[ ص: 5 ] بسم الله الرحمن الرحيم
سورة العنكبوت
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=46nindex.php?page=treesubj&link=29000ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون
عطف على جملة
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=45اتل ما أوحي إليك من الكتاب الآية ، باعتبار ما تستلزمه تلك من متاركة المشركين والكف عن مجادلتهم بعد قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=43وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون كما تقدم آنفا . وقد كانت هذه توطئة لما سيحدث من الدعوة في
المدينة بعد هجرة النبيء - صلى الله عليه وسلم - لأن
nindex.php?page=treesubj&link=28431_19154_20077مجادلة أهل الكتاب لا تعرض للنبيء - صلى الله عليه وسلم - ولا للمؤمنين في
مكة ، ولكن لما كان النبيء - عليه الصلاة والسلام - في إبان نزول أواخر هذه السورة على وشك الهجرة إلى
المدينة ، وكانت الآيات السابقة مجادلة للمشركين غليظة عليهم من تمثيل حالهم بحال العنكبوت ، وقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=43وما يعقلها إلا العالمون - هيأ الله لرسوله - عليه الصلاة والسلام - طريقة مجادلة أهل الكتاب . فهذه الآية معترضة بين محاجة المشركين والعود إليها في قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=47وكذلك أنزلنا إليك الكتاب الآيات .
وجيء في النهي بصيغة الجمع ليعم النبيء - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين ؛ إذ قد تعرض للمسلمين مجادلات مع أهل الكتاب في غير حضرة النبيء - صلى الله عليه وسلم - أو قبل قدومه
المدينة .
nindex.php?page=treesubj&link=19152والمجادلة : مفاعلة من الجدل ، وهو إقامة الدليل على رأي اختلف فيه صاحبه مع غيره ، وقد تقدم في قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=107ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم في سورة النساء . وبهذا يعلم أن لا علاقة لهذه الآية بحكم قتال أهل الكتاب حتى
[ ص: 6 ] ينتقل من ذلك إلى أنها هل نسخت أم بقي حكمها ؛ لأن ذلك خروج بها عن مهيعها .
والمجادلة تعرض في أوقات السلم وأوقات القتال .
وأهل الكتاب :
اليهود والنصارى في اصطلاح القرآن ، والمقصود هنا
اليهود ، فهم الذين كانوا كثيرين في
المدينة والقرى حولها . ويشمل
النصارى إن عرضت مجادلتهم مثل ما عرض مع
نصارى نجران .
و
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=53التي هي أحسن مستثنى من محذوف دل عليه المستثنى ، تقديره : لا تجادلوهم بجدال إلا بجدال بالتي هي أحسن .
و " أحسن " اسم تفضيل يجوز أن يكون على بابه ، فيقدر المفضل عليه مما دلت عليه القرينة ، أي بأحسن من مجادلتكم المشركين ، أو بأحسن من مجادلتهم إياكم كما تدل عليه صيغة المفاعلة .
ويجوز كون اسم التفضيل مسلوب المفاضلة لقصد المبالغة في الحسن ، أي إلا بالمجادلة الحسنى كقوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=16&ayano=125وجادلهم بالتي هي أحسن في آخر سورة النحل . فالله جعل الخيار للنبيء - صلى الله عليه وسلم - في مجادلة المشركين بين أن يجادلهم بالحسنى كما اقتضته آية سورة النحل ، وبين أن يجادلهم بالشدة كقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=73يا أيها النبيء جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ، فإن الإغلاظ شامل لجميع المعاملات ، ومنها المجادلات ، ولا يختص بخصوص الجهاد ، فإن الجهاد كله إغلاظ ، فلا يكون عطف الإغلاظ على الجهاد إلا إغلاظا غير الجهاد .
ووجه الوصاية بالحسنى في مجادلة أهل الكتاب أن أهل الكتاب مؤمنون بالله غير مشركين به ، فهم متأهلون لقبول الحجة غير مظنون بهم المكابرة ؛ ولأن آداب دينهم وكتابهم أكسبتهم معرفة طريق المجادلة ، فينبغي الاقتصار في مجادلتهم على بيان الحجة دون إغلاظ ؛ حذرا من تنفيرهم ، بخلاف المشركين فقد ظهر من تصلبهم وصلفهم وجلافتهم ما أيأس من إقناعهم بالحجة النظرية ، وعين أن يعاملوا بالغلظة وأن يبالغ في تهجين دينهم وتفظيع طريقتهم ؛ لأن ذلك أقرب نجوعا لهم .
