nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=219nindex.php?page=treesubj&link=28973_17212_17190يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما
استئناف لإبطال عملين غالبين على الناس في الجاهلية وهما شرب الخمر والميسر وهذا من عداد الأحكام التي بينها في هاته السورة مما يرجع إلى إصلاح الأحوال التي كان عليها الناس في الجاهلية ، والمشروع في بيانها من قوله تعالى
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=178يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى إلى آخر السورة ، عدا ما تخلل ذلك من الآداب والزواجر والبشائر والمواعظ والأمثال والقصص; على عادة القرآن في تفنن أساليبه تنشيطا للمخاطبين والسامعين والقارئين ومن بلغ ، وقد تناسقت في هذه الآية .
والسائلون هم المسلمون; قال
الواحدي : نزلت في
nindex.php?page=showalam&ids=2عمر بن الخطاب nindex.php?page=showalam&ids=32ومعاذ بن جبل ونفر من
الأنصار أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل متلفة للمال; فنزلت هذه الآية ، قال في الكشاف : فلما نزلت هذه الآية ترك الخمر قوم وشربها آخرون ثم نزلت بعدها آية المائدة
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=90يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر الآية .
وشرب الخمر عمل متأصل في البشر قديما لم تحرمه شريعة من الشرائع لا القدر المسكر بله ما دونه ، وأما ما يذكره بعض علماء الإسلام : إن
nindex.php?page=treesubj&link=25857الإسكار حرام في الشرائع كلها فكلام لا شاهد لهم عليه بل الشواهد على ضده متوافرة ، وإنما جرأهم على هذا القول ما قعدوه في
[ ص: 339 ] أصول الفقه من أن الكليات التشريعية وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسب والمال والعرض هي مما اتفقت عليه الشرائع ، وهذا القول وإن كنا نساعد عليه فإن معناه عندي أن الشرائع كلها نظرت إلى حفظ هاته الأمور في تشريعاتها ، وأما أن تكون مراعاة باطراد في غير شريعة الإسلام فلا أحسب ذلك يتم ، على أن في مراعاتها درجات ، ولا حاجة إلى البحث في هذا بيد أن كتب أهل الكتاب ليس فيها تحريم الخمر ولا التنزيه عن شربها ، وفي التوراة التي بيد
اليهود : أن
نوحا شرب الخمر حتى سكر ، وأن
لوطا شرب الخمر حتى سكر سكرا أفضى بزعمهم إلى أمر شنيع ، والأخير من الأكاذيب; لأن النبوة تستلزم العصمة ، والشرائع وإن اختلفت في إباحة أشياء فهنالك ما يستحيل على الأنبياء مما يؤدي إلى نقصهم في أنظار العقلاء والذي يجب اعتقاده : أن شرب الخمر لا يأتيه الأنبياء; لأنها لا يشربها شاربوها إلا للطرب واللهو والسكر ، وكل ذلك مما يتنزه عنه الأنبياء ، ولا يشربونها لقصد التقوي لقلة هذا القصد من شربها .
وفي سفر اللاويين من التوراة : وكلم الله
هارون قائلا : خمرا ومسكرا لا تشرب أنت وبنوك معك عند دخولكم إلى خيمة الاجتماع لكي لا تموتوا . فرضا دهريا في أجيالكم . وللتمييز بين المقدس والمحلل وبين النجس والطاهر .
وشيوع شرب الخمر في الجاهلية معلوم لمن علم أدبهم وتاريخهم فقد كانت الخمر قوام أود حياتهم ، وقصارى لذاتهم ومسرة زمانهم وملهى أوقاتهم ، قال
طرفة :
ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى وجدك لم أحفل متى قام عودي فمنهن سبقي العاذلات بشربة
كميت متى ما تعل بالماء تزبد
وعن
nindex.php?page=showalam&ids=9أنس بن مالك : حرمت الخمر ولم يكن يومئذ للعرب عيش أعجب منها ، وما حرم عليهم شيء أشد عليهم من الخمر . فلا جرم أن جاء الإسلام في تحريمها بطريقة التدريج فأقر حقبة إباحة شربها وحسبكم في هذا الامتنان بذلك في قوله تعالى
nindex.php?page=tafseer&surano=16&ayano=67ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا على تفسير من فسر السكر بالخمر ، وقيل السكر : هو النبيذ غير المسكر ، والأظهر التفسير الأول .
وآية سورة النحل نزلت
بمكة ، واتفق أهل الأثر على أن
nindex.php?page=treesubj&link=17196_17195_30739_32208تحريم الخمر وقع في المدينة بعد غزوة الأحزاب بأيام ، أي في آخر سنة أربع أو سنة خمس على الخلاف في عام غزوة الأحزاب .
[ ص: 340 ] والصحيح الأول ، فقد امتن الله على الناس بأن اتخذوا سكرا من الثمرات التي خلقها لهم ، ثم إن الله لم يهمل رحمته بالناس حتى في حملهم على مصالحهم فجاءهم في ذلك بالتدريج ، فقيل : إن آية سورة البقرة هذه هي أول آية آذنت بما في الخمر من علة التحريم ، وأن سبب نزولها ما تقدم ، فيكون وصفها بما فيها من الإثم والمنفعة تنبيها لهم ، إذ كانوا لا يذكرون إلا محاسنها فيكون تهيئة لهم إلى ما سيرد من التحريم ، قال
البغوي : إنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
إن الله تقدم في تحريم الخمر أي ابتدأ يهيئ تحريمها يقال : تقدمت إليك في كذا أي عرضت عليك ! ، وفي تفسير
ابن كثير : أنها ممهدة لتحريم الخمر على البتات ولم تكن مصرحة بل معرضة أي معرضة بالكف عن شربها تنزها .
وجمهور المفسرين على أن هذه الآية : نزلت قبل آية سورة النساء وقبل آية سورة المائدة ، وهذا رأي
nindex.php?page=showalam&ids=2عمر بن الخطاب كما روى
أبو داود ، وروي أيضا عن
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس أنه رأى أن آية المائدة نسخت
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=43يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ونسخت آية
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=219يسألونك عن الخمر والميسر ، ونسب
nindex.php?page=showalam&ids=12لابن عمر nindex.php?page=showalam&ids=14577والشعبي ومجاهد وقتادة nindex.php?page=showalam&ids=14354والربيع بن أنس nindex.php?page=showalam&ids=16327وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم .
وذهب بعض المفسرين إلى أن آية البقرة هذه ثبت بها تحريم الخمر فتكون هذه الآية عندهم نازلة بعد آية سورة النساء
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=43يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ، وإذ كانت سورة البقرة قد نزلت قبل سورة النساء وسورة المائدة ، فيجيء على قول هؤلاء أن هذه الآية نزلت بعد نزول سورة البقرة وأنها وضعت هنا إلحاقا بالقضايا التي حكى سؤالهم عنها .
وأن معنى
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=219فيهما إثم كبير في تعاطيهما بشرب أحدهما واللعب بالآخر ذنب عظيم ، وهذا هو الأظهر من الآية ; إذ وصف الإثم فيها بوصف كبير فلا تكون آية سورة العقود إلا مؤكدة للتحريم ونصا عليه; لأن ما في آيتنا هذه من ذكر المنافع ما قد يتأوله المتأولون بالعذر من شربها ، وقد روي في بعض الآثار أن ناسا شربوا الخمر بعد نزول هذه الآية فصلى رجلان فجعلا يهجران كلاما لا يدرى ما هو ، وشربها رجل من المسلمين فجعل ينوح على قتلى
بدر من المشركين ، فبلغ ذلك النبيء صلى الله عليه وسلم فجاءه فزعا ورفع شيئا كان
[ ص: 341 ] بيده ليضربه فقال الرجل : أعوذ بالله من غضب الله ورسوله وآلى : لا أطعمها أبدا ، فأنزل الله تحريمها بآية سورة المائدة .
nindex.php?page=treesubj&link=17186والخمر : اسم مشتق من مصدر خمر الشيء خمره من باب نصر إذا ستره ، سمي به عصير العنب إذا غلى واشتد وقذف بالزبد فصار مسكرا; لأنه يستر العقل عن تصرفه الخلقي تسمية مجازية وهي إما تسمية بالمصدر ، أو هو اسم جاء على زنة المصدر : هو اسم لكل مشروب مسكر سواء كان عصير عنب أو عصير غيره أو ماء نبذ فيه زبيب أو تمر أو غيرهما من الأنبذة وترك حتى يختمر ويزبد ، واستظهره صاحب القاموس . والحق أن الخمر كل شراب مسكر ، إلا أنه غلب على عصير العنب المسكر; لأنهم كانوا يتنافسون فيه ، وأن غيره يطلق عليه خمر ونبيذ وفضيخ ، وقد وردت أخبار صحيحة تدل على أن معظم شراب العرب يوم تحريم الخمر من فضيخ التمر ، وأن أشربة أهل
المدينة يومئذ خمسة غير عصير العنب ، وهي من التمر والزبيب والعسل والذرة والشعير وبعضها يسمى الفضيخ ، والنقيع ، والسكركة ، والبتع .
وما ورد في بعض الآثار عن
nindex.php?page=showalam&ids=12ابن عمر : نزل تحريم الخمر
وبالمدينة خمسة أشربة ما فيها شراب العنب ، معناه ليس معدودا في الخمسة شراب العنب لقلة وجوده وليس المراد أن شراب العنب لا يوجد
بالمدينة .
وقد كان شراب العنب يجلب إلى
الحجاز ونجد من
اليمن والطائف والشام قال
عمرو بن كلثوم :
ولا تبقي خمور الأندرينا
وأندرين بلد من بلاد
الشام . وقد انبنى على الخلاف في مسمى الخمر في كلام العرب خلاف في الأحكام ، فقد أجمع العلماء كلهم على أن
nindex.php?page=treesubj&link=33499_17241خمر العنب حرام كثيرها إجماعا وقليلها عند معظم العلماء ويحد شارب الكثير منها عند الجمهور وفي القليل خلاف كما سيأتي في سورة المائدة إن شاء الله تعالى ، ثم اختلفوا فيما عداها فقال الجمهور : كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام وحكمه كحكم الخمر في كل شيء أخذا بمسمى الخمر عندهم ، وبالقياس الجلي الواضح أن حكمة التحريم هي الإسكار وهو ثابت لجميعها وهذا هو الصواب ، وقال
أبو حنيفة وأبو يوسف nindex.php?page=showalam&ids=16004وسفيان الثوري :
[ ص: 342 ] يختص شراب العنب بتلك الأحكام أما ما عداه فلا يحرم منه إلا القدر المسكر ، هكذا ينقل المخالفون عن
أبي حنيفة ، وكان العلماء في القديم ينقلون ذلك مطلقا حتى ربما أوهم نقلهم أنه لا يرى على من سكر بغير الخمر شيئا ، ويزيد ذلك إيهاما قاعدة أن المأذون فيه شرعا لا يتقيد بالسلامة وربما عضدوا ذلك بمنقول قصص وحوادث كقول
nindex.php?page=showalam&ids=12185أبي نواس :
أباح العراقي النبيذ وشربه وقال حرامان المدامة والسكر
ولكن الذي استقر عليه الحنفية هو أن
nindex.php?page=treesubj&link=17184الأشربة المسكرة قسمان ، أحدهما محرم شربه وهو أربعة : الخمر وهو النيئ من عصير العنب إذا غلى واشتد وقذف بالزبد ، والطلاء بكسر الطاء وبالمد وهو عصير العنب إذا طبخ حتى ذهب أقل من ثلثيه ثم ترك حتى صار مسكرا ، والسكر بفتح السين والكاف وهو النيئ من ماء الرطب أي من الماء الحار المصبوب على الرطب ثم يصير مسكرا ، والنقيع وهو النيئ من نبيذ الزبيب ، وهذه الأربعة حرام قليلها وكثيرها ونجسة العين لكن الخمر يكفر مستحلها ويحد شارب القليل والكثير منها ، وأما الثلاثة الباقية فلا يكفر مستحلها ولا يحد شاربها إلا إذا سكر . القسم الثاني : الأشربة الحلال شربها وهي نبيذ التمر والزبيب إذا طبخ ولو أدنى طبخة ، ونبيذ الخليطين منهما إذا طبخ أدنى طبخة ، ونبيذ العسل والتين والبر والشعير والذرة طبخ أم لم يطبخ . والمثلث وهو ما طبخ من ماء العنب حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه ، فهذه الأربعة يحل شربها; إذا لم يقصد به اللهو والطرب بل التقوي على العبادة كذا أو إصلاح هضم الطعام أو التداوي وإلا حرمت ولا يحد شاربها إلا إذا سكر .
