[ ص: 623 ] وقال شيخ الإسلام رحمه الله فصل : قد ذكرت فيما تقدم من القواعد : أن " الإسلام " الذي هو دين الله الذي أنزل به كتبه ; وأرسل به رسله ; وهو أن يسلم العبد لله رب العالمين ; فيستسلم لله وحده لا شريك له ويكون سالما له بحيث يكون متألها له غير متأله لما سواه كما بينته أفضل الكلام ورأس الإسلام : وهو شهادة أن لا إله إلا الله . وله ضدان : الكبر والشرك ولهذا روي {
nindex.php?page=hadith&LINKID=596460أن نوحا عليه السلام أمر بنيه بلا إله إلا الله وسبحان الله ونهاهم عن الكبر والشرك } في حديث قد ذكرته في غير هذا الموضع فإن المستكبر عن عبادة الله لا يعبده فلا يكون مستسلما له والذي يعبده ويعبد غيره يكون مشركا به فلا يكون سالما له بل يكون له فيه شرك .
nindex.php?page=treesubj&link=28632ولفظ " الإسلام " يتضمن الاستسلام والسلامة التي هي الإخلاص وقد علم أن الرسل جميعهم بعثوا بالإسلام العام المتضمن لذلك كما قال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=718&ayano=5يحكم بها النبيون الذين أسلموا } وقال
موسى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1458&ayano=10إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين } وقال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=121&ayano=2بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه } وقال
الخليل لما قال له ربه : {
nindex.php?page=tafseer&surano=140&ayano=2أسلم قال أسلمت لرب العالمين } {
nindex.php?page=tafseer&surano=141&ayano=2ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب } - أيضا وصى بها بنيه - {
nindex.php?page=tafseer&surano=141&ayano=2يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } وقال
يوسف : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1709&ayano=12توفني مسلما } ونظائره كثيرة . وعلم أن
إبراهيم الخليل هو إمام الحنفاء المسلمين بعده كما جعله أمة وإماما وجاءت الرسل من ذريته بذلك فابتدعت
اليهود والنصارى ما ابتدعوه مما خرج بهم عن دين الله الذي أمروا به وهو الإسلام العام ولهذا أمرنا أن نقول : {
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=1اهدنا الصراط المستقيم } {
nindex.php?page=tafseer&surano=8&ayano=1صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : {
nindex.php?page=hadith&LINKID=68982اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون } وكل من هاتين الأمتين خرجت عن الإسلام وغلب عليها أحد ضديه
فاليهود يغلب عليهم الكبر ويقل فيهم الشرك
والنصارى يغلب عليهم الشرك ويقل فيهم الكبر .
وقد بين الله ذلك في كتابه فقال في
اليهود : {
nindex.php?page=tafseer&surano=92&ayano=2وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله } . وهذا هو أصل الإسلام . إلى قوله : {
nindex.php?page=tafseer&surano=96&ayano=2وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون } . وهذا اللفظ الذي هو لفظ الاستفهام ; هو إنكار لذلك عليهم . وذم لهم عليه وإنما يذمون على ما فعلوه فعلم أنهم كانوا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى
[ ص: 625 ] أنفسهم استكبروا فيقتلون فريقا من الأنبياء ويكذبون فريقا ; وهذا حال المستكبر الذي لا يقبل ما لا يهواه ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد فسر الكبر في الحديث الصحيح بأنه بطر الحق وغمط الناس ففي صحيح
مسلم عن
nindex.php?page=showalam&ids=10عبد الله بن مسعود . قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم {
nindex.php?page=hadith&LINKID=70249لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فقال رجل : يا رسول الله الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا أفمن الكبر ذاك ؟ فقال : لا إن الله جميل يحب الجمال ولكن الكبر بطر الحق وغمط الناس } وبطر الحق جحده ودفعه وغمط الناس احتقارهم وازدراؤهم . وكذلك ذكر الله " الكبر " في قوله بعد أن قال : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1106&ayano=7وكتبنا له في الألواح من كل شيء } إلى أن قال : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1107&ayano=7سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا } .
وهذا حال الذي لا يعمل بعلمه بل يتبع هواه وهو الغاوي كما قال : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1136&ayano=7واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين } {
nindex.php?page=tafseer&surano=1137&ayano=7ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه } الآية وهذا مثل علماء السوء وقد قال لما رجع
موسى إليهم : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1115&ayano=7ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون } فالذين يرهبون ربهم ; خلاف الذين يتبعون أهواءهم كما قال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=5831&ayano=79وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى } {
nindex.php?page=tafseer&surano=5832&ayano=79فإن الجنة هي المأوى } .
[ ص: 626 ] فأولئك المستكبرون المتبعون أهواءهم مصروفون عن آيات الله لا يعلمون ولا يفهمون لما تركوا العمل بما علموه استكبارا واتباعا لأهوائهم عوقبوا بأن منعوا الفهم والعلم ; فإن العلم حرب للمتعالي كما أن السيل حرب للمكان العالي والذين يرهبون ربهم عملوا بما علموه فأتاهم الله علما ورحمة إذ من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم ولهذا لما وصف الله
النصارى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=756&ayano=5بأن منهم قسيسين ورهبانا } . والرهبان : من الرهبنة {
nindex.php?page=tafseer&surano=756&ayano=5وأنهم لا يستكبرون } كانوا بذلك أقرب مودة إلى الذين آمنوا . كما قال : {
nindex.php?page=tafseer&surano=756&ayano=5لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون } . فلما كان فيهم رهبة وعدم كبر كانوا أقرب إلى الهدى فقال في حق المسلمين منهم : {
nindex.php?page=tafseer&surano=757&ayano=5وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين } .
قال
ابن عباس : مع
محمد وأمته وهم الأمة الشهداء فإن
النصارى لهم قصد وعبادة وليس لهم علم وشهادة ; ولهذا فإن كان
اليهود شرا منهم ; بأنهم أكثر كبرا وأقل رهبة وأعظم قسوة فإن
النصارى شر منهم فإنهم أعظم ضلالا وأكثر شركا وأبعد عن تحريم ما حرم الله ورسوله . وقد وصفهم الله بالشرك الذي ابتدعوه كما وصف
اليهود بالكبر الذي هووه فقال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1275&ayano=9اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون } وقال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=790&ayano=5وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } إلى قوله : {
nindex.php?page=tafseer&surano=791&ayano=5أن اعبدوا الله ربي وربكم } الآية وقد ذكر الله
nindex.php?page=treesubj&link=28976_29434قولهم إن الله هو المسيح ابن مريم وإن الله ثالث ثلاثة nindex.php?page=treesubj&link=28973_29434وقولهم : اتخذ الله ولدا ; في مواضع من كتابه وبين عظيم فريتهم وشتمهم لله وقولهم " الإد " الذي : {
nindex.php?page=tafseer&surano=2359&ayano=19تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا } ولهذا يدعوهم في غير موضع إلى ألا يعبدوا إلا إلها واحدا كقوله : {
nindex.php?page=tafseer&surano=668&ayano=4يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق } إلى قوله : {
nindex.php?page=tafseer&surano=668&ayano=4ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد } إلى قوله {
nindex.php?page=tafseer&surano=669&ayano=4لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا } وهذا لأن المشركين بمخلوق من البشر أو غيرهم يصيرون هم مشركون . ويصير الذي أشركوا به من الإنس والجن مستكبرا كما قال : {
nindex.php?page=tafseer&surano=5525&ayano=72وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا } فأخبر الله أن عباده لا يستكبرون عن عبادته وإن أشرك بهم المشركون .
وكذلك قال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=747&ayano=5لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد } إلى قوله : {
nindex.php?page=tafseer&surano=749&ayano=5ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة } الآية وقال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=746&ayano=5لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة } فأخبر أنه أمرهم بالتوحيد ونهاهم عن أن يشركوا به أو بغيره كما فعلوه . ولما كان أصل دين
اليهود الكبر عاقبهم بالذلة : فضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا . ولما كان أصل دين
النصارى الإشراك لتعديد الطرق إلى الله أضلهم عنه ; فعوقب كل من الأمتين على ما اجترمه بنقيض قصده {
nindex.php?page=tafseer&surano=4305&ayano=41وما ربك بظلام للعبيد } . كما جاء في الحديث : {
nindex.php?page=hadith&LINKID=59389يحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة في صور الذر يطؤهم الناس بأرجلهم } . وكما في الحديث عن
nindex.php?page=showalam&ids=2عمر بن الخطاب موقوفا ومرفوعا : {
ما من أحد إلا في رأسه حكمة فإن تواضع قيل له : انتعش نعشك الله وإن رفع رأسه قيل له : انتكس نكسك الله } . وقال سبحانه وتعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4233&ayano=40إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } وقال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4156&ayano=39بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين } {
nindex.php?page=tafseer&surano=4157&ayano=39ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين } {
nindex.php?page=tafseer&surano=4158&ayano=39وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم } . ولهذا استوجبوا الغضب والمقت .
والنصارى لما دخلوا في البدع : أضلهم عن سبيل الله فضلوا عن سبيل الله وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل وهم إنما ابتدعوها ليتقربوا بها إليه ويعبدوه فأبعدتهم عنه وأضلتهم عنه وصاروا يعبدون غيره .
[ ص: 629 ] فتدبر هذا والله تعالى يهدينا صراطه المستقيم صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم والضالين .
وقد وصف بعض
اليهود بالشرك في قوله : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1274&ayano=9وقالت اليهود عزير ابن الله } وفي قوله : {
nindex.php?page=tafseer&surano=734&ayano=5قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت } ففي
اليهود من عبد الأصنام وعبد البشر ; وذلك أن المستكبر عن الحق يبتلى بالانقياد للباطل فيكون المستكبر مشركا كما ذكر الله عن
فرعون وقومه : أنهم كانوا مع استكبارهم وجحودهم مشركين فقال عن مؤمن
آل فرعون : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4214&ayano=40ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار } {
nindex.php?page=tafseer&surano=4215&ayano=40تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار } {
nindex.php?page=tafseer&surano=4216&ayano=40لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة } . وقال : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4207&ayano=40ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات } الآية . وقال
يوسف الصديق لهم : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1647&ayano=12يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار } {
nindex.php?page=tafseer&surano=1648&ayano=12ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون } وقد قال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1088&ayano=7وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون } . فإن قيل : كيف يكون قوم
فرعون مشركين ؟ وقد أخبر الله عن
فرعون [ ص: 630 ] أنه جحد الخالق فقال : {
nindex.php?page=tafseer&surano=2981&ayano=26وما رب العالمين } وقال : {
nindex.php?page=tafseer&surano=3318&ayano=28ما علمت لكم من إله غيري } وقال : {
nindex.php?page=tafseer&surano=5815&ayano=79أنا ربكم الأعلى } وقال عن قومه : {
nindex.php?page=tafseer&surano=3199&ayano=27فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين } {
nindex.php?page=tafseer&surano=3200&ayano=27وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا } والإشراك لا يكون إلا من مقر بالله وإلا فالجاحد له لم يشرك به . قيل : لم يذكر الله جحود الصانع إلا عن
فرعون موسى وأما الذين كانوا في زمن
يوسف فالقرآن يدل على أنهم كانوا مقرين بالله وهم مشركون به ولهذا كان خطاب
يوسف للملك وللعزيز ولهم : يتضمن الإقرار بوجود الصانع كقوله : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1647&ayano=12أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار } {
nindex.php?page=tafseer&surano=1658&ayano=12ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة } إلى قوله {
nindex.php?page=tafseer&surano=1658&ayano=12إن ربي بكيدهن عليم } {
nindex.php?page=tafseer&surano=1660&ayano=12وأن الله لا يهدي كيد الخائنين } إلى قوله : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1661&ayano=12إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم } وقد قال مؤمن آل - حم - {
nindex.php?page=tafseer&surano=4207&ayano=40ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا } فهذا يقتضي : أن أولئك الذين بعث إليهم
يوسف كانوا يقرون بالله .