[ ص: 7 ] وهكذا ينبغي أن يكون الحال في ابتداء مجادلة أهل الكتاب ، وبقدر ما يسمح به رجاء الاهتداء من طريق اللين ، فإن هم قابلوا الحسنى بضدها انتقل الحكم إلى الاستثناء الذي في قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=46إلا الذين ظلموا منهم .
و الذين ظلموا منهم هم الذين كابروا وأظهروا العداء للنبيء - صلى الله عليه وسلم - وللمسلمين ، وأبوا أن يتلقوا الدعوة ، فهؤلاء ظلموا النبيء - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين حسدا وبغضا على أن جاء الإسلام بنسخ شريعتهم ، وجعلوا يكيدون للنبيء - صلى الله عليه وسلم - ونشأ منهم المنافقون ، وكل هذا ظلم واعتداء .
وقد كان
اليهود قبل هجرة المسلمين إلى
المدينة مسالمين الإسلام ، وكانوا يقولون : إن
محمدا رسول الأميين كما قال
ابن صياد لما قال له النبيء - صلى الله عليه وسلم - :
nindex.php?page=hadith&LINKID=10342316أتشهد أني رسول الله ؟ فقال : أشهد أنك رسول الأميين ، فلما جاء
المدينة دعاهم في أول يوم قدم فيه ، وهو اليوم الذي أسلم فيه
nindex.php?page=showalam&ids=106عبد الله بن سلام ، فأخذوا من يومئذ يتنكرون للإسلام .
وعطف
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=46وقولوا آمنا إلى آخر الآية تعليم لمقدمة المجادلة بالتي هي أحسن ، وهذا مما يسمى تحرير محل النزاع وتقريب شقة الخلاف ، وذلك تأصيل طرق الإلزام في المناظرة ، وهو أن يقال : قد اتفقنا على كذا وكذا ، فلنحتج على ما عدا ذلك ، فإن ما أمروا بقوله هنا مما اتفق عليه الفريقان ، فينبغي أن يكون هو السبيل إلى الوفاق ، وليس هو بداخل في حيز المجادلة ؛ لأن المجادلة تقع في موضع الاختلاف ؛ ولأن ما أمروا بقوله هنا هو إخبار عما يعتقده المسلمون ، وإنما تكون المجادلة فيما يعتقده أهل الكتاب مما يخالف عقائد المسلمين ، مثل قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=65يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده إلى قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=67وما كان من المشركين .
ولأجل أن مضمون هذه الآية لا يدخل في حيز المجادلة عطفت على ما قبلها ، ولو كانت مما شملته المجادلة لكان ذلك مقتضيا فصلها ؛ لأنها مثل بدل الاشتمال .
ومعنى
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=46بالذي أنزل إلينا القرآن .
والتعبير عنه بهذه الصلة للتنبيه على خطأ أهل الكتاب ، إذ جحدوا أن ينزل الله
[ ص: 8 ] كتابا على غير أنبيائهم ؛ ولذلك عقب بقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=46وأنزل إليكم . وقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=46وأنزل إليكم عطف صلة اسم موصول محذوف دل عليه ما قبله ، والتقدير : والذي أنزل إليكم ، أي الكتاب وهو التوراة بقرينة قوله إليكم ، والمعنى : إننا نؤمن بكتابكم ، فلا ينبغي أن تنحرفوا عنا ، وهذا كقوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=59قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل ، وكذلك قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=46وإلهنا وإلهكم واحد تذكير بأن المؤمنين
واليهود يؤمنون بإله واحد . فهذان أصلان يختلف فيهما كثير من أهل الأديان .
وقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=46ونحن له مسلمون مراد به كلا الفريقين ؛ فريق المتكلمين وفريق المخاطبين ، فيشمل المسلمين وأهل الكتاب فيكون المراد بوصف مسلمون أحد إطلاقيه وهو إسلام الوجه إلى الله ، أي عدم الإشراك به ، أي وكلانا مسلمون لله تعالى لا نشرك معه غيره . وتقديم المجرور على عامله في قوله : له مسلمون لإفادة الاختصاص تعريضا بالمشركين الذين لم يفردوا الله بالإلهية .