وهذا التفصيل دليله القياس ، لأن هذه الأشربة لم يبق فيها الإسكار المعتاد ، وأما الحد فلا وجه للتفصيل فيه لأنه إن كان على السكر فالجميع سواء في الإسكار ، على أنه يلزم ألا يكون الحد إلا عند حصول السكر وليس في الآثار ما يشهد لغير ذلك ، وإن كان الحد لسد الذريعة فلا أرى أن قاعدة سد الذريعة تبلغ إلى حد مرتكب الذريعة قبل حصول المتذرع إليه . وتمسك الحنفية لهذا التفصيل بأن الأنبذة شربها الصحابة هو تمسك أوهى مما قبله ، إذ الصحابة يحاشون عن شرب المسكرات وإنما شربوا الأنبذة قبل اختمارها ، واسم النبيذ يطلق على الحلو والمختمر فصار اللفظ غير منضبط ، وقد خالف
محمد بن الحسن إمامه في ذلك فوافق الجمهور .
[ ص: 343 ] وربما ذكر بعضهم في الاستدلال أن الخمر حقيقة في شراب العنب النيئ ، مجاز في غيره من الأنبذة والشراب المطبوخ ، وقد جاء في الآية لفظ الخمر فيحمل على حقيقته ، وإلحاق غيره به إثبات اللغة بالقياس ، وهذا باطل ، لأن الخلاف في كون الخمر حقيقة في شراب العنب أو في الأعم خلاف في التسمية اللغوية والإطلاق ، فبقطع النظر عنه كيف يظن المجتهد بأن الله تعالى يحرم خصوص شراب العنب ويترك غيره مما يساويه في سائر الصفات المؤثرة في الأحكام ، فإن قالوا : إن الصفة التي ذكرت في القرآن قد سوينا فيها جميع الأشربة وذلك بتحريم القدر المسكر وبقيت للخمر أحكام ثبتت بالسنة كتحريم القليل والحد عليه أو على السكر فتلك هي محل النظر ، قلنا : هذا مصادرة لأننا استدللنا عليهم بأنه لا يظن بالشارع أن يفرق في الأحكام بين أشياء متماثلة في الصفات ، على أنه قد ثبت في الصحيح ثبوتا لا يدع للشك في النفوس مجالا أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال
nindex.php?page=hadith&LINKID=10341261إن الخمر من العصير والزبيب والتمر والحنطة والشعير والذرة رواه
nindex.php?page=showalam&ids=114النعمان بن بشير وهو في سنن
أبي داود وقال
nindex.php?page=hadith&LINKID=10341262الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة رواه
nindex.php?page=showalam&ids=3أبو هريرة وهو في سنن
أبي داود ، وقال
nindex.php?page=hadith&LINKID=10341263كل مسكر خمر وكل مسكر حرام رواه
nindex.php?page=showalam&ids=12ابن عمر في سنن
الترمذي ، وقال
أنس : لقد حرمت الخمر وما نجد شراب العنب إلا قليلا ، وعامة شرابنا فضيخ التمر . كما في سنن
الترمذي .
وأما
nindex.php?page=treesubj&link=17250_17201التوسع في الخمر بعد الطبخ ، فهو تشويه للفقه ولطخ ، وماذا يفيد الطبخ إن كان الإسكار لم يزل موجودا .
وصف الله الخمر بأن فيها إثما كبيرا ومنافع . والإثم : معصية الله بفعل ما فيه فساد ولا يرضي الله ، وأشار الراغب إلى أن في اشتقاق الإثم معنى الإبطاء عن الخير ، وقال
ابن العربي في تفسير سورة الأعراف : الإثم عبارة عن الذم الوارد في الفعل ، فكأنه يشير إلى أن الإثم ضد الثواب ، وظاهر اصطلاح الشريعة أن الإثم هو الفعل المذموم في الشرع ، فهو ضد القربة فيكون معنى
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=219فيهما إثم كبير أنهما يتسبب منهما ما هو إثم في حال العربدة وحال الربح والخسارة من التشاجر .
وإطلاق الكبير على الإثم مجاز ، لأنه ليس من الأجسام ، فالمراد من الكبير : الشديد في نوعه كما تقدم آنفا .
وجيء بفي الدالة على الظرفية لإفادة شدة تعلق الإثم والمنفعة بهما; لأن الظرفية
[ ص: 344 ] أشد أنواع التعلق ، وهي هنا ظرفية مجازية شائعة في كلام العرب ، وجعلت الظرفية متعلقة بذات الخمر والميسر للمبالغة ، والمراد في استعمالهما المعتاد .
واختير التعبير بالإثم للدلالة على أنه يعود على متعاطي شربها بالعقوبة في الدنيا والآخرة .
وقرأ الجمهور
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=219إثم كبير بموحدة بعد الكاف وقرأه
حمزة nindex.php?page=showalam&ids=15080والكسائي ( كثير ) بالثاء المثلثة ، وهو مجاز استعير وصف الكثير للشديد تشبيها لقوة الكيفية بوفرة العدد .
والمنافع : جمع منفعة ، وهي اسم على وزن مفعلة وأصله يحتمل أن يكون مصدرا ميميا قصد منه قوة النفع ، لأن المصدر الميمي أبلغ من جهة زيادة المبني .
ويحتمل أن يكون اسم مكان دالا على كثرة ما فيه كقولهم : مسبعة ومقبرة أي يكثر فيهما النفع من قبيل قولهم مصلحة ومفسدة ، فالمنفعة على كل حال أبلغ من النفع .
nindex.php?page=treesubj&link=17195_17196والإثم الذي في الخمر نشأ عما يترتب على شربها تارة من الإفراط فيه والعربدة من تشاجر يجر إلى البغضاء والصد عن سبيل الله وعن الصلاة ، وفيها ذهاب العقل والتعرض للسخرية ، وفيها ذهاب المال في شربها ، وفي الإنفاق على الندامى حتى كانوا ربما رهنوا ثيابهم عند الخمارين قال
عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي :
ولسنا بشرب أم عمرو إذا انتشوا ثياب الندامى عندهم كالمغانم
ولكننا يا أم عمرو نديمنا بمنزلة الريان ليس بعائم
وقال
عنترة :
وإذا سكرت فإنني مستهلك مالي ، وعرضي وافر لم يكلم
وكانوا يشترون الخمر بأثمان غالية ويعدون المماكسة في ثمنها عيبا ، قال
لبيد : أغلي السباء بكل أدكن عاتق أو جونة قدحت وفض ختامها
ومن آثامها
nindex.php?page=treesubj&link=17195_17196ما قرره الأطباء المتأخرون أنها تورث المدمنين عليها أضرارا في الكبد والرئتين والقلب وضعفا في النسل ، وقد انفرد الإسلام عن جميع الشرائع بتحريمها ، ولأجل ما فيها من المضار في المروءة حرمها بعض العرب على أنفسهم في الجاهلية ، فممن حرمها على نفسه في الجاهلية
قيس بن عاصم المنقري بسبب أنه شرب يوما حتى سكر فجذب ابنته وتناول ثوبها ، ورأى القمر فتكلم كلاما ، فلما أخبر بذلك حين صحا آلى لا يذوق خمرا ما عاش وقال :
[ ص: 345 ] رأيت الخمر صالحة وفيها خصال تفسد الرجل الحليما
فلا والله أشربها صحيحا ولا أشفى بها أبدا سقيما
ولا أعطي بها ثمنا حياتي ولا أدعو لها أبدا نديما
فإن الخمر تفضح شاربيها وتجنيهم بها الأمر العظيما
وفي أمالي القالي نسبة البيتين الأولين
nindex.php?page=showalam&ids=90لصفوان بن أمية ، ومنهم
عامر بن الظرب العدواني ، ومنهم
عفيف بن معدي كرب الكندي عم
nindex.php?page=showalam&ids=185الأشعث بن قيس ،
وصفوان بن أمية الكناني ،
وأسلوم البالي ،
وسويد بن عدي الطائي ، وأدرك الإسلام
وأسد بن كرز القسري البجلي الذي كان يلقب في الجاهلية برب بجيلة ،
nindex.php?page=showalam&ids=7وعثمان بن عفان ،
nindex.php?page=showalam&ids=1وأبو بكر الصديق ،
وعباس بن مرداس ،
nindex.php?page=showalam&ids=5559وعثمان بن مظعون ،
nindex.php?page=showalam&ids=12467وأمية بن أبي الصلت ،
وعبد الله بن جدعان .
وأما المنافع فمنها منافع بدنية وهي ما تكسبه من قوة بدن الضعيف في بعض الأحوال وما فيها من منافع التجارة فقد كانت تجارة
الطائف واليمن من الخمر ، وفيها منافع من اللذة والطرب ، قال
طرفة :
ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى وجدك لم أحفل متى قام عودي
فمنهن سبقي العاذلات بشربة كميت متى ما تعل بالماء تزبد
وذهب بعض علمائنا إلى أن المنافع مالية فقط فرارا من الاعتراف بمنافع بدنية للخمر وهو جحود للموجود ومن العجيب أن بعضهم زعم أن في الخمر منافع بدنية ولكنها بالتحريم زالت .