ولهذا كان إخوة
يوسف يخاطبونه قبل أن يعرفوا أنه
يوسف ويظنونه من
آل فرعون بخطاب يقتضي الإقرار بالصانع كقولهم : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1681&ayano=12تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين } وقال لهم : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1685&ayano=12أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون } وقال : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1687&ayano=12معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده } وقالوا له :
[ ص: 631 ] {
nindex.php?page=tafseer&surano=1696&ayano=12يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين } وذلك أن
فرعون الذي كان في زمن
يوسف أكرم أبويه وأهل بيته لما قدموا إكراما عظيما مع علمه بدينهم واستقراء أحوال الناس يدل على ذلك . فإن جحود الصانع لم يكن دينا غالبا على أمة من الأمم قط وإنما كان دين الكفار الخارجين عن الرسالة هو الإشراك وإنما كان يجحد الصانع بعض الناس وأولئك كان علماؤهم من الفلاسفة الصابئة المشركين الذين يعظمون الهياكل والكواكب والأصنام والأخبار المروية من نقل أخبارهم وسيرهم كلها تدل على ذلك ; ولكن
فرعون موسى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4422&ayano=43فاستخف قومه فأطاعوه } وهو الذي قال لهم - دون
الفراعنة المتقدمين - ; {
nindex.php?page=tafseer&surano=3318&ayano=28ما علمت لكم من إله غيري } ثم قال لهم بعد ذلك : {
nindex.php?page=tafseer&surano=5815&ayano=79أنا ربكم الأعلى } {
nindex.php?page=tafseer&surano=5816&ayano=79فأخذه الله نكال الآخرة والأولى } نكال الكلمة الأولى . ونكال الكلمة الأخيرة وكان
فرعون في الباطن عارفا بوجود الصانع وإنما استكبر كإبليس وأنكر وجوده ولهذا قال له
موسى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=2148&ayano=17لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر } فلما أنكر الصانع وكانت له آلهة يعبدها بقي على عبادتها ولم يصفه الله تعالى بالشرك وإنما وصفه بجحود الصانع وعبادة آلهة أخرى .
والمنكر للصانع منهم مستكبر كثيرا ما يعبد آلهة ; ولا يعبد الله قط ; فإنه يقول : هذا العالم واجب الوجود بنفسه . وبعض أجزائه مؤثر في بعض ويقول إنما انتفع بعبادة الكواكب والأصنام ونحو ذلك ولهذا كان باطن قول هؤلاء
الاتحادية المنتسبة إلى الإسلام هو قول
فرعون .
[ ص: 632 ] وكنت أبين أنه مذهبهم وأبين أنه حقيقة مذهب
فرعون حتى حدثني الثقة : عن بعض طواغيتهم أنه قال : نحن على قول
فرعون ; ولهذا يعظمون
فرعون في كتبهم تعظيما كثيرا . فإنهم لم يجعلوا ثم صانعا للعالم خلق العالم ولا أثبتوا ربا مدبرا للمخلوقات وإنما جعلوا نفس الطبيعة هي الصانع ولهذا جوزوا عبادة كل شيء وقالوا من عبده فقد عبد الله ولا يتصور عندهم أن يعبد غير الله فما من شيء يعبد إلا وهو الله وهذه الكائنات عندهم أجزاؤه أو صفاته كأجزاء الإنسان أو صفاته فهؤلاء إذا عبدوا الكائنات فلم يعبدوها لتقربهم إلى الله زلفى ; لكن لأنها عندهم هي الله أو مجلى من مجاليه أو بعض من أبعاضه أو صفة من صفاته أو تعين من تعيناته وهؤلاء يعبدون ما يعبده
فرعون وغيره من
المشركين لكن
فرعون لا يقول : هي الله ولا تقربنا إلى الله
والمشركون يقولون : هي شفعاؤنا وتقربنا إلى الله وهؤلاء يقولون هي الله كما تقدم وأولئك أكفر من حيث اعترفوا بأنهم عبدوا غير الله أو جحدوه ; وهؤلاء أوسع ضلالا من حيث
nindex.php?page=treesubj&link=28660جوزوا عبادة كل شيء وزعموا أنه هو الله وأن العابد هو المعبود وإن كانوا إنما قصدوا عبادة الله . وإذا كان أولئك كانوا مشركين كما وصفوا بذلك .
وفرعون موسى هو الذي جحد الصانع وكان يعبد الآلهة ولم يصفه الله بالشرك . فمعلوم أن المشركين قد يحبون آلهتهم كما يحبون الله أو تزيد محبتهم لهم على محبتهم لله ; ولهذا : يشتمون الله إذا شتمت آلهتهم . كما قال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=903&ayano=6ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } .
فقوم فرعون قد يكونون أعرضوا عن الله بالكلية بعد أن كانوا مشركين به واستجابوا
لفرعون في قوله : {
nindex.php?page=tafseer&surano=5815&ayano=79أنا ربكم الأعلى } و {
nindex.php?page=tafseer&surano=3318&ayano=28ما علمت لكم من إله غيري } . ولهذا لما خاطبهم المؤمن ذكر الأمرين فقال : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4215&ayano=40تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم } فذكر الكفر به الذي قد يتناول جحوده وذكر الإشراك به أيضا ; فكان كلامه متناولا للمقالتين والحالين جميعا . فقد تبين : أن المستكبر يصير مشركا إما بعبادة آلهة أخرى مع استكباره عن عبادة الله لكن تسمية هذا شركا نظير من امتنع مع استكباره عن إخلاص الدين لله كما قال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=3860&ayano=37إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون } {
nindex.php?page=tafseer&surano=3861&ayano=37ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون } فهؤلاء مستكبرون مشركون ; وإنما استكبارهم عن إخلاص الدين لله
nindex.php?page=treesubj&link=28674_28671فالمستكبر الذي لا يقر بالله في الظاهر كفرعون أعظم كفرا منهم وإبليس الذي يأمر بهذا كله ويحبه ويستكبر عن عبادة ربه وطاعته أعظم كفرا من هؤلاء وإن كان عالما بوجود الله وعظمته كما أن
فرعون كان أيضا عالما بوجود الله .