[ ص: 5 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=46nindex.php?page=treesubj&link=29000وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=45اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ الْآيَةَ ، بِاعْتِبَارِ مَا تَسْتَلْزِمُهُ تِلْكَ مِنْ مُتَارَكَةِ الْمُشْرِكِينَ وَالْكَفِّ عَنْ مُجَادَلَتِهِمْ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=43وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا . وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ تَوْطِئَةٌ لِمَا سَيَحَدُثُ مِنَ الدَّعْوَةِ فِي
الْمَدِينَةِ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=28431_19154_20077مُجَادَلَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا تَعْرِضُ لِلنَّبِيءِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا لِلْمُؤْمِنِينَ فِي
مَكَّةَ ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ النَّبِيءُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي إِبَّانِ نُزُولِ أَوَاخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ عَلَى وَشْكِ الْهِجْرَةِ إِلَى
الْمَدِينَةِ ، وَكَانَتِ الْآيَاتُ السَّابِقَةُ مُجَادِلَةً لِلْمُشْرِكِينَ غَلِيظَةً عَلَيْهِمْ مِنْ تَمْثِيلِ حَالِهِمْ بِحَالِ الْعَنْكَبُوتِ ، وَقَوْلُهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=43وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ - هَيَّأَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - طَرِيقَةَ مُجَادَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ . فَهَذِهِ الْآيَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ مُحَاجَّةِ الْمُشْرِكِينَ وَالْعَوْدِ إِلَيْهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=47وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ الْآيَاتِ .
وَجِيءَ فِي النَّهْيِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ لِيَعُمَّ النَّبِيءَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمِينَ ؛ إِذْ قَدْ تَعْرِضُ لِلْمُسْلِمِينَ مُجَادَلَاتٌ مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي غَيْرِ حَضْرَةِ النَّبِيءِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ قَبْلَ قُدُومِهِ
الْمَدِينَةَ .
nindex.php?page=treesubj&link=19152وَالْمُجَادَلَةُ : مُفَاعَلَةٌ مِنَ الْجَدَلِ ، وَهُوَ إِقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَى رَأْيٍ اخْتَلَفَ فِيهِ صَاحِبُهُ مَعَ غَيْرِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=107وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ . وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنْ لَا عَلَاقَةَ لِهَذِهِ الْآيَةِ بِحُكْمِ قِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ حَتَّى
[ ص: 6 ] يَنْتَقِلَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهَا هَلْ نُسِخَتْ أَمْ بَقِيَ حُكْمُهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خُرُوجٌ بِهَا عَنْ مَهْيَعِهَا .
وَالْمُجَادَلَةُ تَعْرِضُ فِي أَوْقَاتِ السِّلْمِ وَأَوْقَاتِ الْقِتَالِ .
وَأَهْلُ الْكِتَابِ :
الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فِي اصْطِلَاحِ الْقُرْآنِ ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا
الْيَهُودُ ، فَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا كَثِيرِينَ فِي
الْمَدِينَةِ وَالْقُرَى حَوْلَهَا . وَيَشْمَلُ
النَّصَارَى إِنْ عَرَضَتْ مُجَادَلَتُهُمْ مِثْلَ مَا عَرَضَ مَعَ
نَصَارَى نَجْرَانَ .
وَ
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=53الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ مُسْتَثْنًى مِنْ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْمُسْتَثْنَى ، تَقْدِيرُهُ : لَا تُجَادِلُوهُمْ بِجِدَالٍ إِلَّا بِجِدَالٍ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ .
وَ " أَحْسَنُ " اسْمُ تَفْضِيلٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَابِهِ ، فَيُقَدَّرُ الْمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مِمَّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْقَرِينَةُ ، أَيْ بِأَحْسَنَ مِنْ مُجَادَلَتِكُمُ الْمُشْرِكِينَ ، أَوْ بِأَحْسَنَ مِنْ مُجَادَلَتِهِمْ إِيَّاكُمْ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ الْمُفَاعَلَةِ .