وذكر في هذه الآية الميسر عطفا على الخمر ومخبرا عنهما بأخبار متحدة فما قيل في مقتضى هذه الآية من تحريم الخمر أو من التنزيه عن شربها يقال مثله في الميسر ، وقد بان أن
nindex.php?page=treesubj&link=27974الميسر قرين الخمر في التمكن من نفوس العرب يومئذ وهو أكبر لهو يلهون به ، وكثيرا ما يأتونه وقت الشراب إذا أعوزهم اللحم للشواء عند شرب الخمر ، فهم يتوسلون لنحر الجزور ساعتئذ بوسائل قد تبلغ بهم إلى الاعتداء على جزر الناس بالنحر كما في قصة
حمزة ، إذ نحر شارفا
nindex.php?page=showalam&ids=8لعلي بن أبي طالب حين كان
حمزة مع شرب فغنته قينته مغرية إياه بهذا الشارف :
ألا يا حمز للشرف النواء وهن معقلات بالفناء
فقام إليها فشق بطنها وأخرج الكبد فشواه في قصة شهيرة ، وقال
طرفة يذكر
[ ص: 346 ] اعتداءه على ناقة من إبل أبيه في حال سكره :
فمرت كهاة ذات خيف جلالة عقيلة شيخ كالوبيل يلندد
يقول وقد تر الوظيف وساقها ألست ترى أن قد أتيت بمؤيد
وقال ألا ماذا ترون بشارب شديد علينا بغيه متعمد
فلا جرم أن كان الميسر أيسر عليهم لاقتناء اللحم للشرب ولذلك كثر في كلامهم قرنه بالشرب ، وقال
سبرة بن عمرو الفقعسي يذكر الإبل :
نحابي بها أكفاءنا ونهينها ونشرب في أثمانها ونقامر
وذكر
لبيد الخمر ثم ذكر الميسر في معلقته فقال :
أغلي السباء بكل أدكن عاتق أو جونة قدحت وفض ختامها
ثم قال :
وجزور أيسار دعوت لحتفها بمغالق متشابه أجسامها
وذكرهما
عنترة في بيت واحد فقال يذكر محاسن قرنه الذي صرعه في الحرب :
ربذ يداه بالقداح إذا شتا هتاك غايات التجار ملوم
فلأجل هذا قرن في هذه الآية ذكر الخمر بذكر الميسر ، ولأجله اقترنا في سؤال السائلين عنهما إن كان ثمة سؤال .
والميسر : اسم جنس على وزن مفعل مشتق من الميسر . وهو ضد العسر والشدة ، أو من اليسار وهو ضد الإعسار ، كأنهم صاغوه على هذا الوزن مراعاة لزنة اسم المكان من يسر ييسر وهو مكان مجازي جعلوا ذلك التقامر بمنزلة الظرف الذي فيه اليسار أو اليسر ، لأنه يفضي إلى رفاهة العيش وإزالة صعوبة زمن المحل وكلب الشتاء ، وقال صاحب الكشاف : هو مصدر كالموعد ، وفيه أنه لو كان مصدرا لكان مفتوح السين; إذ المصدر الذي على وزن المفعل لا يكون إلا مفتوح العين ما عدا ما شذ ، ولم يذكروا الميسر في الشاذ ، إلا أن يجاب بأن العرب وضعوا هذا الاسم على وزن المصدر الشاذ ليعلم أنه الآن ليس بمصدر .
والميسر : قمار كان للعرب في الجاهلية ، وهو من القمار القديم المتوغل في القدم كان
لعاد من قبل ، وأول من ورد ذكر لعب الميسر عنه في كلام العرب هو
لقمان بن عاد ويقال
[ ص: 347 ] لقمان العادي ، والظاهر أنه ولد
عاد بن عوص بن إرم بن سام ، وهو غير
لقمان الحكيم ، والعرب تزعم أن
لقمان كان أكثر الناس لعبا بالميسر حتى قالوا في المثل : أيسر من
لقمان وزعموا أنه كان له ثمانية أيسار لا يفارقونه هم من سادة عاد وأشرافهم ، ولذلك يشبهون أهل الميسر إذا كانوا من أشراف القوم بأيسار
لقمان قال
طرفة بن العبد :
وهم أيسار لقمان إذا أغلت الشتوة أبداء الجزر
أراد التشبيه البليغ .
nindex.php?page=treesubj&link=27973وصفة الميسر أنهم كانوا يجعلون عشرة قداح جمع قدح بكسر القاف وهو السهم الذي هو أصغر من النبل ومن السهم فهو سهم صغير مثل السهام التي تلعب بها الصبيان وليس في رأسه سنان وكانوا يسمونها الحظاء جمع حظوة وهي السهم الصغير وكلها من قصب النبع ، وهذه القداح هي : الفذ ، والتوأم ، والرقيب ، والحلس ، والنافس ، والمسبل ، والمعلى ، والسفيح ، والمنيح ، والوغد ، وقيل النافس ، وهو الرابع والحلس خامس ، فالسبعة الأول لها حظوظ من واحد إلى سبعة على ترتيبها ، والثلاثة الأخيرة لا حظوظ لها وتسمى أغفالا جمع غفل بضم الغين وسكون الفاء وهو الذي أغفل من العلامة ، وهذه العلامات خطوط واحد إلى سبعة كأرقام الحساب الروماني إلى الأربعة ، وقد خطوا العلامات على القداح ذات العلامات بالشلط في القصبة أو بالحرق بالنار فتسمى العلامة حينئذ قرمة ، وهذه العلامات توضع في أسافل القداح .
فإذا أرادوا التقامر اشتروا جزورا بثمن مؤجل إلى ما بعد التقامر وقسموه أبداء أي أجزاء إلى ثمانية وعشرين جزءا أو إلى عشرة أجزاء على اختلاف بين
nindex.php?page=showalam&ids=13721الأصمعي وأبي عبيدة ، والظاهر أن للعرب في ذلك طريقتين فلذلك اختلف
nindex.php?page=showalam&ids=13721الأصمعي وأبو عبيدة ، ثم يضعون تلك القداح في خريطة من جلد تسمى الربابة بكسر الراء هي مثل كنانة النبال وهي واسعة لها مخرج ضيق يضيق عن أن يخرج منه قدحان أو ثلاثة ، ووكلوا بهذه الربابة رجلا يدعى عندهم الحرضة والضريب والمجيل ، وكانوا يغشون عينيه بمغمضة ، ويجعلون على يديه خرقة بيضاء يسمونها المجول يعصبونها على يديه أو جلدة رقيقة يسمونها السلفة بضم السين وسكون اللام ، ويلتحف هذا الحرضة بثوب يخرج رأسه منه ثم يجثو على ركبتيه
[ ص: 348 ] ويضع الربابة بين يديه ، ويقوم وراءه رجل يسمى الرقيب أو الوكيل هو الأمين على الحرضة وعلى الأيسار كي لا يحتال أحد على أحد وهو الذي يأمر الحرضة بابتداء الميسر ، يجلسون والأيسار حول الحرضة جثيا على ركبهم ، قال
دريد بن الصمة :
دفعت إلى المجيل وقد تجاثوا على الركبات مطلع كل شمس
ثم يقول الرقيب للحرضة : جلجل القداح أي حركها فيخضخضها في الربابة كي تختلط ثم يفيضها أي يدفعها إلى جهة مخرج القداح من الربابة دفعة واحدة على اسم واحد من الأيسار فيخرج قدح فيتقدم الوكيل فيأخذه وينظره فإن كان من ذوات الأنصباء دفعه إلى صاحبه وقال له قم فاعتزل فيقوم ويعتزل إلى جهة ثم تعاد الجلجلة ، وقد اغتفروا إذا خرج أول القداح غفلا ألا يحسب في غرم ولا في غنم بل يرد إلى الربابة وتعاد الإحالة وهكذا ومن خرجت لهم القداح الأغفال يدفعون ثمن الجزور .
فأما على الوصف الذي وصف
nindex.php?page=showalam&ids=13721الأصمعي أن الجزور يقسم إلى ثمانية وعشرين جزءا فظاهر أن لجميع أهل القدح القامرة شيئا من أبداء الجزور لأن مجموع ما على القداح الرابحة من العلامات ثمانية وعشرون ، وعلى أهل القداح غرم ثمنه .
وأما على الوصف الذي وصف
أبو عبيدة أن الجزور يقسم إلى عشرة أبداء فذلك يقتضي أن ليس كل المتقامرين برابح ، لأن الربح يكون بمقدار عشرة سهام مما رقمت به القداح وحينئذ إذا نفدت الأجزاء انقطعت الإفاضة وغرم أهل السهام الأغفال ثمن الجزور ولم يكن لمن خرجت له سهام ذات حظوظ بعد الذين استوفوا أبداء الجزور شيء إذ ليس في الميسر أكثر من جزور واحد قال
لبيد :
وجزور أيسار دعوت لحتفها
البيت ، وإذ لا غنم في الميسر إلا من اللحم لا من الدراهم أو غيرها ، ولعل كلا من وصفي
nindex.php?page=showalam&ids=13721الأصمعي وأبي عبيدة كان طريقة للعرب في الميسر بحسب ما يصطلح عليه أهل الميسر ، وإذا لم يجمع العدد الكافي من المتياسرين أخذ بعض من حضر سهمين أو ثلاثة فكثر بذلك ربحه أو غرمه وإنما يفعل هذا أهل الكرم واليسار لأنه معرض لخسارة عظيمة ، إذا لم يفز قدحه ، ويقال في هذا الذي يأخذ أكثر من سهم متمم الأيسار قال
النابغة :
إني أتمم أيساري وأمنحهم مثنى الأيادي وأكسو الجفنة الأدما
[ ص: 349 ] ويسمون هذا الإتمام بمثنى الأيادي كما قال
النابغة ، لأنه يقصد منه تكرير المعروف عند الربح فالأيادي بمعنى النعم ، وكانوا يعطون أجر الرقيب والحرضة والجزار من لحم الجزور فأما أجر الرقيب فيعطاه من أول القسمة وأفضل اللحم ويسمونه بدءا ، وأما الحرضة فيعطى لحما دون ذلك وأما الجزار فيعطى مما يبقى بعد القسم من عظم أو نصف عظم ويسمونه الريم .
ومن يحضر الميسر من غير المتياسرين يسمون الأعران جمع عرن بوزن كتف وهم يحضرون طمعا في اللحم ، والذي لا يحب الميسر ولا يحضره لفقره سمي البرم بالتحريك .
وأصل المقصد من الميسر هو المقصد من القمار كله وهو الربح واللهو يدل لذلك تمدحهم وتفاخرهم بإعطاء ربح الميسر للفقراء ، لأنه لو كان هذا الإعطاء مطردا لكل من يلعب الميسر لما كان تمدح به قال
الأعشى :
المطعمو الضيف إذا ما شتوا والجاعلو القوت على الياسر
ثم إن كرامهم أرادوا أن يظهروا الترفع عن الطمع في مال القمار فصاروا يجعلون الربح للفقراء واليتامى ومن يلم بساحتهم من أضيافهم وجيرتهم ، قال
لبيد :
أدعو بهن لعاقر أو مطفل بذلت لجيران الجميع لحامها
فالضيف والجار الجنيب كأنما هبطا تبالة مخصبا أهضامها
فصار الميسر عندهم من شعار أهل الجود كما تقدم في أبيات
لبيد ، وقال
عنترة كما تقدم :
ربذ يداه بالقداح إذا شتا هتاك غايات التجار ملوح
أي خفيف اليد في الميسر لكثرة ما لعب الميسر في الشتاء لنفع الفقراء ، وقال
عمير بن الجعد :
يسر إذا كان الشتاء ومطعم للحم غير كبنة علفوف
الكبنة بضمتين المنقبض القليل المعروف والعلفوف كعصفور الجافي .