وإذا كانت البدع والمعاصي شعبة من الكفر وكانت مشتقة من شعبه . كما أن الطاعات كلها شعبة من شعب الإيمان ومشتقة منه وقد علم أن
nindex.php?page=treesubj&link=28829_28671الذي يعرف الحق ولا يتبعه غاو يشبه
اليهود ; وأن
nindex.php?page=treesubj&link=28829_29426الذي يعبد الله من غير علم وشرع : هو ضال يشبه
النصارى ; كما كان يقول من يقول من
السلف : من فسد من العلماء
[ ص: 634 ] ففيه شبه من
اليهود ; ومن فسد من العباد ففيه شبه من
النصارى . فعلى المسلم أن يحذر من هذين الشبهين الفاسدين ; من حال قوم فيهم استكبار وقسوة عن العبادة والتأله ; وقد أوتوا نصيبا من الكتاب وحظا من العلم ; وقوم فيهم عبادة وتأله بإشراك بالله وضلال عن سبيل الله ووحيه وشرعه وقد جعل في قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها وهذا كثير منتشر في الناس ; والشبه تقل تارة وتكثر أخرى ; فأما المستكبرون المتألهون لغير الله الذين لا يعبدون الله . وإنما يعبدون غيره للانتفاع به ; فهؤلاء يشبهون
فرعون .
[ ص: 623 ] وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ فَصْلٌ : قَدْ ذَكَرْت فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْقَوَاعِدِ : أَنَّ " الْإِسْلَامَ " الَّذِي هُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ ; وَأَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ ; وَهُوَ أَنْ يُسْلِمَ الْعَبْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ; فَيَسْتَسْلِمُ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَيَكُونُ سَالِمًا لَهُ بِحَيْثُ يَكُونُ مُتَأَلِّهًا لَهُ غَيْرَ مُتَأَلِّهٍ لِمَا سِوَاهُ كَمَا بَيَّنَتْهُ أَفْضَلُ الْكَلَامِ وَرَأْسُ الْإِسْلَامِ : وَهُوَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ . وَلَهُ ضِدَّانِ : الْكِبْرُ وَالشِّرْكُ وَلِهَذَا رُوِيَ {
nindex.php?page=hadith&LINKID=596460أَنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ بَنِيهِ بِلَا إلَهِ إلَّا اللَّهُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَنَهَاهُمْ عَنْ الْكِبْرِ وَالشِّرْكِ } فِي حَدِيثٍ قَدْ ذَكَرْته فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِنَّ الْمُسْتَكْبِرَ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ لَا يَعْبُدُهُ فَلَا يَكُونُ مُسْتَسْلِمًا لَهُ وَاَلَّذِي يَعْبُدُهُ وَيَعْبُدُ غَيْرَهُ يَكُونُ مُشْرِكًا بِهِ فَلَا يَكُونُ سَالِمًا لَهُ بَلْ يَكُونُ لَهُ فِيهِ شِرْكٌ .
nindex.php?page=treesubj&link=28632وَلَفْظُ " الْإِسْلَامِ " يَتَضَمَّنُ الِاسْتِسْلَامَ وَالسَّلَامَةَ الَّتِي هِيَ الْإِخْلَاصُ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الرُّسُلَ جَمِيعَهُمْ بُعِثُوا بِالْإِسْلَامِ الْعَامِّ الْمُتَضَمِّنِ لِذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=718&ayano=5يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا } وَقَالَ
مُوسَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1458&ayano=10إنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ } وَقَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=121&ayano=2بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ } وَقَالَ
الْخَلِيلُ لَمَّا قَالَ لَهُ رَبُّهُ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=140&ayano=2أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } {
nindex.php?page=tafseer&surano=141&ayano=2وَوَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ } - أَيْضًا وَصَّى بِهَا بَنِيهِ - {
nindex.php?page=tafseer&surano=141&ayano=2يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } وَقَالَ
يُوسُفُ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1709&ayano=12تَوَفَّنِي مُسْلِمًا } وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ . وَعُلِمَ أَنَّ
إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ هُوَ إمَامُ الْحُنَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَهُ كَمَا جَعَلَهُ أُمَّةً وَإِمَامًا وَجَاءَتْ الرُّسُلُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ بِذَلِكَ فَابْتَدَعَتْ
الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مَا ابْتَدَعُوهُ مِمَّا خَرَجَ بِهِمْ عَنْ دِينِ اللَّهِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ الْعَامُّ وَلِهَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَقُولَ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=1اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } {
nindex.php?page=tafseer&surano=8&ayano=1صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : {
nindex.php?page=hadith&LINKID=68982الْيَهُودُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ وَالنَّصَارَى ضَالُّونَ } وَكُلٌّ مِنْ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ خَرَجَتْ عَنْ الْإِسْلَامِ وَغَلَبَ عَلَيْهَا أَحَدُ ضِدَّيْهِ
فَالْيَهُودُ يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ الْكِبْرُ وَيَقِلُّ فِيهِمْ الشِّرْكُ
وَالنَّصَارَى يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ الشِّرْكُ وَيَقِلُّ فِيهِمْ الْكِبْرُ .
وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ فِي
الْيَهُودِ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=92&ayano=2وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إلَّا اللَّهَ } . وَهَذَا هُوَ أَصْلُ الْإِسْلَامِ . إلَى قَوْلِهِ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=96&ayano=2وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ } . وَهَذَا اللَّفْظُ الَّذِي هُوَ لَفْظُ الِاسْتِفْهَامِ ; هُوَ إنْكَارٌ لِذَلِكَ عَلَيْهِمْ . وَذَمٌّ لَهُمْ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُذَمُّونَ عَلَى مَا فَعَلُوهُ فَعُلِمَ أَنَّهُمْ كَانُوا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى
[ ص: 625 ] أَنْفُسُهُمْ اسْتَكْبَرُوا فَيَقْتُلُونَ فَرِيقًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَيُكَذِّبُونَ فَرِيقًا ; وَهَذَا حَالُ الْمُسْتَكْبِرِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ مَا لَا يَهْوَاهُ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدّ فَسَّرَ الْكِبْرَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ بِأَنَّهُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ فَفِي صَحِيحِ
مُسْلِمٍ عَنْ
nindex.php?page=showalam&ids=10عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ . قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {
nindex.php?page=hadith&LINKID=70249لَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنًا أَفَمِنْ الْكِبْرِ ذَاكَ ؟ فَقَالَ : لَا إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ وَلَكِنَّ الْكِبْرَ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ } وَبَطَرُ الْحَقِّ جَحْدُهُ وَدَفْعُهُ وَغَمْطُ النَّاسِ احْتِقَارُهُمْ وَازْدِرَاؤُهُمْ . وَكَذَلِكَ ذَكَرَ اللَّهُ " الْكِبْرَ " فِي قَوْلِهِ بَعْدَ أَنْ قَالَ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1106&ayano=7وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ } إلَى أَنْ قَالَ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1107&ayano=7سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا } .
وَهَذَا حَالُ الَّذِي لَا يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ بَلْ يَتَّبِعُ هَوَاهُ وَهُوَ الْغَاوِي كَمَا قَالَ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1136&ayano=7وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ } {
nindex.php?page=tafseer&surano=1137&ayano=7وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } الْآيَةَ وَهَذَا مِثْلُ عُلَمَاءِ السُّوءِ وَقَدْ قَالَ لَمَّا رَجَعَ
مُوسَى إلَيْهِمْ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1115&ayano=7وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ } فَاَلَّذِينَ يَرْهَبُونَ رَبَّهُمْ ; خِلَافُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=5831&ayano=79وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى } {
nindex.php?page=tafseer&surano=5832&ayano=79فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى } .
[ ص: 626 ] فَأُولَئِكَ الْمُسْتَكْبِرُونَ الْمُتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ مَصْرُوفُونَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَعْلَمُونَ وَلَا يَفْهَمُونَ لَمَّا تَرَكُوا الْعَمَلَ بِمَا عَلِمُوهُ اسْتِكْبَارًا وَاتِّبَاعًا لِأَهْوَائِهِمْ عُوقِبُوا بِأَنْ مُنِعُوا الْفَهْمَ وَالْعِلْمَ ; فَإِنَّ الْعِلْمَ حَرْبٌ لِلْمُتَعَالِي كَمَا أَنَّ السَّيْلَ حَرْبٌ لِلْمَكَانِ الْعَالِي وَاَلَّذِينَ يَرْهَبُونَ رَبَّهُمْ عَمِلُوا بِمَا عَلِمُوهُ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ عِلْمًا وَرَحْمَةً إذْ مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ أَوْرَثَهُ اللَّهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ وَلِهَذَا لَمَّا وَصَفَ اللَّهُ
النَّصَارَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=756&ayano=5بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا } . وَالرُّهْبَانُ : مِنْ الرَّهْبَنَةِ {
nindex.php?page=tafseer&surano=756&ayano=5وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ } كَانُوا بِذَلِكَ أَقْرَبَ مَوَدَّةً إلَى الَّذِينَ آمَنُوا . كَمَا قَالَ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=756&ayano=5لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ } . فَلَمَّا كَانَ فِيهِمْ رَهْبَةٌ وَعَدَمُ كِبْرٍ كَانُوا أَقْرَبَ إلَى الْهُدَى فَقَالَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=757&ayano=5وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } .
قَالَ
ابْنُ عَبَّاسٍ : مَعَ
مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ وَهُمْ الْأُمَّةُ الشُّهَدَاءُ فَإِنَّ
النَّصَارَى لَهُمْ قَصْدٌ وَعِبَادَةٌ وَلَيْسَ لَهُمْ عِلْمٌ وَشَهَادَةٌ ; وَلِهَذَا فَإِنْ كَانَ
الْيَهُودُ شَرًّا مِنْهُمْ ; بِأَنَّهُمْ أَكْثَرُ كِبْرًا وَأَقَلُّ رَهْبَةً وَأَعْظَمُ قَسْوَةً فَإِنَّ
النَّصَارَى شَرٌّ مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ أَعْظَمُ ضَلَالًا وَأَكْثَرُ شِرْكًا وَأَبْعَدُ عَنْ تَحْرِيمِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ . وَقَدْ وَصَفَهُمْ اللَّهُ بِالشِّرْكِ الَّذِي ابْتَدَعُوهُ كَمَا وَصَفَ
الْيَهُودَ بِالْكِبْرِ الَّذِي هَوُوهُ فَقَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1275&ayano=9اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا وَاحِدًا لَا إلَهَ إلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } وَقَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=790&ayano=5وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ } إلَى قَوْلِهِ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=791&ayano=5أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ } الْآيَةَ وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ
nindex.php?page=treesubj&link=28976_29434قَوْلَهُمْ إنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَإِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ nindex.php?page=treesubj&link=28973_29434وَقَوْلُهُمْ : اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ; فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ وَبَيَّنَ عَظِيمَ فِرْيَتِهِمْ وَشَتْمَهُمْ لِلَّهِ وَقَوْلَهُمْ " الْإِدُّ " الَّذِي : {
nindex.php?page=tafseer&surano=2359&ayano=19تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا } وَلِهَذَا يَدْعُوهُمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ إلَى أَلَّا يَعْبُدُوا إلَّا إلَهًا وَاحِدًا كَقَوْلِهِ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=668&ayano=4يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلَّا الْحَقَّ } إلَى قَوْلِهِ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=668&ayano=4وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إنَّمَا اللَّهُ إلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ } إلَى قَوْلِهِ {
nindex.php?page=tafseer&surano=669&ayano=4لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إلَيْهِ جَمِيعًا } وَهَذَا لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ بِمَخْلُوقِ مِنْ الْبَشَرِ أَوْ غَيْرَهُمْ يَصِيرُونَ هُمْ مُشْرِكُونَ . وَيَصِيرُ الَّذِي أَشْرَكُوا بِهِ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ مُسْتَكْبِرًا كَمَا قَالَ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=5525&ayano=72وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا } فَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ عِبَادَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَإِنْ أَشْرَكَ بِهِمْ الْمُشْرِكُونَ .
وَكَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=747&ayano=5لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إلَهٍ إلَّا إلَهٌ وَاحِدٌ } إلَى قَوْلِهِ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=749&ayano=5مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ } الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=746&ayano=5لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ } فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالتَّوْحِيدِ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَنْ يُشْرِكُوا بِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ كَمَا فَعَلُوهُ . وَلَمَّا كَانَ أَصْلُ دِينِ
الْيَهُودِ الْكِبْرَ عَاقَبَهُمْ بِالذِّلَّةِ : فَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَمَا ثُقِفُوا . وَلَمَّا كَانَ أَصْلُ دِينِ
النَّصَارَى الْإِشْرَاكَ لِتَعْدِيدِ الطُّرُقِ إلَى اللَّهِ أَضَلَّهُمْ عَنْهُ ; فَعُوقِبَ كُلٌّ مِنْ الْأُمَّتَيْنِ عَلَى مَا اجْتَرَمَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ {
nindex.php?page=tafseer&surano=4305&ayano=41وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } . كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : {
nindex.php?page=hadith&LINKID=59389يُحْشَرُ الْجَبَّارُونَ والمتكبرون يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صُوَرِ الذَّرِّ يَطَؤُهُمْ النَّاسُ بِأَرْجُلِهِمْ } . وَكَمَا فِي الْحَدِيثِ عَنْ
nindex.php?page=showalam&ids=2عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا : {
مَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا فِي رَأْسِهِ حِكْمَةٌ فَإِنْ تَوَاضَعَ قِيلَ لَهُ : انْتَعِشْ نَعَشَك اللَّهُ وَإِنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قِيلَ لَهُ : انْتَكِسْ نَكَسَك اللَّهُ } . وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4233&ayano=40إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } وَقَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4156&ayano=39بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ } {
nindex.php?page=tafseer&surano=4157&ayano=39وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ } {
nindex.php?page=tafseer&surano=4158&ayano=39وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ } . وَلِهَذَا اسْتَوْجَبُوا الْغَضَبَ وَالْمَقْتَ .
وَالنَّصَارَى لَمَّا دَخَلُوا فِي الْبِدَعِ : أَضَلَّهُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَضَّلُوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ وَهُمْ إنَّمَا ابْتَدَعُوهَا لِيَتَقَرَّبُوا بِهَا إلَيْهِ وَيَعْبُدُوهُ فَأَبْعَدَتْهُمْ عَنْهُ وَأَضَلَّتْهُمْ عَنْهُ وَصَارُوا يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ .
[ ص: 629 ] فَتَدَبَّرْ هَذَا وَاَللَّهُ تَعَالَى يَهْدِينَا صِرَاطَهُ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ .
وَقَدْ وَصَفَ بَعْضَ
الْيَهُودِ بِالشِّرْكِ فِي قَوْلِهِ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1274&ayano=9وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ } وَفِي قَوْلِهِ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=734&ayano=5قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ } فَفِي
الْيَهُودِ مَنْ عَبَدَ الْأَصْنَامَ وَعَبَدَ الْبَشَرَ ; وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْتَكْبِرَ عَنْ الْحَقِّ يُبْتَلَى بِالِانْقِيَادِ لِلْبَاطِلِ فَيَكُونُ الْمُسْتَكْبِرُ مُشْرِكًا كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ عَنْ
فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ : أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ اسْتِكْبَارِهِمْ وَجُحُودِهِمْ مُشْرِكِينَ فَقَالَ عَنْ مُؤْمِنِ
آلَ فِرْعَوْنَ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4214&ayano=40وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إلَى النَّارِ } {
nindex.php?page=tafseer&surano=4215&ayano=40تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ } {
nindex.php?page=tafseer&surano=4216&ayano=40لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ } . وَقَالَ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4207&ayano=40وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ } الْآيَةَ . وَقَالَ
يُوسُفُ الصِّدِّيقُ لَهُمْ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1647&ayano=12يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } {
nindex.php?page=tafseer&surano=1648&ayano=12مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إنِ الْحُكْمُ إلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1088&ayano=7وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ } . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ يَكُونُ قَوْمُ
فِرْعَوْنَ مُشْرِكِينَ ؟ وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ
فِرْعَوْنَ [ ص: 630 ] أَنَّهُ جَحَدَ الْخَالِقَ فَقَالَ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=2981&ayano=26وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ } وَقَالَ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=3318&ayano=28مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرِي } وَقَالَ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=5815&ayano=79أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } وَقَالَ عَنْ قَوْمِهِ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=3199&ayano=27فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ } {
nindex.php?page=tafseer&surano=3200&ayano=27وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا } وَالْإِشْرَاكُ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ مُقِرٍّ بِاَللَّهِ وَإِلَّا فَالْجَاحِدُ لَهُ لَمْ يُشْرِكْ بِهِ . قِيلَ : لَمْ يَذْكُرْ اللَّهُ جُحُودَ الصَّانِعِ إلَّا عَنْ
فِرْعَوْنَ مُوسَى وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ
يُوسُفَ فَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مُقِرِّينَ بِاَللَّهِ وَهُمْ مُشْرِكُونَ بِهِ وَلِهَذَا كَانَ خِطَابُ
يُوسُفَ لِلْمَلِكِ وَلِلْعَزِيزِ وَلَهُمْ : يَتَضَمَّنُ الْإِقْرَارُ بِوُجُودِ الصَّانِعِ كَقَوْلِهِ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1647&ayano=12أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } {
nindex.php?page=tafseer&surano=1658&ayano=12ارْجِعْ إلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ } إلَى قَوْلِهِ {
nindex.php?page=tafseer&surano=1658&ayano=12إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ } {
nindex.php?page=tafseer&surano=1660&ayano=12وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ } إلَى قَوْلِهِ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1661&ayano=12إنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ } وَقَدْ قَالَ مُؤْمِنُ آلَ - حم - {
nindex.php?page=tafseer&surano=4207&ayano=40وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا } فَهَذَا يَقْتَضِي : أَنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ
يُوسُفُ كَانُوا يُقِرُّونَ بِاَللَّهِ .
