدقه من كذبه . ورجل مقيم على المعصية ; فهذا قد عمل السيئات فلا يظن أن يسبقونا بل لا بد أن نأخذهم . وما لأحد من خروج عن هذين القسمين . قال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=2620&ayano=22ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد } إلى قوله : {
nindex.php?page=tafseer&surano=2630&ayano=22لبئس المولى ولبئس العشير } .
فبين سبحانه حال من يجادل في الدين بلا علم ; والعلم : هو ما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم وهو : السلطان كما قال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4229&ayano=40إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم } فمن
nindex.php?page=treesubj&link=28750تكلم في الدين بغير ما بعث الله به رسوله - صلى الله عليه وسلم - كان متكلما بغير علم ومن تولاه الشيطان فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير ومن انقاد لدين الله فقد عبد الله باليقين بل إن أصابه ما يهواه استمر
[ ص: 40 ] وإن أصابه ما يخالف هواه رجع وقد عبد الله على حرف و " الحرف " هو : الجانب كحرف الرغيف وحرف الجبل ليس مستقرا بثبات {
nindex.php?page=tafseer&surano=2628&ayano=22فإن أصابه خير } في الدنيا {
nindex.php?page=tafseer&surano=2628&ayano=22اطمأن به وإن أصابته فتنة } أي : محنة امتحن بها {
nindex.php?page=tafseer&surano=2628&ayano=22انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين } وحرف الجبل ليس مستقرا بالثبات معناه : خسر الدنيا بما امتحن به وخسر الآخرة برجوعه عن الدين {
nindex.php?page=tafseer&surano=2629&ayano=22يدعو من دون الله ما لا يضره } الآية . أي : يدعو المخلوقين ; يخافهم ويرجوهم وهم لا يملكون له ضرا ولا نفعا بل ضرهم أقرب من نفعهم ; وإن كان سبب نزولها في شخص معين أسلم وكان مشركا فحكمها عام في كل من تناوله لفظها ومعناها إلى يوم القيامة .
فكل
nindex.php?page=treesubj&link=28676_29431من دعا غير الله فهو مشرك والعيان يصدق هذا ; فإن المخلوقين إذا اشتكى إليهم الإنسان فضررهم أقرب من نفعهم والخالق - جل جلاله وتقدست أسماؤه ولا إله غيره - إذا اشتكى إليه المخلوق وأنزل حاجته به واستغفره من ذنوبه : أيده وقواه وهداه وسد فاقته وأغناه وقربه وأقناه وحبه واصطفاه والمخلوق إذا أنزل العبد به حاجته استرذله وازدراه ثم أعرض عنه خسر الدنيا والآخرة وإن قضى له ببعض مطلبه ; لأنه عنده من بعض رعاياه يستعبده بما يهواه قال
الخليل عليه أفضل الصلاة والسلام : {
nindex.php?page=tafseer&surano=3386&ayano=29فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون } . وقال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=456&ayano=3إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون } وقال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=435&ayano=3ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين } .
وهذا باب واسع قد كتبت فيه شيئا كثيرا وعرفته : علما وذوقا وتجربة .
رِسَالَةٌ مِنْ
شَيْخِ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - إلَى أَصْحَابِهِ وَهُوَ فِي حَبْسِ
الإسكندرية قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {
nindex.php?page=tafseer&surano=6183&ayano=93وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ } . وَاَلَّذِي أُعَرِّفُ بِهِ الْجَمَاعَةَ أَحْسَنَ اللَّهُ إلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَأَتَمَّ عَلَيْهِمْ نِعْمَتَهُ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ ; فَإِنِّي - وَاَللَّهِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ - فِي نِعَمٍ مِنْ اللَّهِ مَا رَأَيْت مِثْلَهَا فِي عُمْرِي كُلِّهِ وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنْ أَبْوَابِ فَضْلِهِ وَنِعْمَتِهِ وَخَزَائِنِ جُودِهِ وَرَحْمَتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ بِالْبَالِ ; وَلَا يَدُورُ فِي الْخَيَالِ مَا يَصِلُ الطَّرْفُ إلَيْهَا يَسَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى صَارَتْ مَقَاعِدَ وَهَذَا يَعْرِفُ بَعْضَهَا بِالذَّوْقِ مَنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَتَوْحِيدِهِ وَحَقَائِقِ الْإِيمَانِ وَمَا هُوَ مَطْلُوبُ الْأَوَّلِينَ والآخرين مِنْ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ .
[ ص: 31 ] فَإِنَّ اللَّذَّةَ وَالْفَرْحَةَ وَالسُّرُورَ وَطِيبَ الْوَقْتِ وَالنَّعِيمَ الَّذِي لَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ إنَّمَا هُوَ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَتَوْحِيدِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ : وَانْفِتَاحِ الْحَقَائِقِ الْإِيمَانِيَّةِ وَالْمَعَارِفِ الْقُرْآنِيَّةِ كَمَا قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ : لَقَدْ كُنْت فِي حَالٍ أَقُولُ فِيهَا : إنْ كَانَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي هَذِهِ الْحَالِ إنَّهُمْ لَفِي عَيْشٍ طَيِّبٍ .
وَقَالَ آخَرُ : لَتَمُرُّ عَلَى الْقَلْبِ أَوْقَاتٌ يَرْقُصُ فِيهَا طَرَبًا
nindex.php?page=treesubj&link=24589_29675_29676وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا نَعِيمٌ يُشْبِهُ نَعِيمَ الْآخِرَةِ إلَّا نَعِيمَ الْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ . وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " {
nindex.php?page=hadith&LINKID=600229أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ يَا بِلَالُ } وَلَا يَقُولُ : أَرِحْنَا مِنْهَا كَمَا يَقُولُهُ مَنْ تَثْقُلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=54&ayano=2وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ } وَالْخُشُوعُ : الْخُضُوعُ لِلَّهِ تَعَالَى وَالسُّكُونُ وَالطُّمَأْنِينَةُ إلَيْهِ بِالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ . وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : {
nindex.php?page=hadith&LINKID=600230حُبِّبَ إلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ } ثُمَّ يَقُولُ : {
nindex.php?page=hadith&LINKID=40054وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ } وَلَمْ يَقُلْ : {
nindex.php?page=hadith&LINKID=600231حُبِّبَ إلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلَاثٌ } كَمَا يَرْفَعُهُ بَعْضُ النَّاسِ بَلْ هَكَذَا رَوَاهُ
nindex.php?page=showalam&ids=12251الْإِمَامُ أَحْمَد والنسائي أَنَّ الْمُحَبَّبَ إلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ . وَأَمَّا قُرَّةُ الْعَيْنِ تَحْصُلُ بِحُصُولِ الْمَطْلُوبِ وَذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ .
وَالْقُلُوبُ فِيهَا وَسْوَاسُ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانُ يَأْمُرُ بِالشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ مَا يُفْسِدُ عَلَيْهِ طِيبَ عَيْشِهَا فَمَنْ كَانَ مُحِبًّا لِغَيْرِ اللَّهِ فَهُوَ مُعَذَّبٌ فِي الدُّنْيَا
[ ص: 32 ] وَالْآخِرَةِ ; إنْ نَالَ مُرَادَهُ عُذِّبَ بِهِ ; وَإِنْ لَمْ يَنَلْهُ فَهُوَ فِي الْعَذَابِ وَالْحَسْرَةِ وَالْحُزْنِ .
nindex.php?page=treesubj&link=28656_29428_28683وَلَيْسَ لِلْقُلُوبِ سُرُورٌ وَلَا لَذَّةٌ تَامَّةٌ إلَّا فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ وَالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِمَا يُحِبُّهُ وَلَا تُمْكِنُ مَحَبَّتُهُ إلَّا بِالْإِعْرَاضِ عَنْ كُلِّ مَحْبُوبٍ سِوَاهُ وَهَذَا حَقِيقَةُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَهِيَ مِلَّةُ
إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ صَلَاةُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ : {
nindex.php?page=hadith&LINKID=600232قُولُوا : أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ وَكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ وَدِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِلَّةِ أَبِينَا إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ } .
" وَالْحَنِيفُ "
لِلسَّلَفِ فِيهِ ثَلَاثُ عِبَارَاتٍ . قَالَ
مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ : مُسْتَقِيمًا . وَقَالَ
عَطَاءٌ : مُخْلِصًا . وَقَالَ آخَرُونَ : مُتَّبِعًا . فَهُوَ مُسْتَقِيمُ الْقَلْبِ إلَى اللَّهِ دُونَ مَا سِوَاهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4265&ayano=41فَاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ } وَقَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4289&ayano=41إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا } قَالَ
أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : فَلَمْ يَلْتَفِتُوا عَنْهُ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً . فَلَمْ يَلْتَفِتُوا بِقُلُوبِهِمْ إلَى مَا سِوَاهُ لَا بِالْحُبِّ وَلَا بِالْخَوْفِ وَلَا بِالرَّجَاءِ ; وَلَا بِالسُّؤَالِ ; وَلَا بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ ; بَلْ لَا يُحِبُّونَ إلَّا اللَّهَ وَلَا يُحِبُّونَ مَعَهُ أَنْدَادًا وَلَا يُحِبُّونَ إلَّا إيَّاهُ ; لَا لِطَلَبِ مَنْفَعَةٍ وَلَا لِدَفْعِ مَضَرَّةٍ وَلَا يَخَافُونَ غَيْرَهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ وَلَا يَسْأَلُونَ غَيْرَهُ وَلَا يَتَشَرَّفُونَ
[ ص: 33 ] بِقُلُوبِهِمْ إلَى غَيْرِهِ .
وَلِهَذَا {
nindex.php?page=hadith&LINKID=600233قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا أَتَاك مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ سَائِلٍ وَلَا مُتَشَرِّفٍ فَخُذْهُ وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَك } - فَالسَّائِلُ بِلِسَانِهِ وَالْمُتَشَرِّفُ بِقَلْبِهِ - مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ وَعَنْ
أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " {
nindex.php?page=hadith&LINKID=37624مَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ ; وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ ; وَمَنْ يَصْبِرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ } مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ . فَالْغِنَى فِي الْقَلْبِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {
nindex.php?page=hadith&LINKID=600234لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْمَالِ ; وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ } . " وَالْعَفِيفُ " الَّذِي لَا يَسْأَلُ بِلِسَانِهِ لَا نَصْرًا وَلَا رِزْقًا قَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=5328&ayano=67أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إنِ الْكَافِرُونَ إلَّا فِي غُرُورٍ } {
nindex.php?page=tafseer&surano=5329&ayano=67أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ } . وَقَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1208&ayano=8وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } وَقَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=2695&ayano=22وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ } إلَى آخِرِ السُّورَةِ . وَقَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4325&ayano=42لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } أَيْ : لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ ; وَلَا فِي أَفْعَالِهِ . فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنْ حُسْنِ تَدْبِيرِهِ لِعَبْدِهِ وَتَيْسِيرِهِ لَهُ أَسْبَابَ الْخَيْرِ مِنْ الْهُدَى لِلْقُلُوبِ وَالزُّلْفَى لَدَيْهِ وَالتَّبْصِيرِ : يَدْفَعُ عَنْهُ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ مَا لَا تَبْلُغُ الْعِبَادُ قَدْرَهُ .
nindex.php?page=treesubj&link=28750وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي مُتَابَعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي {
nindex.php?page=tafseer&surano=1118&ayano=7يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ } إلَى آخِرِ الْآيَةِ . وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَا
[ ص: 34 ] يَعْرِفُونَ حَقَائِقَ مَا جَاءَ بِهِ ; إنَّمَا عِنْدَهُمْ قِسْطٌ مِنْ ذَلِكَ . {
nindex.php?page=tafseer&surano=4609&ayano=47وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ } وَقَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=3438&ayano=29وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } وَالْجِهَادُ يُوجِبُ هِدَايَةَ السَّبِيلِ إلَيْهِ . وَقَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1232&ayano=8يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } . فَكُلُّ مَنْ اتَّبَعَ الرَّسُولَ فَإِنَّ اللَّهَ حَسْبُهُ ; أَيْ كَافِيهِ وَهَادِيهِ وَنَاصِرُهُ ; أَيْ : كَافِيهِ كِفَايَتَهُ وَهِدَايَتَهُ وَنَاصِرُهُ وَرَازِقُهُ .