فالمنافع في الميسر خاصة وعامة وهي دنيوية كلها ، والإثم الذي فيه هو ما يوقعه من العداوة والبغضاء ومن إضاعة الوقت والاعتياد بالكسل والبطالة واللهو والصد عن ذكر الله وعن الصلاة وعن التفقه في الدين وعن التجارة ونحوها مما به قوام المدنية وتلك آثام لها آثارها الضارة في الآخرة ، ولهذه الاعتبارات ألحق الفقهاء بالميسر كل لعب فيه قمار كالنرد ، وعن النبيء صلى الله عليه وسلم
nindex.php?page=hadith&LINKID=10341264إياكم وهاتين الكعبتين فإنهما من ميسر العجم يريد
[ ص: 350 ] النرد ، وعن
علي :
nindex.php?page=treesubj&link=27239_27238النرد والشطرنج من الميسر ، وعلى هذا جمهور الفقهاء
ومالك وأبو حنيفة وقال
nindex.php?page=showalam&ids=13790الشافعي : إذا خلا الشطرنج من الرهان واللسان عن الطغيان والصلاة عن النسيان لم يكن حراما وهو خارج عن الميسر لأن الميسر ما يوجب دفع المال وأخذه وهذا ليس كذلك وهو وجيه والمسألة مبسوطة في الفقه .
والناس مراد به العموم لاختلاف المنافع ، ولأنه لما وقع الإخبار بواسطة " في " المفيدة الظرفية لم يكن في الكلام ما يقتضي أن كل فرد من أفراد الناس ينتفع بالخمر والميسر ، بل الكلام يقتضي أن هاته المنافع موجودة في الخمر والميسر لمن شاء أن ينتفع كقوله تعالى
nindex.php?page=tafseer&surano=16&ayano=69فيه شفاء للناس .
وليس المراد بالناس طائفة لعدم صلوحية " ال " هنا للعهد ولو أريد طائفة لما صح إلا أن يقال : ومنافع الشاربين والياسرين كما قال
nindex.php?page=tafseer&surano=47&ayano=15وأنهار من خمر لذة للشاربين فإن قلت : ما الوجه في ذكر منافع الخمر والميسر مع أن سياق التحريم والتمهيد إليه يقتضي تناسي المنافع ، قلت : إن كانت الآية نازلة لتحريم الخمر والميسر فالفائدة في ذكر المنافع هي بيان حكمة التشريع ليعتاد المسلمون مراعاة علل الأشياء ، لأن الله جعل هذا الدين دينا دائما وأودعه أمة أراد أن يكون منها مشرعون لمختلف ومتجدد الحوادث ، فلذلك أشار لعلل الأحكام في غير موضع كقوله تعالى
nindex.php?page=tafseer&surano=49&ayano=12أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ونحو ذلك ، وتخصيص التنصيص على العلل ببعض الأحكام في بعض الآيات إنما هو في مواضع خفاء العلل ، فإن الخمر قد اشتهر بينهم نفعها ، والميسر قد اتخذوه ذريعة لنفع الفقراء فوجب بيان ما فيهما من المفاسد إنباء بحكمة التحريم ، وفائدة أخرى وهي تأنيس المكلفين عند فطامهم عن أكبر لذائذهم تذكيرا لهم بأن ربهم لا يريد إلا صلاحهم دون نكايتهم كقوله
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=216كتب عليكم القتال وهو كره لكم وقوله
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=183كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم .
وهنالك أيضا فائدة أخرى وهي عذرهم عما سلف منهم حتى لا يستكينوا لهذا التحريم والتنديد على المفاسد كقوله
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=187علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم .
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=219nindex.php?page=treesubj&link=28973_17212_17190يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا
اسْتِئْنَافٌ لِإِبْطَالِ عَمَلَيْنِ غَالِبَيْنِ عَلَى النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَهُمَا شُرْبُ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرُ وَهَذَا مِنْ عِدَادِ الْأَحْكَامِ الَّتِي بَيَّنَهَا فِي هَاتِهِ السُّورَةِ مِمَّا يَرْجِعُ إِلَى إِصْلَاحِ الْأَحْوَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا النَّاسُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَالْمَشْرُوعُ فِي بَيَانِهَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=178يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى إِلَى آخِرِ السُّورَةِ ، عَدَا مَا تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ الْآدَابِ وَالزَّوَاجِرِ وَالْبَشَائِرِ وَالْمَوَاعِظِ وَالْأَمْثَالِ وَالْقَصَصِ; عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ فِي تَفَنُّنِ أَسَالِيبِهِ تَنْشِيطًا لِلْمُخَاطَبِينَ وَالسَّامِعِينَ وَالْقَارِئِينَ وَمَنْ بُلِّغَ ، وَقَدْ تَنَاسَقَتْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ .
وَالسَّائِلُونَ هُمُ الْمُسْلِمُونَ; قَالَ
الْوَاحِدِيُّ : نَزَلَتْ فِي
nindex.php?page=showalam&ids=2عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ nindex.php?page=showalam&ids=32وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَنَفَرٍ مِنَ
الْأَنْصَارِ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْتِنَا فِي الْخَمْرِ فَإِنَّهَا مُذْهِبَةٌ لِلْعَقْلِ مُتْلِفَةٌ لِلْمَالِ; فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، قَالَ فِي الْكَشَّافِ : فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تَرَكَ الْخَمْرَ قَوْمٌ وَشَرِبَهَا آخَرُونَ ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْدَهَا آيَةُ الْمَائِدَةِ
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=90يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ الْآيَةَ .
وَشُرْبُ الْخَمْرِ عَمَلٌ مُتَأَصِّلٌ فِي الْبَشَرِ قَدِيمًا لَمْ تُحَرِّمْهُ شَرِيعَةٌ مِنَ الشَّرَائِعِ لَا الْقَدْرَ الْمُسْكِرَ بَلَهُ مَا دُونَهُ ، وَأَمَّا مَا يَذْكُرُهُ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ : إِنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=25857الْإِسْكَارَ حَرَامٌ فِي الشَّرَائِعِ كُلِّهَا فَكَلَامٌ لَا شَاهِدَ لَهُمْ عَلَيْهِ بَلِ الشَّوَاهِدُ عَلَى ضِدِّهِ مُتَوَافِرَةٌ ، وَإِنَّمَا جَرَّأَهُمْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مَا قَعَّدُوهُ فِي
[ ص: 339 ] أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ أَنَّ الْكُلِّيَّاتِ التَّشْرِيعِيَّةَ وَهِيَ حَفِظُ الدِّينِ وَالنَّفْسِ وَالْعَقْلِ وَالنَّسَبِ وَالْمَالِ وَالْعِرْضِ هِيَ مِمَّا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الشَّرَائِعُ ، وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كُنَّا نُسَاعِدُ عَلَيْهِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ عِنْدِي أَنَّ الشَّرَائِعَ كُلَّهَا نَظَرَتْ إِلَى حِفْظِ هَاتِهِ الْأُمُورِ فِي تَشْرِيعَاتِهَا ، وَأَمَّا أَنْ تَكُونَ مُرَاعَاةً بِاطِّرَادٍ فِي غَيْرِ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ فَلَا أَحْسَبُ ذَلِكَ يَتِمُّ ، عَلَى أَنَّ فِي مُرَاعَاتِهَا دَرَجَاتٍ ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى الْبَحْثِ فِي هَذَا بَيْدَ أَنَّ كُتُبَ أَهْلِ الْكِتَابِ لَيْسَ فِيهَا تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَلَا التَّنْزِيهُ عَنْ شُرْبِهَا ، وَفِي التَّوْرَاةِ الَّتِي بِيَدِ
الْيَهُودِ : أَنَّ
نُوحًا شَرِبَ الْخَمْرَ حَتَّى سَكِرَ ، وَأَنَّ
لُوطًا شَرِبَ الْخَمْرَ حَتَّى سَكِرَ سُكْرًا أَفْضَى بِزَعْمِهِمْ إِلَى أَمْرٍ شَنِيعٍ ، وَالْأَخِيرُ مِنَ الْأَكَاذِيبِ; لِأَنَّ النُّبُوَّةَ تَسْتَلْزِمُ الْعِصْمَةَ ، وَالشَّرَائِعُ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ فِي إِبَاحَةِ أَشْيَاءَ فَهُنَالِكَ مَا يَسْتَحِيلُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى نَقْصِهِمْ فِي أَنْظَارِ الْعُقَلَاءِ وَالَّذِي يَجِبُ اعْتِقَادُهُ : أَنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ لَا يَأْتِيهِ الْأَنْبِيَاءُ; لِأَنَّهَا لَا يَشْرَبُهَا شَارِبُوهَا إِلَّا لِلطَّرَبِ وَاللَّهْوِ وَالسُّكْرِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يَتَنَزَّهُ عَنْهُ الْأَنْبِيَاءُ ، وَلَا يَشْرَبُونَهَا لِقَصْدِ التَّقَوِّي لِقِلَّةِ هَذَا الْقَصْدِ مِنْ شُرْبِهَا .
وَفِي سِفْرِ اللَّاوِيِّينَ مِنَ التَّوْرَاةِ : وَكَلَّمَ اللَّهُ
هَارُونَ قَائِلًا : خَمْرًا وَمُسْكِرًا لَا تَشْرَبْ أَنْتَ وَبُنُوكَ مَعَكَ عِنْدَ دُخُولِكُمْ إِلَى خَيْمَةِ الِاجْتِمَاعِ لِكَيْ لَا تَمُوتُوا . فَرْضًا دَهْرِيًّا فِي أَجْيَالِكُمْ . وَلِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُقَدَّسِ وَالْمُحَلَّلِ وَبَيْنَ النَّجِسِ وَالطَّاهِرِ .
وَشُيُوعُ شُرْبِ الْخَمْرِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَعْلُومٌ لِمَنْ عَلِمَ أَدَبَهُمْ وَتَارِيخَهُمْ فَقَدْ كَانَتِ الْخَمْرُ قِوَامَ أَوَدِ حَيَاتِهِمْ ، وَقُصَارَى لَذَّاتِهِمْ وَمَسَرَّةَ زَمَانِهِمْ وَمَلْهَى أَوْقَاتِهِمْ ، قَالَ
طَرَفَةُ :
وَلَوْلَا ثَلَاثٌ هُنَّ مِنْ عِيشَةِ الْفَتَى وَجِدِّكَ لَمْ أَحْفِلْ مَتَى قَامَ عُوَّدِي فَمِنْهُنَّ سَبْقِي الْعَاذِلَاتِ بِشَرْبَةٍ
كُمَيْتٍ مَتَى مَا تُعْلَ بِالْمَاءِ تُزْبِدِ
وَعَنْ
nindex.php?page=showalam&ids=9أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : حُرِّمَتِ الْخَمْرُ وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ لِلْعَرَبِ عَيْشٌ أَعْجَبُ مِنْهَا ، وَمَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الْخَمْرِ . فَلَا جَرَمَ أَنْ جَاءَ الْإِسْلَامُ فِي تَحْرِيمِهَا بِطَرِيقَةِ التَّدْرِيجِ فَأَقَرَّ حِقْبَةً إِبَاحَةَ شُرْبِهَا وَحَسْبُكُمْ فِي هَذَا الِامْتِنَانِ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى
nindex.php?page=tafseer&surano=16&ayano=67وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا عَلَى تَفْسِيرِ مَنْ فَسَّرَ السَّكَرَ بِالْخَمْرِ ، وَقِيلَ السَّكَرُ : هُوَ النَّبِيذُ غَيْرُ الْمُسْكِرِ ، وَالْأَظْهَرُ التَّفْسِيرُ الْأَوَّلُ .