وَلِهَذَا كَانَ إخْوَةُ
يُوسُفَ يُخَاطِبُونَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفُوا أَنَّهُ
يُوسُفُ وَيَظُنُّونَهُ مِنْ
آلَ فِرْعَوْنَ بِخِطَابِ يَقْتَضِي الْإِقْرَارَ بِالصَّانِعِ كَقَوْلِهِمْ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1681&ayano=12تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ } وَقَالَ لَهُمْ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1685&ayano=12أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ } وَقَالَ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=1687&ayano=12مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ } وَقَالُوا لَهُ :
[ ص: 631 ] {
nindex.php?page=tafseer&surano=1696&ayano=12يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ } وَذَلِكَ أَنَّ
فِرْعَوْنَ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِ
يُوسُفَ أَكْرَمَ أَبَوَيْهِ وَأَهْلَ بَيْتِهِ لَمَّا قَدِمُوا إكْرَامًا عَظِيمًا مَعَ عِلْمِهِ بِدِينِهِمْ وَاسْتِقْرَاءُ أَحْوَالِ النَّاسِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ . فَإِنَّ جُحُودَ الصَّانِعِ لَمْ يَكُنْ دِينًا غَالِبًا عَلَى أُمَّةٍ مِنْ الْأُمَمِ قَطُّ وَإِنَّمَا كَانَ دِينُ الْكُفَّارِ الْخَارِجِينَ عَنْ الرِّسَالَةِ هُوَ الْإِشْرَاكُ وَإِنَّمَا كَانَ يَجْحَدُ الصَّانِعَ بَعْضُ النَّاسِ وَأُولَئِكَ كَانَ عُلَمَاؤُهُمْ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ الصَّابِئَةِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُعَظِّمُونَ الْهَيَاكِلَ وَالْكَوَاكِبَ وَالْأَصْنَامَ وَالْأَخْبَارُ الْمَرْوِيَّةُ مِنْ نَقْلِ أَخْبَارِهِمْ وَسِيَرِهِمْ كُلِّهَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ; وَلَكِنَّ
فِرْعَوْنَ مُوسَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4422&ayano=43فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ } وَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُمْ - دُونَ
الْفَرَاعِنَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ - ; {
nindex.php?page=tafseer&surano=3318&ayano=28مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرِي } ثُمَّ قَالَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=5815&ayano=79أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } {
nindex.php?page=tafseer&surano=5816&ayano=79فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى } نَكَالَ الْكَلِمَةِ الْأُولَى . وَنَكَالَ الْكَلِمَةِ الْأَخِيرَةِ وَكَانَ
فِرْعَوْنُ فِي الْبَاطِنِ عَارِفًا بِوُجُودِ الصَّانِعِ وَإِنَّمَا اسْتَكْبَرَ كإبليس وَأَنْكَرَ وُجُودَهُ وَلِهَذَا قَالَ لَهُ
مُوسَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=2148&ayano=17لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ } فَلَمَّا أَنْكَرَ الصَّانِعَ وَكَانَتْ لَهُ آلِهَةٌ يَعْبُدُهَا بَقِيَ عَلَى عِبَادَتِهَا وَلَمْ يَصِفْهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالشِّرْكِ وَإِنَّمَا وَصَفَهُ بِجُحُودِ الصَّانِعِ وَعِبَادَةِ آلِهَةٍ أُخْرَى .
وَالْمُنْكِرُ لِلصَّانِعِ مِنْهُمْ مُسْتَكْبِرٌ كَثِيرًا مَا يَعْبُدُ آلِهَةً ; وَلَا يَعْبُدُ اللَّهَ قَطُّ ; فَإِنَّهُ يَقُولُ : هَذَا الْعَالَمُ وَاجِبُ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ . وَبَعْضُ أَجْزَائِهِ مُؤَثِّرٌ فِي بَعْضٍ وَيَقُولُ إنَّمَا انْتَفَعَ بِعِبَادَةِ الْكَوَاكِبِ وَالْأَصْنَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلِهَذَا كَانَ بَاطِنُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ
الِاتِّحَادِيَّةِ الْمُنْتَسِبَةِ إلَى الْإِسْلَامِ هُوَ قَوْلَ
فِرْعَوْنَ .
[ ص: 632 ] وَكُنْت أُبَيِّنُ أَنَّهُ مَذْهَبُهُمْ وَأُبَيِّنُ أَنَّهُ حَقِيقَةُ مَذْهَبِ
فِرْعَوْنَ حَتَّى حَدَّثَنِي الثِّقَةُ : عَنْ بَعْضِ طَوَاغِيتِهِمْ أَنَّهُ قَالَ : نَحْنُ عَلَى قَوْلِ
فِرْعَوْنَ ; وَلِهَذَا يُعَظِّمُونَ
فِرْعَوْنَ فِي كُتُبِهِمْ تَعْظِيمًا كَثِيرًا . فَإِنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوا ثَمَّ صَانِعًا لِلْعَالَمِ خَلَقَ الْعَالَمَ وَلَا أَثْبَتُوا رَبًّا مُدَبِّرًا لِلْمَخْلُوقَاتِ وَإِنَّمَا جَعَلُوا نَفْسَ الطَّبِيعَةِ هِيَ الصَّانِعَ وَلِهَذَا جَوَّزُوا عِبَادَةَ كُلِّ شَيْءٍ وَقَالُوا مَنْ عَبَدَهُ فَقَدَ عَبَدَ اللَّهَ وَلَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُعْبَدَ غَيْرُ اللَّهِ فَمَا مِنْ شَيْءٍ يُعْبَدُ إلَّا وَهُوَ اللَّهُ وَهَذِهِ الْكَائِنَاتُ عِنْدَهُمْ أَجْزَاؤُهُ أَوْ صِفَاتُهُ كَأَجْزَاءِ الْإِنْسَانِ أَوْ صِفَاتِهِ فَهَؤُلَاءِ إذَا عَبَدُوا الْكَائِنَاتِ فَلَمْ يَعْبُدُوهَا لِتُقَرِّبَهُمْ إلَى اللَّهِ زُلْفَى ; لَكِنْ لِأَنَّهَا عِنْدَهُمْ هِيَ اللَّهُ أَوْ مُجَلَّى مِنْ مَجَالِيهِ أَوْ بَعْضٌ مِنْ أَبْعَاضِهِ أَوْ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ أَوْ تَعَيُّنٌ مِنْ تعيناته وَهَؤُلَاءِ يَعْبُدُونَ مَا يَعْبُدُهُ
فِرْعَوْنُ وَغَيْرُهُ مِنْ
الْمُشْرِكِينَ لَكِنَّ
فِرْعَوْنَ لَا يَقُولُ : هِيَ اللَّهُ وَلَا تُقَرِّبُنَا إلَى اللَّهِ
وَالْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ : هِيَ شُفَعَاؤُنَا وَتُقَرِّبُنَا إلَى اللَّهِ وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ هِيَ اللَّهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَأُولَئِكَ أَكْفَرُ مِنْ حَيْثُ اعْتَرَفُوا بِأَنَّهُمْ عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ أَوْ جَحَدُوهُ ; وَهَؤُلَاءِ أَوْسَعُ ضَلَالًا مِنْ حَيْثُ
nindex.php?page=treesubj&link=28660جَوَّزُوا عِبَادَةَ كُلِّ شَيْءٍ وَزَعَمُوا أَنَّهُ هُوَ اللَّهُ وَأَنَّ الْعَابِدَ هُوَ الْمَعْبُودُ وَإِنْ كَانُوا إنَّمَا قَصَدُوا عِبَادَةَ اللَّهِ . وَإِذَا كَانَ أُولَئِكَ كَانُوا مُشْرِكِينَ كَمَا وُصِفُوا بِذَلِكَ .
