الباب الخامس .
في
nindex.php?page=treesubj&link=18482آداب المتعلم والمعلم .
أما المتعلم فآدابه ووظائفه الظاهرة كثيرة ولكن تنظم تفاريقها عشر جمل .
الوظيفة الأولى تقديم طهارة النفس عن رذائل الأخلاق ومذموم الأوصاف إذ العلم عبادة القلب وصلاة السر وقربة الباطن إلى الله تعالى وكما لا تصح الصلاة التي هي وظيفة الجوارح الظاهرة إلا بتطهير الظاهر عن الأحداث والأخباث فكذلك لا تصح عبادة الباطن وعمارة القلب بالعلم إلا بعد طهارته عن خبائث الأخلاق وأنجاس الأوصاف .
قال صلى الله عليه وسلم بنى :
الدين على النظافة وهو كذلك باطنا وظاهرا قال الله تعالى
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=28إنما المشركون نجس تنبيها للعقول على الطهارة والنجاسة غير مقصورة على الظواهر بالحس فالمشرك قد يكون نظيف الثوب مغسول البدن ولكنه نجس الجوهر أي : باطنه ملطخ بالخبائث .
والنجاسة عبارة عما يجتنب ويطلب البعد منه وخبائث صفات الباطن أهم بالاجتناب فإنها مع خبثها في الحال مهلكات في المآل ولذلك قال صلى الله عليه وسلم :
nindex.php?page=hadith&LINKID=652986لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب والقلب بيت هو منزل الملائكة ومهبط أثرهم ومحل استقرارهم والصفات الرديئة مثل الغضب والشهوة والحقد والحسد والكبر والعجب وأخواتها كلاب نابحة فأنى تدخله الملائكة وهو مشحون بالكلاب ونور العلم لا يقذفه الله تعالى في القلب إلا بواسطة الملائكة
nindex.php?page=tafseer&surano=42&ayano=51وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء وهكذا ما يرسل من رحمة العلوم إلى القلوب إنما تتولاها الملائكة الموكلون بها وهم المقدسون المطهرون المبرءون عن الصفات المذمومات فلا يلاحظون إلا طيبا ولا يعمرون بما عندهم من خزائن رحمة الله إلا طيبا طاهرا .
ولست أقول المراد بلفظ البيت هو القلب وبالكلب هو الغضب والصفات المذمومة ولكني أقول هو تنبيه عليه وفرق بين تعبير الظواهر إلى البواطن وبين التنبيه للبواطن من ذكر الظواهر مع تقرير الظواهر .
ففارق الباطنية بهذه الدقيقة فإن هذه طريق الاعتبار وهو مسلك العلماء والأبرار إذ معنى الاعتبار أن يعبر ما ذكر إلى غيره فلا يقتصر عليه كما يرى العاقل مصيبة لغيره فيكون فيها له عبرة بأن يعبر منها إلى التنبه لكونه أيضا عرضة للمصائب وكون الدنيا بصدد الانقلاب فعبوره من غيره إلى نفسه ومن نفسه إلى أصل الدنيا عبرة محمودة فاعبر أنت أيضا من البيت الذي هو بناء الخلق إلى القلب الذي هو بيت من بناء الله تعالى ومن الكلب الذي ذم لصفته لا لصورته وهو ما فيه من سبعية ونجاسة إلى الروح الكلبية وهي السبعية .
واعلم أن القلب المشحون بالغضب والشره إلى الدنيا والتكلب عليها والحرص على التمزيق لأعراض الناس كلب في المعنى وقلب في الصورة فنور البصيرة يلاحظ المعاني لا الصور والصور في هذا العالم غالبة على المعاني والمعاني باطنة فيها وفي الآخرة تتبع الصور المعاني وتغلب المعاني .
فلذلك يحشر كل شخص على صورته المعنوية فيحشر الممزق لأعراض الناس كلبا ضاريا والشره إلى أموالهم ذئبا عاديا والمتكبر عليهم في صورة نمر وطالب الرياسة في صورة أسد .
وقد وردت بذلك الأخبار وشهد به الاعتبار عند ذوي البصائر والأبصار .
الْبَابُ الْخَامِسُ .