وَآيَةُ سُورَةِ النَّحْلِ نَزَلَتْ
بِمَكَّةَ ، وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْأَثَرِ عَلَى أَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=17196_17195_30739_32208تَحْرِيمَ الْخَمْرِ وَقَعَ فِي الْمَدِينَةِ بَعْدَ غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ بِأَيَّامٍ ، أَيْ فِي آخِرِ سَنَةِ أَرْبَعٍ أَوْ سَنَةِ خَمْسٍ عَلَى الْخِلَافِ فِي عَامِ غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ .
[ ص: 340 ] وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، فَقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ عَلَى النَّاسِ بِأَنِ اتَّخَذُوا سَكَرًا مِنَ الثَّمَرَاتِ الَّتِي خَلَقَهَا لَهُمْ ، ثُمَّ إِنِ اللَّهَ لَمْ يُهْمِلْ رَحْمَتَهُ بِالنَّاسِ حَتَّى فِي حَمْلِهِمْ عَلَى مَصَالِحِهِمْ فَجَاءَهُمْ فِي ذَلِكَ بِالتَّدْرِيجِ ، فَقِيلَ : إِنَّ آيَةَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ هَذِهِ هِيَ أَوَّلُ آيَةٍ آذَنَتْ بِمَا فِي الْخَمْرِ مِنْ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ ، وَأَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا مَا تَقَدَّمَ ، فَيَكُونُ وَصْفُهَا بِمَا فِيهَا مِنَ الْإِثْمِ وَالْمَنْفَعَةِ تَنْبِيهًا لَهُمْ ، إِذْ كَانُوا لَا يَذْكُرُونَ إِلَّا مَحَاسِنَهَا فَيَكُونُ تَهْيِئَةً لَهُمْ إِلَى مَا سَيَرِدُ مِنَ التَّحْرِيمِ ، قَالَ
الْبَغَوِيُّ : إِنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
إِنَّ اللَّهَ تَقَدَّمَ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ أَيِ ابْتَدَأَ يُهَيِّئُ تَحْرِيمَهَا يُقَالُ : تَقَدَّمْتُ إِلَيْكَ فِي كَذَا أَيْ عَرَضْتُ عَلَيْكَ ! ، وَفِي تَفْسِيرِ
ابْنِ كَثِيرٍ : أَنَّهَا مُمَهِّدَةٌ لِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ عَلَى الْبَتَاتِ وَلَمْ تَكُنْ مُصَرِّحَةً بَلْ مُعَرِّضَةٌ أَيْ مُعَرِّضَةٌ بِالْكَفِّ عَنْ شُرْبِهَا تَنَزُّهًا .
وَجُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ : نَزَلَتْ قَبْلَ آيَةِ سُورَةِ النِّسَاءِ وَقَبْلَ آيَةِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ ، وَهَذَا رَأْيُ
nindex.php?page=showalam&ids=2عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَمَا رَوَى
أَبُو دَاوُدَ ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ
nindex.php?page=showalam&ids=11ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَأَى أَنَّ آيَةَ الْمَائِدَةِ نَسَخَتْ
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=43يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى وَنَسَخَتْ آيَةَ
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=219يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ، وَنُسِبَ
nindex.php?page=showalam&ids=12لِابْنِ عُمَرَ nindex.php?page=showalam&ids=14577وَالشَّعْبِيِّ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ nindex.php?page=showalam&ids=14354وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ nindex.php?page=showalam&ids=16327وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ .
وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ آيَةَ الْبَقَرَةِ هَذِهِ ثَبَتَ بِهَا تَحْرِيمُ الْخَمْرِ فَتَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ عِنْدَهُمْ نَازِلَةً بَعْدَ آيَةِ سُورَةِ النِّسَاءِ
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=43يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ، وَإِذْ كَانَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ قَدْ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ النِّسَاءِ وَسُورَةِ الْمَائِدَةِ ، فَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ نُزُولِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَأَنَّهَا وُضِعَتْ هُنَا إِلْحَاقًا بِالْقَضَايَا الَّتِي حَكَى سُؤَالَهُمْ عَنْهَا .
وَأَنَّ مَعْنَى
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=219فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ فِي تَعَاطِيهِمَا بِشُرْبِ أَحَدِهِمَا وَاللَّعِبِ بِالْآخَرِ ذَنْبٌ عَظِيمٌ ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ مِنَ الْآيَةِ ; إِذْ وَصَفَ الْإِثْمَ فِيهَا بِوَصْفٍ كَبِيرٍ فَلَا تَكُونُ آيَةُ سُورَةِ الْعُقُودِ إِلَّا مُؤَكِّدَةً لِلتَّحْرِيمِ وَنَصًّا عَلَيْهِ; لِأَنَّ مَا فِي آيَتِنَا هَذِهِ مِنْ ذِكْرِ الْمَنَافِعِ مَا قَدْ يَتَأَوَّلُهُ الْمُتَأَوِّلُونَ بِالْعُذْرِ مِنْ شُرْبِهَا ، وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ أَنَّ نَاسًا شَرِبُوا الْخَمْرَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ فَصَلَّى رَجُلَانِ فَجَعَلَا يَهْجُرَانِ كَلَامًا لَا يُدْرَى مَا هُوَ ، وَشَرِبَهَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَجَعَلَ يَنُوحُ عَلَى قَتْلَى
بَدْرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَهُ فَزِعًا وَرَفَعَ شَيْئًا كَانَ
[ ص: 341 ] بِيَدِهِ لِيَضْرِبَهُ فَقَالَ الرَّجُلُ : أُعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَآلَى : لَا أَطْعَمُهَا أَبَدًا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَحْرِيمَهَا بِآيَةِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ .
nindex.php?page=treesubj&link=17186وَالْخَمْرُ : اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ مَصْدَرِ خَمَرَ الشَّيْءَ خَمَرَهُ مِنْ بَابِ نَصَرَ إِذَا سَتَرَهُ ، سُمِّيَ بِهِ عَصِيرُ الْعِنَبِ إِذَا غَلَى وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ فَصَارَ مُسْكِرًا; لِأَنَّهُ يَسْتُرُ الْعَقْلَ عَنْ تَصَرُّفِهِ الْخَلْقِيِّ تَسْمِيَةً مَجَازِيَّةً وَهِيَ إِمَّا تَسْمِيَةٌ بِالْمَصْدَرِ ، أَوْ هُوَ اسْمٌ جَاءَ عَلَى زِنَةِ الْمَصْدَرِ : هُوَ اسْمٌ لِكُلِّ مَشْرُوبٍ مُسْكِرٍ سَوَاءٌ كَانَ عَصِيرَ عِنَبٍ أَوْ عَصِيرَ غَيْرِهِ أَوْ مَاءً نُبِذَ فِيهِ زَبِيبٌ أَوْ تَمْرٌ أَوْ غَيْرُهُمَا مِنَ الْأَنْبِذَةِ وَتُرِكَ حَتَّى يَخْتَمِرَ وَيُزْبِدَ ، وَاسْتَظْهَرَهُ صَاحِبُ الْقَامُوسِ . وَالْحَقُّ أَنَّ الْخَمْرَ كُلُّ شَرَابٍ مُسْكِرٍ ، إِلَّا أَنَّهُ غَلَبَ عَلَى عَصِيرِ الْعِنَبِ الْمُسْكِرِ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَنَافَسُونَ فِيهِ ، وَأَنَّ غَيْرَهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ خَمْرٌ وَنَبِيذٌ وَفَضِيخٌ ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَخْبَارٌ صَحِيحَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُعْظَمَ شَرَابِ الْعَرَبِ يَوْمَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ مِنْ فَضِيخِ التَّمْرِ ، وَأَنَّ أَشْرِبَةَ أَهْلِ
الْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ خَمْسَةٌ غَيْرُ عَصِيرِ الْعِنَبِ ، وَهِيَ مِنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْعَسَلِ وَالذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ وَبَعْضُهَا يُسَمَّى الْفَضِيخَ ، وَالنَّقِيعَ ، وَالسُّكُرْكَة ، وَالْبِتْعَ .
وَمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ عَنِ
nindex.php?page=showalam&ids=12ابْنِ عُمَرَ : نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ
وَبِالْمَدِينَةِ خَمْسَةُ أَشْرِبَةٍ مَا فِيهَا شَرَابُ الْعِنَبِ ، مَعْنَاهُ لَيْسَ مَعْدُودًا فِي الْخَمْسَةِ شَرَابُ الْعِنَبِ لِقِلَّةِ وَجُودِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ شَرَابَ الْعِنَبِ لَا يُوجَدُ
بِالْمَدِينَةِ .