وَفِرْعَوْنُ مُوسَى هُوَ الَّذِي جَحَدَ الصَّانِعَ وَكَانَ يَعْبُدُ الْآلِهَةَ وَلَمْ يَصِفْهُ اللَّهُ بِالشِّرْكِ . فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ يُحِبُّونَ آلِهَتَهُمْ كَمَا يُحِبُّونَ اللَّهَ أَوْ تَزِيدُ مَحَبَّتُهُمْ لَهُمْ عَلَى مَحَبَّتِهِمْ لِلَّهِ ; وَلِهَذَا : يَشْتُمُونَ اللَّهَ إذَا شُتِمَتْ آلِهَتَهُمْ . كَمَا قَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=903&ayano=6وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ } .
فَقَوْمُ فِرْعَوْنَ قَدْ يَكُونُونَ أَعْرَضُوا عَنْ اللَّهِ بِالْكُلِّيَّةِ بَعْدَ أَنْ كَانُوا مُشْرِكِينَ بِهِ وَاسْتَجَابُوا
لِفِرْعَوْنَ فِي قَوْلِهِ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=5815&ayano=79أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } و {
nindex.php?page=tafseer&surano=3318&ayano=28مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرِي } . وَلِهَذَا لَمَّا خَاطَبَهُمْ الْمُؤْمِنُ ذَكَرَ الْأَمْرَيْنِ فَقَالَ : {
nindex.php?page=tafseer&surano=4215&ayano=40تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ } فَذَكَرَ الْكُفْرَ بِهِ الَّذِي قَدْ يَتَنَاوَلُ جُحُودَهُ وَذَكَرَ الْإِشْرَاكَ بِهِ أَيْضًا ; فَكَانَ كَلَامُهُ مُتَنَاوِلًا لِلْمَقَالَتَيْنِ وَالْحَالَيْنِ جَمِيعًا . فَقَدْ تَبَيَّنَ : أَنَّ الْمُسْتَكْبِرَ يَصِيرُ مُشْرِكًا إمَّا بِعِبَادَةِ آلِهَةٍ أُخْرَى مَعَ اسْتِكْبَارِهِ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ لَكِنَّ تَسْمِيَةَ هَذَا شِرْكًا نَظِيرُ مَنْ امْتَنَعَ مَعَ اسْتِكْبَارِهِ عَنْ إخْلَاصِ الدِّينِ لِلَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=3860&ayano=37إنَّهُمْ كَانُوا إذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ } {
nindex.php?page=tafseer&surano=3861&ayano=37وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ } فَهَؤُلَاءِ مُسْتَكْبِرُونَ مُشْرِكُونَ ; وَإِنَّمَا اسْتِكْبَارُهُمْ عَنْ إخْلَاصِ الدِّينِ لِلَّهِ
nindex.php?page=treesubj&link=28674_28671فَالْمُسْتَكْبِرُ الَّذِي لَا يُقِرُّ بِاَللَّهِ فِي الظَّاهِرِ كَفِرْعَوْنَ أَعْظَمُ كَفْرًا مِنْهُمْ وَإِبْلِيسَ الَّذِي يَأْمُرُ بِهَذَا كُلِّهِ وَيُحِبُّهُ وَيَسْتَكْبِرُ عَنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ وَطَاعَتِهِ أَعْظَمُ كُفْرًا مِنْ هَؤُلَاءِ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِوُجُودِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ كَمَا أَنَّ
فِرْعَوْنَ كَانَ أَيْضًا عَالِمًا بِوُجُودِ اللَّهِ .
وَإِذَا كَانَتْ الْبِدَعُ وَالْمَعَاصِي شُعْبَةً مِنْ الْكُفْرِ وَكَانَتْ مُشْتَقَّةً مِنْ شُعَبِهِ . كَمَا أَنَّ الطَّاعَاتِ كُلَّهَا شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ وَمُشْتَقَّةٌ مِنْهُ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=28829_28671الَّذِي يَعْرِفُ الْحَقَّ وَلَا يَتَّبِعُهُ غَاوٍ يُشْبِهُ
الْيَهُودَ ; وَأَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=28829_29426الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ وَشَرْعٍ : هُوَ ضَالٌّ يُشْبِهُ
النَّصَارَى ; كَمَا كَانَ يَقُولُ مَنْ يَقُولُ مِنْ
السَّلَفِ : مَنْ فَسَدَ مِنْ الْعُلَمَاءِ
[ ص: 634 ] فَفِيهِ شُبَهٌ مِنْ
الْيَهُودِ ; وَمَنْ فَسَدَ مِنْ الْعِبَادِ فَفِيهِ شُبَهٌ مِنْ
النَّصَارَى . فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَحْذَرَ مِنْ هَذَيْنِ الشَّبَهَيْنِ الْفَاسِدَيْنِ ; مِنْ حَالِ قَوْمٍ فِيهِمْ اسْتِكْبَارٌ وَقَسْوَةٌ عَنْ الْعِبَادَةِ وَالتَّأَلُّهِ ; وَقَدْ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ وَحَظًّا مِنْ الْعِلْمِ ; وَقَوْمٌ فِيهِمْ عِبَادَةٌ وَتَأَلُّهٌ بِإِشْرَاكِ بِاَللَّهِ وَضَلَالٍ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَوَحْيِهِ وَشَرْعِهِ وَقَدْ جَعَلَ فِي قُلُوبِهِمْ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا وَهَذَا كَثِيرٌ مُنْتَشِرٌ فِي النَّاسِ ; وَالشُّبَهُ تَقِلُّ تَارَةً وَتَكْثُرُ أُخْرَى ; فَأَمَّا الْمُسْتَكْبِرُونَ الْمُتَأَلِّهُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ الَّذِينَ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ . وَإِنَّمَا يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ ; فَهَؤُلَاءِ يُشْبِهُونَ
فِرْعَوْنَ .