وَيَجُوزُ كَوْنُ اسْمِ التَّفْضِيلِ مَسْلُوبَ الْمُفَاضَلَةِ لِقَصْدِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْحُسْنِ ، أَيْ إِلَّا بِالْمُجَادَلَةِ الْحُسْنَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=16&ayano=125وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فِي آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ . فَاللَّهُ جَعَلَ الْخِيَارَ لِلنَّبِيءِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مُجَادَلَةِ الْمُشْرِكِينَ بَيْنَ أَنْ يُجَادِلَهُمْ بِالْحُسْنَى كَمَا اقْتَضَتْهُ آيَةُ سُورَةِ النَّحْلِ ، وَبَيْنَ أَنْ يُجَادِلَهُمْ بِالشِّدَّةِ كَقَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=73يَا أَيُّهَا النَّبِيءُ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّ الْإِغْلَاظَ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْمُعَامَلَاتِ ، وَمِنْهَا الْمُجَادَلَاتُ ، وَلَا يَخْتَصُّ بِخُصُوصِ الْجِهَادِ ، فَإِنَّ الْجِهَادَ كُلَّهُ إِغْلَاظٌ ، فَلَا يَكُونُ عَطْفُ الْإِغْلَاظِ عَلَى الْجِهَادِ إِلَّا إِغْلَاظًا غَيْرَ الْجِهَادِ .
وَوَجْهُ الْوِصَايَةِ بِالْحُسْنَى فِي مُجَادَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ مُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ غَيْرُ مُشْرِكِينَ بِهِ ، فَهُمْ مُتَأَهِّلُونَ لِقَبُولِ الْحُجَّةِ غَيْرُ مَظْنُونٍ بِهِمُ الْمُكَابَرَةُ ؛ وَلِأَنَّ آدَابَ دِينِهِمْ وَكِتَابِهِمْ أَكْسَبَتْهُمْ مَعْرِفَةَ طَرِيقِ الْمُجَادَلَةِ ، فَيَنْبَغِي الِاقْتِصَارُ فِي مُجَادَلَتِهِمْ عَلَى بَيَانِ الْحُجَّةِ دُونَ إِغْلَاظٍ ؛ حَذَرًا مِنْ تَنْفِيرِهِمْ ، بِخِلَافِ الْمُشْرِكِينَ فَقَدْ ظَهَرَ مِنْ تَصَلُّبِهِمْ وَصَلَفِهِمْ وَجَلَافَتِهِمْ مَا أَيْأَسَ مِنْ إِقْنَاعِهِمْ بِالْحُجَّةِ النَّظَرِيَّةِ ، وَعَيَّنَ أَنْ يُعَامَلُوا بِالْغِلْظَةِ وَأَنْ يُبَالَغَ فِي تَهْجِينِ دِينِهِمْ وَتَفْظِيعِ طَرِيقَتِهِمْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ نُجُوعًا لَهُمْ .
[ ص: 7 ] وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحَالُ فِي ابْتِدَاءِ مُجَادَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَبِقَدْرِ مَا يُسْمَحُ بِهِ رَجَاءُ الِاهْتِدَاءِ مِنْ طَرِيقِ اللِّينِ ، فَإِنْ هُمْ قَابَلُوا الْحُسْنَى بِضِدِّهَا انْتَقَلَ الْحُكْمُ إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=46إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ .
وَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ هُمُ الَّذِينَ كَابَرُوا وَأَظْهَرُوا الْعَدَاءَ لِلنَّبِيءِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِلْمُسْلِمِينَ ، وَأَبَوْا أَنْ يَتَلَقَّوُا الدَّعْوَةَ ، فَهَؤُلَاءِ ظَلَمُوا النَّبِيءَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمَيْنِ حَسَدًا وَبُغْضًا عَلَى أَنْ جَاءَ الْإِسْلَامُ بِنَسْخِ شَرِيعَتِهِمْ ، وَجَعَلُوا يَكِيدُونَ لِلنَّبِيءِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَشَأَ مِنْهُمُ الْمُنَافِقُونَ ، وَكُلُّ هَذَا ظُلْمٌ وَاعْتِدَاءٌ .
وَقَدْ كَانَ
الْيَهُودُ قَبْلَ هِجْرَةِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى
الْمَدِينَةِ مُسَالِمِينَ الْإِسْلَامَ ، وَكَانُوا يَقُولُونَ : إِنَّ
مُحَمَّدًا رَسُولُ الْأُمِّيِّينَ كَمَا قَالَ
ابْنُ صَيَّادٍ لَمَّا قَالَ لَهُ النَّبِيءُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :
nindex.php?page=hadith&LINKID=10342316أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الْأُمِّيِّينَ ، فَلَمَّا جَاءَ
الْمَدِينَةَ دَعَاهُمْ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ قَدِمَ فِيهِ ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ
nindex.php?page=showalam&ids=106عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ، فَأَخَذُوا مِنْ يَوْمِئِذٍ يَتَنَكَّرُونَ لِلْإِسْلَامِ .