وَقَدْ كَانَ شَرَابُ الْعِنَبِ يُجْلَبُ إِلَى
الْحِجَازِ وَنَجْدٍ مِنَ
الْيَمَنِ وَالطَّائِفِ وَالشَّامِ قَالَ
عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ :
وَلَا تُبْقِي خُمُورَ الْأَنْدَرِينَا
وَأَنْدَرِينُ بَلَدٌ مِنْ بِلَادِ
الشَّامِ . وَقَدِ انْبَنَى عَلَى الْخِلَافِ فِي مُسَمَّى الْخَمْرِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ خِلَافٌ فِي الْأَحْكَامِ ، فَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=33499_17241خَمْرَ الْعِنَبِ حَرَامٌ كَثِيرُهَا إِجْمَاعًا وَقَلِيلُهَا عِنْدَ مُعْظَمِ الْعُلَمَاءِ وَيُحَدُّ شَارِبُ الْكَثِيرِ مِنْهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَفِي الْقَلِيلِ خِلَافٌ كَمَا سَيَأْتِي فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَاهَا فَقَالَ الْجُمْهُورُ : كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ وَحُكْمُهُ كَحُكْمِ الْخَمْرِ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَخْذًا بِمُسَمَّى الْخَمْرِ عِنْدَهُمْ ، وَبِالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ الْوَاضِحِ أَنَّ حِكْمَةَ التَّحْرِيمِ هِيَ الْإِسْكَارُ وَهُوَ ثَابِتٌ لِجَمِيعِهَا وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ ، وَقَالَ
أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ nindex.php?page=showalam&ids=16004وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ :
[ ص: 342 ] يُخْتَصُّ شَرَابُ الْعِنَبِ بِتِلْكَ الْأَحْكَامِ أَمَّا مَا عَدَاهُ فَلَا يُحَرَّمُ مِنْهُ إِلَّا الْقَدْرُ الْمُسْكِرُ ، هَكَذَا يَنْقُلُ الْمُخَالِفُونَ عَنْ
أَبِي حَنِيفَةَ ، وَكَانَ الْعُلَمَاءُ فِي الْقَدِيمِ يَنْقُلُونَ ذَلِكَ مُطْلَقًا حَتَّى رُبَّمَا أَوْهَمَ نَقْلُهُمْ أَنَّهُ لَا يَرَى عَلَى مَنْ سَكِرَ بِغَيْرِ الْخَمْرِ شَيْئًا ، وَيَزِيدُ ذَلِكَ إِيهَامًا قَاعِدَةُ أَنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ شَرْعًا لَا يَتَقَيَّدُ بِالسَّلَامَةِ وَرُبَّمَا عَضَّدُوا ذَلِكَ بِمَنْقُولِ قَصَصٍ وَحَوَادِثَ كَقَوْلِ
nindex.php?page=showalam&ids=12185أَبِي نُوَاسٍ :
أَبَاحَ الْعِرَاقِيُّ النَّبِيذَ وَشُرْبَهُ وَقَالَ حَرَامَانِ الْمُدَامَةُ وَالسُّكْرُ
وَلَكِنَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ هُوَ أَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=17184الْأَشْرِبَةَ الْمُسْكِرَةَ قِسْمَانِ ، أَحَدُهُمَا مُحَرَّمٌ شُرْبُهُ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ : الْخَمْرُ وَهُوَ النَّيِّئُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ إِذَا غَلَى وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ ، وَالطِّلَاءُ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَبِالْمَدِّ وَهُوَ عَصِيرُ الْعِنَبِ إِذَا طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيْهِ ثُمَّ تُرِكَ حَتَّى صَارَ مُسْكِرًا ، وَالسَّكَرُ بِفَتْحِ السِّينِ وَالْكَافِ وَهُوَ النَّيِّئُ مِنْ مَاءِ الرُّطَبِ أَيْ مِنَ الْمَاءِ الْحَارِّ الْمَصْبُوبِ عَلَى الرُّطَبِ ثُمَّ يَصِيرُ مُسْكِرًا ، وَالنَّقِيعُ وَهُوَ النَّيِّئُ مِنْ نَبِيذِ الزَّبِيبِ ، وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ حَرَامٌ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا وَنَجِسَةُ الْعَيْنِ لَكِنَّ الْخَمْرَ يُكَفَّرُ مُسْتَحِلُّهَا وَيُحَدُّ شَارِبُ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنْهَا ، وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ الْبَاقِيَةُ فَلَا يُكَفَّرُ مُسْتَحِلُّهَا وَلَا يُحَدُّ شَارِبُهَا إِلَّا إِذَا سَكِرَ . الْقِسْمُ الثَّانِي : الْأَشْرِبَةُ الْحَلَالُ شُرْبُهَا وَهِيَ نَبِيذُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إِذَا طُبِخَ وَلَوْ أَدْنَى طَبْخَةٍ ، وَنَبِيذُ الْخَلِيطَيْنِ مِنْهُمَا إِذَا طُبِخَ أَدْنَى طَبْخَةٍ ، وَنَبِيذُ الْعَسَلِ وَالتِّينِ وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ طُبِخَ أَمْ لَمْ يُطْبَخْ . وَالْمُثَلَّثُ وَهُوَ مَا طُبِخَ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ ، فَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ يَحِلُّ شُرْبُهَا; إِذَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ اللَّهْوُ وَالطَّرَبُ بَلِ التَّقَوِّي عَلَى الْعِبَادَةِ كَذَا أَوْ إِصْلَاحُ هَضْمِ الطَّعَامِ أَوِ التَّدَاوِي وَإِلَّا حُرِّمَتْ وَلَا يُحَدُّ شَارِبُهَا إِلَّا إِذَا سَكِرَ .
وَهَذَا التَّفْصِيلُ دَلِيلُهُ الْقِيَاسُ ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْرِبَةَ لَمْ يَبْقَ فِيهَا الْإِسْكَارُ الْمُعْتَادُ ، وَأَمَّا الْحَدُّ فَلَا وَجْهَ لِلتَّفْصِيلِ فِيهِ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ عَلَى السُّكْرِ فَالْجَمِيعُ سَوَاءٌ فِي الْإِسْكَارِ ، عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ أَلَّا يَكُونَ الْحَدُّ إِلَّا عِنْدَ حُصُولِ السُّكْرِ وَلَيْسَ فِي الْآثَارِ مَا يَشْهَدُ لِغَيْرِ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ الْحَدُّ لِسَدِّ الذَّرِيعَةِ فَلَا أَرَى أَنَّ قَاعِدَةَ سَدِّ الذَّرِيعَةِ تَبْلُغُ إِلَى حَدِّ مُرْتَكِبِ الذَّرِيعَةِ قَبْلَ حُصُولِ الْمُتَذَرَّعِ إِلَيْهِ . وَتَمَسَّكَ الْحَنَفِيَّةُ لِهَذَا التَّفْصِيلِ بِأَنَّ الْأَنْبِذَةَ شَرِبَهَا الصَّحَابَةُ هُوَ تَمَسُّكٌ أَوْهَى مِمَّا قَبْلَهُ ، إِذِ الصَّحَابَةُ يُحَاشُونَ عَنْ شُرْبِ الْمُسْكِرَاتِ وَإِنَّمَا شَرِبُوا الْأَنْبِذَةَ قَبْلَ اخْتِمَارِهَا ، وَاسْمُ النَّبِيذِ يُطْلَقُ عَلَى الْحُلْوِ وَالْمُخْتَمِرِ فَصَارَ اللَّفْظُ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ ، وَقَدْ خَالَفَ
مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِمَامَهُ فِي ذَلِكَ فَوَافَقَ الْجُمْهُورَ .
[ ص: 343 ] وَرُبَّمَا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ الْخَمْرَ حَقِيقَةٌ فِي شَرَابِ الْعِنَبِ النَّيِّئِ ، مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِذَةِ وَالشَّرَابِ الْمَطْبُوخِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْآيَةِ لَفَظُ الْخَمْرِ فَيُحْمَلُ عَلَى حَقِيقَتِهِ ، وَإِلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالْقِيَاسِ ، وَهَذَا بَاطِلٌ ، لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي كَوْنِ الْخَمْرِ حَقِيقَةً فِي شَرَابِ الْعِنَبِ أَوْ فِي الْأَعَمِّ خِلَافٌ فِي التَّسْمِيَةِ اللُّغَوِيَّةِ وَالْإِطْلَاقِ ، فَبِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْهُ كَيْفَ يَظُنُّ الْمُجْتَهِدُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحَرِّمُ خُصُوصَ شَرَابِ الْعِنَبِ وَيَتْرُكُ غَيْرَهُ مِمَّا يُسَاوِيهِ فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي الْأَحْكَامِ ، فَإِنْ قَالُوا : إِنَّ الصِّفَةَ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْقُرْآنِ قَدْ سَوَّيْنَا فِيهَا جَمِيعَ الْأَشْرِبَةِ وَذَلِكَ بِتَحْرِيمِ الْقَدْرِ الْمُسْكِرِ وَبَقِيَتْ لِلْخَمْرِ أَحْكَامٌ ثَبَتَتْ بِالسُّنَّةِ كَتَحْرِيمِ الْقَلِيلِ وَالْحَدِّ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى السُّكْرِ فَتِلْكَ هِيَ مَحَلُّ النَّظَرِ ، قُلْنَا : هَذَا مُصَادَرَةٌ لِأَنَّنَا اسْتَدْلَلْنَا عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ لَا يُظَنُّ بِالشَّارِعِ أَنْ يُفَرِّقَ فِي الْأَحْكَامِ بَيْنَ أَشْيَاءَ مُتَمَاثِلَةٍ فِي الصِّفَاتِ ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ثُبُوتًا لَا يَدَعُ لِلشَّكِّ فِي النُّفُوسِ مَجَالًا أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ
nindex.php?page=hadith&LINKID=10341261إِنَّ الْخَمْرَ مِنَ الْعَصِيرِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ رَوَاهُ
nindex.php?page=showalam&ids=114النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ وَهُوَ فِي سُنَنِ
أَبِي دَاوُدَ وَقَالَ
nindex.php?page=hadith&LINKID=10341262الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ رَوَاهُ
nindex.php?page=showalam&ids=3أَبُو هُرَيْرَةَ وَهُوَ فِي سُنَنِ
أَبِي دَاوُدَ ، وَقَالَ
nindex.php?page=hadith&LINKID=10341263كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ رَوَاهُ
nindex.php?page=showalam&ids=12ابْنُ عُمَرَ فِي سُنَنِ
التِّرْمِذِيِّ ، وَقَالَ
أَنَسٌ : لَقَدْ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ وَمَا نَجِدُ شَرَابَ الْعِنَبِ إِلَّا قَلِيلًا ، وَعَامَّةُ شَرَابِنَا فَضِيخُ التَّمْرِ . كَمَا فِي سُنَنِ
التِّرْمِذِيِّ .
وَأَمَّا
nindex.php?page=treesubj&link=17250_17201التَّوَسُّعُ فِي الْخَمْرِ بَعْدَ الطَّبْخِ ، فَهُوَ تَشْوِيهٌ لِلْفِقْهِ وَلَطْخٌ ، وَمَاذَا يُفِيدُ الطَّبْخُ إِنْ كَانَ الْإِسْكَارُ لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا .
وَصْفُ اللَّهِ الْخَمْرَ بِأَنَّ فِيهَا إِثْمًا كَبِيرًا وَمَنَافِعَ . وَالْإِثْمُ : مَعْصِيَةُ اللَّهِ بِفِعْلِ مَا فِيهِ فَسَادٌ وَلَا يُرْضِي اللَّهَ ، وَأَشَارَ الرَّاغِبُ إِلَى أَنَّ فِي اشْتِقَاقِ الْإِثْمِ مَعْنَى الْإِبْطَاءِ عَنِ الْخَيْرِ ، وَقَالَ
ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ : الْإِثْمُ عِبَارَةٌ عَنِ الذَّمِّ الْوَارِدِ فِي الْفِعْلِ ، فَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْإِثْمَ ضِدُّ الثَّوَابِ ، وَظَاهِرُ اصْطِلَاحِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْإِثْمَ هُوَ الْفِعْلُ الْمَذْمُومُ فِي الشَّرْعِ ، فَهُوَ ضِدُّ الْقُرْبَةِ فَيَكُونُ مَعْنَى
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=219فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ أَنَّهُمَا يَتَسَبَّبُ مِنْهُمَا مَا هُوَ إِثْمٌ فِي حَالِ الْعَرْبَدَةِ وَحَالِ الرِّبْحِ وَالْخَسَارَةِ مِنَ التَّشَاجُرِ .
وَإِطْلَاقُ الْكَبِيرِ عَلَى الْإِثْمِ مَجَازٌ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْأَجْسَامِ ، فَالْمُرَادُ مِنَ الْكَبِيرِ : الشَّدِيدُ فِي نَوْعِهِ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا .
وَجِيءَ بِفِي الدَّالَّةِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ لِإِفَادَةِ شِدَّةِ تَعَلُّقِ الْإِثْمِ وَالْمَنْفَعَةِ بِهِمَا; لِأَنَّ الظَّرْفِيَّةَ
[ ص: 344 ] أَشَدُّ أَنْوَاعِ التَّعَلُّقِ ، وَهِيَ هُنَا ظَرْفِيَّةٌ مَجَازِيَّةٌ شَائِعَةٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَجُعِلَتِ الظَّرْفِيَّةُ مُتَعَلِّقَةً بِذَاتِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ لِلْمُبَالَغَةِ ، وَالْمُرَادُ فِي اسْتِعْمَالِهِمَا الْمُعْتَادِ .