فَالْإِنْسَانُ ظَالِمٌ جَاهِلٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=3638&ayano=33إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ } إلَى قَوْلِهِ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=3638&ayano=33ظَلُومًا جَهُولًا } وَإِنَّمَا غَايَةُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ وَحِزْبِهِ الْمُفْلِحِينَ وَجُنْدِهِ الْغَالِبِينَ التَّوْبَةُ . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=6326&ayano=110فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كَانَ تَوَّابًا } وَتَوْبَةُ كُلِّ إنْسَانٍ بِحَسَبِهِ وَعَلَى قَدْرِ مَقَامِهِ وَحَالِهِ .
وَلِهَذَا كَانَ الدِّينُ مَجْمُوعًا فِي التَّوْحِيدِ وَالِاسْتِغْفَارِ قَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4611&ayano=47فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } . وَقَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4265&ayano=41فَاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ } . وَقَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1574&ayano=11وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ }
nindex.php?page=treesubj&link=28655فَفِعْلُ جَمِيعِ الْمَأْمُورَاتِ وَتَرْكُ جَمِيعِ الْمَحْظُورَاتِ يَدْخُلُ فِي التَّوْحِيدِ فِي قَوْلِ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ; فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ الطَّاعَاتِ لِلَّهِ وَيَتْرُكْ الْمَعَاصِيَ لِلَّهِ : لَمْ يَقْبَلْ اللَّهُ عَمَلَهُ قَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=701&ayano=5إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } قَالَ
طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ : التَّقْوَى : أَنْ تَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَلَى نُورٍ
[ ص: 35 ] مِنْ اللَّهِ تَرْجُو رَحْمَةَ اللَّهِ ; وَأَنْ تَتْرُكَ مَعْصِيَةَ اللَّهِ عَلَى نُورٍ مِنْ اللَّهِ تَخَافُ عَذَابَ اللَّهِ .
وَلَا بُدَّ لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ بِحَسَبِ حَالِهِ .
وَالْعَبْدُ إذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ فَشَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ - وَالْإِلَهُ هُوَ الْمَعْبُودُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ غَايَةَ الْحُبِّ وَالْعُبُودِيَّةِ بِالْإِجْلَالِ وَالْإِكْرَامِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ يَفْنَى الْقَلْبُ بِحُبِّ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ حُبِّ مَا سِوَاهُ وَدُعَائِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَسُؤَالِهِ عَمَّا سِوَاهُ وَبِطَاعَتِهِ عَنْ طَاعَةِ مَا سِوَاهُ - حَلَّاهُ اللَّهُ بِالْأَمْنِ وَالسُّرُورِ وَالْحُبُورِ وَالرَّحْمَةِ لِلْخَلْقِ ; وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ; فَهُوَ يُجَاهِدُ وَيَرْحَمُ . لَهُ الصَّبْرُ وَالرَّحْمَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=6130&ayano=90وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ } وَكُلَّمَا قَوِيَ التَّوْحِيدُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ قَوِيَ إيمَانُهُ وَطُمَأْنِينَتُهُ وَتَوَكُّلُهُ وَيَقِينُهُ .