وَعَطْفُ
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=46وَقُولُوا آمَنَّا إِلَى آخِرِ الْآيَةِ تَعْلِيمٌ لِمُقَدِّمَةِ الْمُجَادَلَةِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، وَهَذَا مِمَّا يُسَمَّى تَحْرِيرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ وَتَقْرِيبُ شُقَّةِ الْخِلَافِ ، وَذَلِكَ تَأْصِيلُ طُرُقِ الْإِلْزَامِ فِي الْمُنَاظَرَةِ ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ : قَدِ اتَّفَقْنَا عَلَى كَذَا وَكَذَا ، فَلْنَحْتَجَّ عَلَى مَا عَدَا ذَلِكَ ، فَإِنَّ مَا أُمِرُوا بِقَوْلِهِ هُنَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْفَرِيقَانِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُوَ السَّبِيلَ إِلَى الْوِفَاقِ ، وَلَيْسَ هُوَ بِدَاخِلٍ فِي حَيِّزِ الْمُجَادَلَةِ ؛ لِأَنَّ الْمُجَادَلَةَ تَقَعُ فِي مَوْضِعِ الِاخْتِلَافِ ؛ وَلِأَنَّ مَا أُمِرُوا بِقَوْلِهِ هُنَا هُوَ إِخْبَارٌ عَمَّا يَعْتَقِدُهُ الْمُسْلِمُونَ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْمُجَادَلَةُ فِيمَا يَعْتَقِدُهُ أَهْلُ الْكِتَابِ مِمَّا يُخَالِفُ عَقَائِدَ الْمُسْلِمِينَ ، مِثْلَ قَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=65يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ إِلَى قَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=67وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ .
وَلِأَجْلِ أَنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الْآيَةِ لَا يَدْخُلُ فِي حَيِّزِ الْمُجَادَلَةِ عُطِفَتْ عَلَى مَا قَبْلَهَا ، وَلَوْ كَانَتْ مِمَّا شَمِلَتْهُ الْمُجَادَلَةُ لَكَانَ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا فَصْلَهَا ؛ لِأَنَّهَا مِثْلُ بَدَلِ الِاشْتِمَالِ .
وَمَعْنَى
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=46بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا الْقُرْآنُ .
وَالتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِهَذِهِ الصِّلَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى خَطَأِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، إِذْ جَحَدُوا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ
[ ص: 8 ] كِتَابًا عَلَى غَيْرِ أَنْبِيَائِهِمْ ؛ وَلِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=46وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ . وَقَوْلُهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=46وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ عَطْفُ صِلَةِ اسْمٍ مَوْصُولٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ ، وَالتَّقْدِيرُ : وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ، أَيِ الْكِتَابُ وَهُوَ التَّوْرَاةُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ إِلَيْكُمْ ، وَالْمَعْنَى : إِنَّنَا نُؤْمِنُ بِكِتَابِكُمْ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَنْحَرِفُوا عَنَّا ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=59قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=46وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ تَذْكِيرٌ بِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْيَهُودَ يُؤْمِنُونَ بِإِلَهٍ وَاحِدٍ . فَهَذَانِ أَصْلَانِ يَخْتَلِفُ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ .
وَقَوْلُهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=46وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ مُرَادٌ بِهِ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ ؛ فَرِيقُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَفَرِيقُ الْمُخَاطَبِينَ ، فَيَشْمَلُ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلَ الْكِتَابِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِوَصْفِ مُسْلِمُونَ أَحَدَ إِطْلَاقَيْهِ وَهُوَ إِسْلَامُ الْوَجْهِ إِلَى اللَّهِ ، أَيْ عَدَمُ الْإِشْرَاكِ بِهِ ، أَيْ وَكِلَانَا مُسْلِمُونَ لِلَّهِ تَعَالَى لَا نُشْرِكُ مَعَهُ غَيْرَهُ . وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ عَلَى عَامِلِهِ فِي قَوْلِهِ : لَهُ مُسْلِمُونَ لِإِفَادَةِ الِاخْتِصَاصِ تَعْرِيضًا بِالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ يُفْرِدُوا اللَّهَ بِالْإِلَهِيَّةِ .