فِي
nindex.php?page=treesubj&link=18482آدَابِ الْمُتَعَلِّمِ وَالْمُعَلِّمِ .
أَمَّا الْمُتَعَلِّمُ فَآدَابُهُ وَوَظَائِفُهُ الظَّاهِرَةُ كَثِيرَةٌ وَلَكِنْ تَنْظِمُ تَفَارِيقَهَا عَشْرُ جُمَلٍ .
الْوَظِيفَةُ الْأُولَى تَقْدِيمُ طِهَارَةِ النَّفْسِ عَنْ رَذَائِلِ الْأَخْلَاقِ وَمَذْمُومِ الْأَوْصَافِ إِذِ الْعِلْمُ عِبَادَةُ الْقَلْبِ وَصَلَاةُ السِّرِّ وَقِرْبَةُ الْبَاطِنِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَكَمَا لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ الَّتِي هِيَ وَظِيفَةُ الْجَوَارِحِ الظَّاهِرَةُ إِلَّا بِتَطْهِيرِ الظَّاهِرِ عَنِ الْأَحْدَاثِ وَالْأَخْبَاثِ فَكَذَلِكَ لَا تَصِحُّ عِبَادَةُ الْبَاطِنِ وَعِمَارَةُ الْقَلْبِ بِالْعِلْمِ إِلَّا بَعْدَ طَهَارَتِهِ عَنْ خَبَائِثِ الْأَخْلَاقِ وَأَنْجَاسِ الْأَوْصَافِ .
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسُلَّم بَنَى :
الدِّينُ عَلَى النَّظَافَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=28إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ تَنْبِيهًا لِلْعُقُولِ عَلَى الطَّهَارَةَ وَالنَّجَاسَةَ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ عَلَى الظَّوَاهِرِ بِالْحِسِّ فَالْمُشْرِكُ قَدْ يَكُونُ نَظِيفَ الثَّوْبِ مَغْسُولَ الْبَدَنِ وَلَكِنَّهُ نَجِسُ الْجَوْهَرِ أَيْ : بَاطِنِهِ مُلَطَّخٌ بِالْخَبَائِثِ .
وَالنَّجَاسَةُ عِبَارَةٌ عَمَّا يُجْتَنَبُ وَيُطْلَبُ الْبُعْدُ مِنْهُ وَخَبَائِثُ صِفَاتِ الْبَاطِنِ أَهَمُّ بِالِاجْتِنَابِ فَإِنَّهَا مَعَ خُبْثِهَا فِي الْحَالِ مُهْلِكَاتٌ فِي الْمَآلِ وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
nindex.php?page=hadith&LINKID=652986لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَالْقَلْبُ بَيْتٌ هُوَ مَنْزِلُ الْمَلَائِكَةِ وَمَهْبِطِ أَثَرِهِمْ وَمَحَلِّ اسْتِقْرَارِهِمْ وَالصِّفَاتِ الرَّدِيئَةِ مِثْلِ الْغَضَبِ وَالشَّهْوَةِ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَالْكِبْرِ وَالْعُجْبِ وَأَخَوَاتِهَا كِلَابٌ نَابِحَةٌ فَأَنَّى تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ مَشْحُونٌ بِالْكِلَابِ وَنُورُ الْعِلْمِ لَا يَقْذِفُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقَلْبِ إِلَّا بِوَاسِطَةِ الْمَلَائِكَةِ
nindex.php?page=tafseer&surano=42&ayano=51وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ وَهَكَذَا مَا يُرْسَلُ مِنْ رَحْمَةِ الْعُلُومِ إِلَى الْقُلُوبِ إِنَّمَا تَتَوَلَّاهَا الْمَلَائِكَةُ الْمُوَكَّلُونَ بِهَا وَهُمُ الْمُقَدَّسُونَ الْمُطَهَّرُونَ الْمَبَرَّءُونَ عَنِ الصِّفَاتِ الْمَذْمُومَاتِ فَلَا يُلَاحِظُونَ إِلَّا طَيَّبًا وَلَا يَعْمُرُونَ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَةِ اللَّهِ إِلَّا طَيِّبًا طَاهِرًا .