وَالْخَوْفُ الَّذِي يَحْصُلُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ هُوَ الشِّرْكُ الَّذِي فِي قُلُوبِهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=447&ayano=3سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ } . وَكَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ فِي قِصَّةِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَتُحَاجُّونَنِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي إلَى قَوْلِهِ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=877&ayano=6الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ } . وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : " {
nindex.php?page=hadith&LINKID=600235تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ [ ص: 36 ] تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ } . فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ رِيَاسَةٌ لِمَخْلُوقِ فَفِيهِ مِنْ عُبُودِيَّتِهِ بِحَسَبِ ذَلِكَ . فَلَمَّا خَوَّفُوا خَلِيلَهُ بِمَا يَعْبُدُونَهُ وَيُشْرِكُونَ بِهِ - الشِّرْكَ الْأَكْبَرَ كَالْعِبَادَةِ - قَالَ
الْخَلِيلُ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=876&ayano=6وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } يَقُولُ : إنْ تُطِيعُوا غَيْرَ اللَّهِ وَتَعْبُدُوا غَيْرَهُ وَتُكَلِّمُونِ فِي دِينِهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا : فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ؟ أَيْ تُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ وَلَا تَخَافُونَهُ وَتُخَوِّفُونِي أَنَا بِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْأَمْنَ إلَى قَوْلِهِ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=877&ayano=6أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ } أَيْ : هَؤُلَاءِ الْمُوَحِّدُونَ الْمُخْلِصُونَ ; وَلِهَذَا قَالَ
nindex.php?page=showalam&ids=12251الْإِمَامُ أَحْمَد لِبَعْضِ النَّاسِ : لَوْ صَحَحْت لَمْ تَخَفْ أَحَدًا .
وَلَكِنْ لِلشَّيْطَانِ وَسْوَاسٌ فِي قُلُوبِ النَّاسِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=907&ayano=6وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا } إلَى قَوْله تَعَالَى {
nindex.php?page=tafseer&surano=911&ayano=6إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إلَّا يَخْرُصُونَ } أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : أَنَّ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عَدُوٍّ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوَسْوِسَونَ الْقَوْلَ الْمُزَخْرَفَ وَنَهَى أَنْ يَطْلُبَ حُكْمًا مِنْ غَيْرِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=909&ayano=6أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا } وَالْكِتَابُ : هُوَ الْحَاكِمُ بَيْنَ النَّاسِ شَرْعًا وَدِينًا وَيَنْصُرُ الْقَائِمَ نَصْرًا وَقَدَرًا . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1157&ayano=7إنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ } . وَقَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4536&ayano=45ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا } إلَى قَوْلِهِ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4537&ayano=45وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ } . وَقَالَ تَعَالَى : " {
nindex.php?page=tafseer&surano=5157&ayano=57لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ } إلَى قَوْلِهِ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=5157&ayano=57إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } وَ " الْمِيزَانُ " هُوَ : الْعَدْلُ وَمَا بِهِ يُعْرَفُ الْعَدْلُ وَأَنْزَلَ الْحَدِيدَ لِيَنْصُرَ الْكِتَابَ ; فَإِنْ قَامَ صَاحِبُهُ بِذَلِكَ كَانَ سَعِيدًا مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ; فَإِنَّ اللَّهَ نَصَرَ الْكِتَابَ بِأَمْرِ مِنْ عِنْدِهِ ; وَانْتَقَمَ مِمَّنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْكِتَابِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1284&ayano=9إلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ } إلَى قَوْلِهِ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1284&ayano=2وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } . {
وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ : { nindex.php?page=tafseer&surano=1284&ayano=9إنَّ اللَّهَ مَعَنَا } } وَقَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=2045&ayano=16إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ } وَقَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=162&ayano=2إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } . وَكُلُّ مَنْ وَافَقَ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرٍ خَالَفَ فِيهِ غَيْرَهُ فَهُوَ مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ذَلِكَ ; وَلَهُ نَصِيبٌ مِنْ قَوْلِهِ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1284&ayano=9لَا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا } فَإِنَّ الْمَعِيَّةَ الْإِلَهِيَّةَ الْمُتَضَمِّنَةَ لِلنَّصْرِ هِيَ لِمَا جَاءَ بِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ; وَهَذَا قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَقَدْ رَأَيْنَا مِنْ ذَلِكَ وَجَرَّبْنَا مَا يَطُولُ وَصْفُهُ . وَقَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4312&ayano=41سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ } إلَى آخِرِ السُّورَةِ . وَقَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=3363&ayano=7وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } .
[ ص: 38 ] وَقَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=6314&ayano=108فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } {
nindex.php?page=tafseer&surano=6315&ayano=108إنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ } فَمَنْ شَنَأَ شَيْئًا مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَهُ مِنْ ذَلِكَ نَصِيبٌ ; وَلِهَذَا قَالَ
nindex.php?page=showalam&ids=11948أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ لَمَّا قِيلَ لَهُ : إنَّ بِالْمَسْجِدِ أَقْوَامًا يَجْلِسُونَ وَيَجْلِسُ النَّاسُ إلَيْهِمْ فَقَالَ : مَنْ جَلَسَ لِلنَّاسِ جَلَسَ النَّاسُ إلَيْهِ ; لَكِنَّ
أَهْلَ السُّنَّةِ يَبْقَوْنَ وَيَبْقَى ذِكْرُهُمْ وَأَهْلَ الْبِدْعَةِ يَمُوتُونَ وَيَمُوتُ ذِكْرُهُمْ . وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْبِدْعَةِ شَنَئُوا بَعْضَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَبْتَرَهُمْ بِقَدْرِ ذَلِكَ وَاَلَّذِينَ أَعْلَنُوا مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَارَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى {
nindex.php?page=tafseer&surano=6188&ayano=94وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } فَإِنَّ مَا أَكَرَمَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ مِنْ سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلِلْمُؤْمِنِينَ الْمُتَابِعِينَ نَصِيبٌ بِقَدْرِ إيمَانِهِمْ . فَمَا كَانَ مِنْ خَصَائِصِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ فَلَمْ يُشَارِكْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِهِ وَمَا كَانَ مِنْ ثَوَابِ الْإِيمَانِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَلِكُلِّ مُؤْمِنٍ نَصِيبٌ بِقَدْرِ ذَلِكَ .
وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1277&ayano=9هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ } بِالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ ; وَبِالْيَدِ وَاللِّسَانِ ; وَهَذَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ; لَكِنَّ الْجِهَادَ الْمَكِّيَّ بِالْعِلْمِ وَالْبَيَانِ ; وَالْجِهَادَ الْمَدَنِيَّ مَعَ الْمَكِّيِّ بِالْيَدِ وَالْحَدِيدِ قَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=2932&ayano=25فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا } وَ " سُورَةُ الْفُرْقَانِ " مَكِّيَّةٌ وَإِنَّمَا جَاهَدَهُمْ بِاللِّسَانِ وَالْبَيَانِ ; وَلَكِنْ يَكُفُّ عَنْ الْبَاطِلِ وَإِنَّمَا قَدْ بَيَّنَ فِي الْمَكِّيَّةِ . {
nindex.php?page=tafseer&surano=4623&ayano=47وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ } . وَقَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=223&ayano=2أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ } . وَقَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=3370&ayano=2الم } {
nindex.php?page=tafseer&surano=3371&ayano=29أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ } إلَى قَوْلِهِ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=3373&ayano=6سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : أَنَّهُ أَرْسَلَ رُسُلَهُ . وَالنَّاسُ رَجُلَانِ : رَجُلٌ يَقُولُ : أَنَا مُؤْمِنٌ بِهِ مُطِيعُهُ ; فَهَذَا لَا بُدَّ أَنْ يُمْتَحَنَ حَتَّى يُعْلَمَ صِدْقُهُ مِنْ كَذِبِهِ . وَرَجُلٌ مُقِيمٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ ; فَهَذَا قَدْ عَمِلَ السَّيِّئَاتِ فَلَا يَظُنُّ أَنْ يَسْبِقُونَا بَلْ لَا بُدَّ أَنْ نَأْخُذَهُمْ . وَمَا لِأَحَدِ مِنْ خُرُوجٍ عَنْ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ . قَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=2620&ayano=22وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ } إلَى قَوْلِهِ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=2630&ayano=22لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ } .
فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ حَالَ مَنْ يُجَادِلُ فِي الدِّينِ بِلَا عِلْمٍ ; وَالْعِلْمُ : هُوَ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ : السُّلْطَانُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4229&ayano=40إنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ } فَمَنْ
nindex.php?page=treesubj&link=28750تَكَلَّمَ فِي الدِّينِ بِغَيْرِ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مُتَكَلِّمًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَمَنْ تَوَلَّاهُ الشَّيْطَانُ فَإِنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إلَى عَذَابِ السَّعِيرِ وَمَنْ انْقَادَ لِدِينِ اللَّهِ فَقَدَ عَبَدَ اللَّهَ بِالْيَقِينِ بَلْ إنْ أَصَابَهُ مَا يَهْوَاهُ اسْتَمَرَّ
[ ص: 40 ] وَإِنْ أَصَابَهُ مَا يُخَالِفُ هَوَاهُ رَجَعَ وَقَدْ عَبَدَ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ وَ " الْحَرْفُ " هُوَ : الْجَانِبُ كَحَرْفِ الرَّغِيفِ وَحَرْفِ الْجَبَلِ لَيْسَ مُسْتَقِرًّا بِثَبَاتِ {
nindex.php?page=tafseer&surano=2628&ayano=22فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ } فِي الدُّنْيَا {
nindex.php?page=tafseer&surano=2628&ayano=22اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ } أَيْ : مِحْنَةٌ اُمْتُحِنَ بِهَا {
nindex.php?page=tafseer&surano=2628&ayano=22انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } وَحَرْفُ الْجَبَلِ لَيْسَ مُسْتَقِرًّا بِالثَّبَاتِ مَعْنَاهُ : خَسِرَ الدُّنْيَا بِمَا اُمْتُحِنَ بِهِ وَخَسِرَ الْآخِرَةَ بِرُجُوعِهِ عَنْ الدِّينِ {
nindex.php?page=tafseer&surano=2629&ayano=22يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ } الْآيَةَ . أَيْ : يَدْعُو الْمَخْلُوقِينَ ; يَخَافُهُمْ وَيَرْجُوهُمْ وَهُمْ لَا يَمْلِكُونَ لَهُ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا بَلْ ضَرُّهُمْ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِمْ ; وَإِنْ كَانَ سَبَبُ نُزُولِهَا فِي شَخْصٍ مُعَيَّنٍ أَسْلَمَ وَكَانَ مُشْرِكًا فَحُكْمُهَا عَامٌّ فِي كُلِّ مَنْ تَنَاوَلَهُ لَفْظُهَا وَمَعْنَاهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
فَكُلُّ
nindex.php?page=treesubj&link=28676_29431مَنْ دَعَا غَيْرَ اللَّهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ وَالْعِيَانُ يُصَدِّقُ هَذَا ; فَإِنَّ الْمَخْلُوقِينَ إذَا اشْتَكَى إلَيْهِمْ الْإِنْسَانُ فَضَرَرُهُمْ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِمْ وَالْخَالِقَ - جَلَّ جَلَالُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ وَلَا إلَهَ غَيْرُهُ - إذَا اشْتَكَى إلَيْهِ الْمَخْلُوقُ وَأَنْزَلَ حَاجَتَهُ بِهِ وَاسْتَغْفَرَهُ مِنْ ذُنُوبِهِ : أَيَّدَهُ وَقَوَّاهُ وَهَدَاهُ وَسَدَّ فَاقَتَهُ وَأَغْنَاهُ وَقَرَّبَهُ وَأَقْنَاهُ وَحَبَّهُ وَاصْطَفَاهُ وَالْمَخْلُوقُ إذَا أَنْزَلَ الْعَبْدُ بِهِ حَاجَتَهُ اسْتَرْذَلَهُ وَازْدَرَاهُ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهُ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ وَإِنْ قَضَى لَهُ بِبَعْضِ مَطْلَبِهِ ; لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ بَعْضِ رعاياه يَسْتَعْبِدُهُ بِمَا يَهْوَاهُ قَالَ
الْخَلِيلُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=3386&ayano=29فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ } . وَقَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=456&ayano=3إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } وَقَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=435&ayano=3وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } .
وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ قَدْ كَتَبْت فِيهِ شَيْئًا كَثِيرًا وَعَرَفْته : عِلْمًا وَذَوْقًا وَتَجْرِبَةً .