وَلَسْتُ أَقُولُ الْمُرَادُ بِلَفْظِ الْبَيْتِ هُوَ الْقَلْبُ وَبِالْكَلْبِ هُوَ الْغَضَبُ وَالصِّفَاتُ الْمَذْمُومَةُ وَلَكِنِّي أَقُولُ هُوَ تَنْبِيهٌ عَلَيْهِ وَفَرْقٌ بَيْنَ تَعْبِيرِ الظَّوَاهِرِ إِلَى الْبَوَاطِنِ وَبَيْنَ التَّنْبِيهِ لِلْبَوَاطِنِ مِنْ ذِكْرِ الظَّوَاهِرِ مَعَ تَقْرِيرِ الظَّوَاهِرِ .
فَفَارَقَ الْبَاطِنِيَّةَ بِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ فَإِنَّ هَذِهِ طَرِيقُ الِاعْتِبَارِ وَهُوَ مَسْلَكُ الْعُلَمَاءِ وَالْأَبْرَارِ إِذْ مَعْنَى الِاعْتِبَارِ أَنْ يَعْبُرَ مَا ذُكِرَ إِلَى غَيْرِهِ فَلَا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ كَمَا يَرَى الْعَاقِلُ مُصِيبَةً لِغَيْرِهِ فَيَكُونُ فِيهَا لَهُ عِبْرَةٌ بِأَنْ يَعْبُرَ مِنْهَا إِلَى التَّنَبُّهِ لِكَوْنِهِ أَيْضًا عُرْضَةً لِلْمَصَائِبِ وَكَوْنِ الدُّنْيَا بِصَدَدِ الِانْقِلَابِ فَعُبُورُهُ مَنْ غَيْرِهِ إِلَى نَفْسِهِ وَمِنْ نَفْسِهِ إِلَى أَصْلِ الدُّنْيَا عِبْرَةٌ مَحْمُودَةٌ فَاعْبُرْ أَنْتَ أَيْضًا مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي هُوَ بِنَاءُ الْخَلْقِ إِلَى الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ بَيْتٌ مِنْ بِنَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنَ الْكَلْبِ الَّذِي ذَمٌّ لِصِفَتِهِ لَا لِصُورَتِهِ وَهُوَ مَا فِيهِ مِنْ سَبُعِيَّةٍ وَنَجَاسَةِ إِلَى الرُّوحِ الْكَلْبِيَّةِ وَهِيَ السَّبُعِيَّةُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَلْبَ الْمَشْحُونَ بِالْغَضَبِ وَالشَّرَهِ إِلَى الدُّنْيَا وَالتَّكَلُّبِ عَلَيْهَا وَالْحِرْصِ عَلَى التَّمْزِيقِ لِأَعْرَاضِ النَّاسِ كَلْبٌ فِي الْمَعْنَى وَقَلْبٌ فِي الصُّورَةِ فَنُورُ الْبَصِيرَةِ يُلَاحَظُ الْمَعَانِيَ لَا الصُّوَرُ وَالصُّوَرُ فِي هَذَا الْعَالَمِ غَالِبَةٌ عَلَى الْمَعَانِي وَالْمَعَانِي بَاطِنَةٌ فِيهَا وَفِي الْآخِرَةِ تَتَبُّعُ الصُّوَرُ الْمَعَانِيَ وَتَغْلِبُ الْمَعَانِي .
فَلِذَلِكَ يُحْشَرُ كُلُّ شَخْصٍ عَلَى صُورَتِهِ الْمَعْنَوِيَّةِ فَيُحْشَرُ الْمُمَزِّقُ لِأَعْرَاضِ النَّاسِ كَلْبًا ضَارِيًا وَالشَّرَهُ إِلَى أَمْوَالِهِمْ ذِئْبًا عَادِيًا وَالْمُتَكَبِّرُ عَلَيْهِمْ فِي صُورَةِ نَمِرٍ وَطَالِبُ الرِّيَاسَةِ فِي صُورَةِ أَسَدٍ .
وَقَدْ وَرَدَتْ بِذَلِكَ الْأَخْبَارُ وَشَهِدَ بِهِ الِاعْتِبَارُ عِنْدَ ذَوِي الْبَصَائِرِ وَالْأَبْصَارِ .