وَاخْتِيرَ التَّعْبِيرُ بِالْإِثْمِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ يَعُودُ عَلَى مُتَعَاطِي شُرْبِهَا بِالْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=219إِثْمٌ كَبِيرٌ بِمُوَحَّدَةٍ بَعْدَ الْكَافِ وَقَرَأَهُ
حَمْزَةُ nindex.php?page=showalam&ids=15080وَالْكِسَائِيُّ ( كَثِيرٌ ) بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَهُوَ مَجَازٌ اسْتُعِيرَ وَصْفُ الْكَثِيرِ لِلشَّدِيدِ تَشْبِيهًا لِقُوَّةِ الْكَيْفِيَّةِ بِوَفْرَةِ الْعَدَدِ .
وَالْمَنَافِعُ : جُمَعُ مَنْفَعَةٍ ، وَهِيَ اسْمٌ عَلَى وَزْنِ مَفْعَلَةٍ وَأَصْلُهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِيمِيًّا قُصِدَ مِنْهُ قُوَّةُ النَّفْعِ ، لِأَنَّ الْمَصْدَرَ الْمِيمِيَّ أَبْلَغُ مِنْ جِهَةِ زِيَادَةِ الْمَبْنِي .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْمَ مَكَانٍ دَالًّا عَلَى كَثْرَةِ مَا فِيهِ كَقَوْلِهِمْ : مَسْبَعَةٌ وَمَقْبَرَةٌ أَيْ يَكْثُرُ فِيهِمَا النَّفْعُ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِمْ مَصْلَحَةٌ وَمَفْسَدَةٌ ، فَالْمَنْفَعَةُ عَلَى كُلِّ حَالٍ أَبْلَغُ مِنَ النَّفْعِ .
nindex.php?page=treesubj&link=17195_17196وَالْإِثْمُ الَّذِي فِي الْخَمْرِ نَشَأَ عَمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى شُرْبِهَا تَارَةً مِنَ الْإِفْرَاطِ فِيهِ وَالْعَرْبَدَةِ مِنْ تَشَاجُرٍ يَجُرُّ إِلَى الْبَغْضَاءِ وَالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ، وَفِيهَا ذَهَابُ الْعَقْلِ وَالتَّعَرُّضُ لِلسُّخْرِيَةِ ، وَفِيهَا ذَهَابُ الْمَالِ فِي شُرْبِهَا ، وَفِي الْإِنْفَاقِ عَلَى النَّدَامَى حَتَّى كَانُوا رُبَّمَا رَهَنُوا ثِيَابَهُمْ عِنْدَ الْخَمَّارِينَ قَالَ
عُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ :
وَلَسْنَا بِشَرْبٍ أُمَّ عَمْرٍو إِذَا انْتَشَوْا ثِيَابُ النَّدَامَى عِنْدَهُمْ كَالْمَغَانِمِ
وَلَكِنَّنَا يَا أُمَّ عَمْرٍو نَدِيمُنَا بِمَنْزِلَةِ الرَّيَّانِ لَيْسَ بِعَائِمِ
وَقَالَ
عَنْتَرَةُ :
وَإِذَا سَكِرْتُ فَإِنَّنِي مُسْتَهْلِكٌ مَالِي ، وَعِرْضِي وَافِرٌ لَمْ يُكْلَمِ
وَكَانُوا يَشْتَرُونَ الْخَمْرَ بِأَثْمَانٍ غَالِيَةٍ وَيَعُدُّونَ الْمُمَاكَسَةَ فِي ثَمَنِهَا عَيْبًا ، قَالَ
لَبِيدٌ : أُغْلِي السِّبَاءَ بِكُلِّ أَدْكَنَ عَاتِقٍ أَوْ جَوْنَةٍ قُدِحَتْ وَفُضَّ خِتَامُهَا
وَمِنْ آثَامِهَا
nindex.php?page=treesubj&link=17195_17196مَا قَرَّرَهُ الْأَطِبَّاءُ الْمُتَأَخِّرُونَ أَنَّهَا تُورِثُ الْمُدْمِنِينَ عَلَيْهَا أَضْرَارًا فِي الْكَبِدِ وَالرِّئَتَيْنِ وَالْقَلْبِ وَضَعْفًا فِي النَّسْلِ ، وَقَدِ انْفَرَدَ الْإِسْلَامُ عَنْ جَمِيعِ الشَّرَائِعِ بِتَحْرِيمِهَا ، وَلِأَجْلِ مَا فِيهَا مِنَ الْمَضَارِّ فِي الْمُرُوءَةِ حَرَّمَهَا بَعْضُ الْعَرَبِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَمِمَّنْ حَرَّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ
قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيُّ بِسَبَبِ أَنَّهُ شَرِبَ يَوْمًا حَتَّى سَكِرَ فَجَذَبَ ابْنَتَهُ وَتَنَاوَلَ ثَوْبَهَا ، وَرَأَى الْقَمَرَ فَتَكَلَّمَ كَلَامًا ، فَلَمَّا أُخْبِرَ بِذَلِكَ حِينَ صَحَا آلَى لَا يَذُوقُ خَمْرًا مَا عَاشَ وَقَالَ :
[ ص: 345 ] رَأَيْتُ الْخَمْرَ صَالِحَةً وَفِيهَا خِصَالٌ تُفْسِدُ الرَّجُلَ الْحَلِيمَا
فَلَا وَاللَّهِ أَشْرَبُهَا صَحِيحًا وَلَا أُشْفَى بِهَا أَبَدًا سَقِيمًا
وَلَا أُعْطِي بِهَا ثَمَنًا حَيَاتِي وَلَا أَدْعُو لَهَا أَبَدًا نَدِيمًا
فَإِنَّ الْخَمْرَ تَفْضَحُ شَارِبِيهَا وَتُجْنِيهِمْ بِهَا الْأَمْرَ الْعَظِيمَا
وَفِي أَمَالِي الْقَالِي نِسْبَةُ الْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ
nindex.php?page=showalam&ids=90لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَمِنْهُمْ
عَامِرُ بْنُ الظَّرِبِ الْعُدْوَانِيُّ ، وَمِنْهُمْ
عَفِيفُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيُّ عَمُّ
nindex.php?page=showalam&ids=185الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ ،
وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ الْكِنَانِيُّ ،
وَأَسْلُومُ الْبَالِي ،
وَسُوَيْدُ بْنُ عَدِيٍّ الطَّائِيُّ ، وَأَدْرَكَ الْإِسْلَامَ
وَأَسَدُ بْنُ كُرَزٍ الْقَسْرِيُّ الْبَجَلِيُّ الَّذِي كَانَ يُلَقَّبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِرَبِّ بَجِيلَةَ ،
nindex.php?page=showalam&ids=7وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ،
nindex.php?page=showalam&ids=1وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ،
وَعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ ،
nindex.php?page=showalam&ids=5559وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ ،
nindex.php?page=showalam&ids=12467وَأُمِّيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ ،
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ .
وَأَمَّا الْمَنَافِعُ فَمِنْهَا مَنَافِعُ بَدَنِيَّةٌ وَهِيَ مَا تُكْسِبُهُ مِنْ قُوَّةِ بَدَنِ الضَّعِيفِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَمَا فِيهَا مِنْ مَنَافِعِ التِّجَارَةِ فَقَدْ كَانَتْ تِجَارَةُ
الطَّائِفِ وَالْيَمَنِ مِنَ الْخَمْرِ ، وَفِيهَا مَنَافِعُ مِنَ اللَّذَّةِ وَالطَّرَبِ ، قَالَ
طَرَفَةُ :
وَلَوْلَا ثَلَاثٌ هُنَّ مِنْ عِيشَةِ الْفَتَى وَجِدِّكَ لَمْ أَحْفِلْ مَتَى قَامَ عُوَّدِي
فَمِنْهُنَّ سَبْقِي الْعَاذِلَاتِ بِشَرْبَةٍ كُمَيْتٍ مَتَى مَا تُعْلَ بِالْمَاءِ تُزْبَدِ
وَذَهَبَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا إِلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ مَالِيَّةٌ فَقَطْ فِرَارًا مِنَ الِاعْتِرَافِ بِمَنَافِعَ بَدَنِيَّةٍ لِلْخَمْرِ وَهُوَ جُحُودٌ لِلْمَوْجُودِ وَمِنَ الْعَجِيبِ أَنَّ بَعْضَهُمْ زَعَمَ أَنَّ فِي الْخَمْرِ مَنَافِعَ بَدَنِيَّةً وَلَكِنَّهَا بِالتَّحْرِيمِ زَالَتْ .
وَذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْمَيْسِرُ عَطْفًا عَلَى الْخَمْرِ وَمُخْبِرًا عَنْهُمَا بِأَخْبَارٍ مُتَّحِدَةٍ فَمَا قِيلَ فِي مُقْتَضَى هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ أَوْ مِنَ التَّنْزِيهِ عَنْ شُرْبِهَا يُقَالُ مِثْلُهُ فِي الْمَيْسِرِ ، وَقَدْ بَانَ أَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=27974الْمَيْسِرَ قَرِينُ الْخَمْرِ فِي التَّمَكُّنِ مِنْ نُفُوسِ الْعَرَبِ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ أَكْبَرُ لَهْوٍ يَلْهُونَ بِهِ ، وَكَثِيرًا مَا يَأْتُونَهُ وَقْتَ الشَّرَابِ إِذَا أَعْوَزَهُمُ اللَّحْمُ لِلشِّوَاءِ عِنْدَ شُرْبِ الْخَمْرِ ، فَهُمْ يَتَوَسَّلُونَ لِنَحْرِ الْجَزُورِ سَاعَتَئِذٍ بِوَسَائِلَ قَدْ تَبْلُغُ بِهِمْ إِلَى الِاعْتِدَاءِ عَلَى جُزُرِ النَّاسِ بِالنَّحْرِ كَمَا فِي قِصَّةِ
حَمْزَةَ ، إِذْ نَحَرَ شَارِفًا
nindex.php?page=showalam&ids=8لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حِينَ كَانَ
حَمْزَةُ مَعَ شَرْبٍ فَغَنَّتْهُ قَيْنَتُهُ مُغْرِيَةً إِيَّاهُ بِهَذَا الشَّارِفِ :
أَلَا يَا حَمَزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ وَهُنَّ مُعَقَّلَاتٌ بِالْفِنَاءِ
فَقَامَ إِلَيْهَا فَشَقَّ بَطْنَهَا وَأَخْرَجَ الْكَبِدَ فَشَوَاهُ فِي قِصَّةٍ شَهِيرَةٍ ، وَقَالَ
طَرَفَةُ يَذْكُرُ
[ ص: 346 ] اعْتِدَاءَهُ عَلَى نَاقَةٍ مِنْ إِبِلِ أَبِيهِ فِي حَالِ سُكْرِهِ :
فَمَرَّتْ كَهَاةٌ ذَاتُ خَيْفٍ جُلَالَةٌ عَقِيلَةُ شَيْخٍ كَالْوَبِيلِ يَلَنْدَدِ
يَقُولُ وَقَدْ تَرَ الْوَظِيفَ وَسَاقَهَا أَلَسْتَ تَرَى أَنْ قَدْ أَتَيْتَ بِمُؤْيِدِ
وَقَالَ أَلَا مَاذَا تَرَوْنَ بِشَارِبٍ شَدِيدٍ عَلَيْنَا بَغْيُهُ مُتَعَمِّدِ
فَلَا جَرَمَ أَنْ كَانَ الْمَيْسِرُ أَيْسَرَ عَلَيْهِمْ لِاقْتِنَاءِ اللَّحْمِ لِلشُّرْبِ وَلِذَلِكَ كَثُرَ فِي كَلَامِهِمْ قَرْنُهُ بِالشُّرْبِ ، وَقَالَ
سَبْرَةُ بْنُ عَمْرٍو الْفَقْعَسِيُّ يَذْكُرُ الْإِبِلَ :
نُحَابِي بِهَا أَكْفَاءَنَا وَنُهِينُهَا وَنَشْرَبُ فِي أَثْمَانِهَا وَنُقَامِرُ
وَذَكَرَ
لَبِيدٌ الْخَمْرَ ثُمَّ ذَكَرَ الْمَيْسِرَ فِي مُعَلَّقَتِهِ فَقَالَ :
أُغْلِي السِّبَاءَ بِكُلِّ أَدْكَنَ عَاتِقِ أَوْ جَوْنَةٍ قُدِحَتْ وَفُضَّ خِتَامُهَا
ثُمَّ قَالَ :
وَجَزُورِ أَيْسَارٍ دَعَوْتُ لِحَتْفِهَا بِمَغَالِقٍ مُتَشَابِهٍ أَجْسَامُهَا
وَذَكَرَهُمَا
عَنْتَرَةُ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ فَقَالَ يَذْكُرُ مَحَاسِنَ قِرْنِهِ الَّذِي صَرَعَهُ فِي الْحَرْبِ :
رَبِذٍ يَدَاهُ بِالْقِدَاحِ إِذَا شَتَا هَتَّاكِ غَايَاتِ التِّجَارِ مُلَوَّمِ
فَلِأَجْلِ هَذَا قُرِنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ذِكْرُ الْخَمْرِ بِذِكْرِ الْمَيْسِرِ ، وَلِأَجْلِهِ اقْتَرَنَا فِي سُؤَالِ السَّائِلِينَ عَنْهُمَا إِنْ كَانَ ثَمَّةَ سُؤَالٌ .
وَالْمَيْسِرُ : اسْمُ جِنْسٍ عَلَى وَزْنِ مَفْعِلٍ مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَيْسِرِ . وَهُوَ ضِدُّ الْعُسْرِ وَالشِّدَّةِ ، أَوْ مِنَ الْيَسَارِ وَهُوَ ضِدُّ الْإِعْسَارِ ، كَأَنَّهُمْ صَاغُوهُ عَلَى هَذَا الْوَزْنِ مُرَاعَاةً لِزِنَةِ اسْمِ الْمَكَانِ مِنْ يَسَرَ يَيْسِرُ وَهُوَ مَكَانٌ مَجَازِيٌّ جَعَلُوا ذَلِكَ التَّقَامُرَ بِمَنْزِلَةِ الظَّرْفِ الَّذِي فِيهِ الْيَسَارُ أَوِ الْيُسْرُ ، لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى رَفَاهَةِ الْعَيْشِ وَإِزَالَةِ صُعُوبَةِ زَمَنِ الْمَحَلِّ وَكَلَبِ الشِّتَاءِ ، وَقَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ : هُوَ مَصْدَرٌ كَالْمَوْعِدِ ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَصْدَرًا لَكَانَ مَفْتُوحَ السِّينِ; إِذِ الْمَصْدَرُ الَّذِي عَلَى وَزْنِ الْمَفْعَلِ لَا يَكُونُ إِلَّا مَفْتُوحَ الْعَيْنِ مَا عَدَا مَا شَذَّ ، وَلَمْ يَذْكُرُوا الْمَيْسِرَ فِي الشَّاذِّ ، إِلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْعَرَبَ وَضَعُوا هَذَا الِاسْمَ عَلَى وَزْنِ الْمَصْدَرِ الشَّاذِّ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ الْآنَ لَيْسَ بِمَصْدَرٍ .
وَالْمَيْسِرُ : قِمَارٌ كَانَ لِلْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَهُوَ مِنِ الْقِمَارِ الْقَدِيمِ الْمُتَوَغِّلِ فِي الْقِدَمِ كَانَ
لِعَادٍ مِنْ قَبْلُ ، وَأَوَّلُ مَنْ وَرَدَ ذِكْرُ لَعِبِ الْمَيْسِرِ عَنْهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ
لُقْمَانُ بْنُ عَادٍ وَيُقَالُ
[ ص: 347 ] لُقْمَانُ الْعَادِيُّ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وَلَدُ
عَادِ بْنِ عَوْصِ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامَ ، وَهُوَ غَيْرُ
لُقْمَانَ الْحَكِيمِ ، وَالْعَرَبُ تَزْعُمُ أَنَّ
لُقْمَانَ كَانَ أَكْثَرَ النَّاسِ لَعِبًا بِالْمَيْسِرِ حَتَّى قَالُوا فِي الْمَثَلِ : أَيْسَرُ مِنْ
لُقْمَانَ وَزَعَمُوا أَنَّهُ كَانَ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَيْسَارٍ لَا يُفَارِقُونَهُ هُمْ مِنْ سَادَةِ عَادٍ وَأَشْرَافِهِمْ ، وَلِذَلِكَ يُشَبِّهُونَ أَهْلَ الْمَيْسِرِ إِذَا كَانُوا مِنْ أَشْرَافِ الْقَوْمِ بِأَيْسَارِ
لُقْمَانَ قَالَ
طَرَفَةُ بْنُ الْعَبْدِ :
وَهُمْ أَيْسَارُ لُقْمَانَ إِذَا أَغْلَتِ الشَّتْوَةُ أَبْدَاءَ الْجُزُرْ
أَرَادَ التَّشْبِيهَ الْبَلِيغَ .
nindex.php?page=treesubj&link=27973وَصِفَةُ الْمَيْسِرِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْعَلُونَ عَشْرَةَ قِدَاحٍ جَمْعُ قِدْحٍ بِكَسْرِ الْقَافِ وَهُوَ السَّهْمُ الَّذِي هُوَ أَصْغَرُ مِنَ النِّبْلِ وَمِنَ السَّهْمِ فَهُوَ سَهْمٌ صَغِيرٌ مِثْلُ السِّهَامِ الَّتِي تَلْعَبُ بِهَا الصِّبْيَانُ وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ سِنَانٌ وَكَانُوا يُسَمُّونَهَا الْحِظَاءُ جَمْعُ حُظْوَةٍ وَهِيَ السَّهْمُ الصَّغِيرُ وَكُلُّهَا مِنْ قَصَبِ النَّبْعِ ، وَهَذِهِ الْقِدَاحُ هِيَ : الْفَذُّ ، وَالتَّوْأَمُ ، وَالرَّقِيبُ ، وَالْحِلْسُ ، وَالنَّافِسُ ، وَالْمُسْبِلُ ، وَالْمُعَلَّى ، وَالسَّفِيحُ ، وَالْمَنِيحُ ، وَالْوَغْدُ ، وَقِيلَ النَّافِسُ ، وَهُوَ الرَّابِعُ وَالْحِلْسُ خَامِسٌ ، فَالسَّبْعَةُ الْأُوَلُ لَهَا حُظُوظٌ مِنْ وَاحِدٍ إِلَى سَبْعَةٍ عَلَى تَرْتِيبِهَا ، وَالثَّلَاثَةُ الْأَخِيرَةُ لَا حُظُوظَ لَهَا وَتُسَمَّى أَغْفَالًا جَمْعُ غُفْلٍ بِضَمِّ الْغَيْنِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَهُوَ الَّذِي أُغْفِلَ مِنَ الْعَلَامَةِ ، وَهَذِهِ الْعَلَامَاتُ خُطُوطٌ وَاحِدٌ إِلَى سَبْعَةٍ كَأَرْقَامِ الْحِسَابِ الرُّومَانِيِّ إِلَى الْأَرْبَعَةِ ، وَقَدْ خَطُّوا الْعَلَامَاتِ عَلَى الْقِدَاحِ ذَاتِ الْعَلَامَاتِ بِالشَّلْطِ فِي الْقَصَبَةِ أَوْ بِالْحَرْقِ بِالنَّارِ فَتُسَمَّى الْعَلَامَةُ حِينَئِذٍ قَرْمَةً ، وَهَذِهِ الْعَلَامَاتُ تُوضَعُ فِي أَسَافِلِ الْقِدَاحِ .
فَإِذَا أَرَادُوا التَّقَامُرَ اشْتَرَوْا جَزُورًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ إِلَى مَا بَعْدَ التَّقَامُرِ وَقَسَّمُوهُ أَبِدَاءً أَيْ أَجْزَاءً إِلَى ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا أَوْ إِلَى عَشَرَةِ أَجْزَاءٍ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَ
nindex.php?page=showalam&ids=13721الْأَصْمَعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدَةَ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ لِلْعَرَبِ فِي ذَلِكَ طَرِيقَتَيْنِ فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ
nindex.php?page=showalam&ids=13721الْأَصْمَعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ ، ثُمَّ يَضَعُونَ تِلْكَ الْقِدَاحَ فِي خَرِيطَةٍ مِنْ جِلْدٍ تُسَمَّى الرِّبَابَةَ بِكَسْرِ الرَّاءِ هِيَ مِثْلُ كِنَانَةِ النِّبَالِ وَهِيَ وَاسِعَةٌ لَهَا مَخْرَجٌ ضَيِّقٌ يَضِيقُ عَنْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ قِدْحَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ ، وَوَكَّلُوا بِهَذِهِ الرِّبَابَةِ رَجُلًا يُدْعَى عِنْدَهُمُ الْحُرْضَةَ وَالضَّرِيبَ وَالْمُجِيلَ ، وَكَانُوا يُغَشُّونَ عَيْنَيْهِ بِمَغْمَضَةٍ ، وَيَجْعَلُونَ عَلَى يَدَيْهِ خِرْقَةً بَيْضَاءَ يُسَمُّونَهَا الْمِجْوَلَ يَعْصِبُونَهَا عَلَى يَدَيْهِ أَوْ جِلْدَةً رَقِيقَةً يُسَمُّونَهَا السُّلْفَةَ بِضَمِّ السِّينِ وَسُكُونِ اللَّامِ ، وَيَلْتَحِفُ هَذَا الْحُرْضَةُ بِثَوْبٍ يُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنْهُ ثُمَّ يَجْثُو عَلَى رُكْبَتَيْهِ
[ ص: 348 ] وَيَضَعُ الرِّبَابَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَيَقُومُ وَرَاءَهُ رَجُلٌ يُسَمَّى الرَّقِيبَ أَوِ الْوَكِيلَ هُوَ الْأَمِينُ عَلَى الْحُرْضَةِ وَعَلَى الْأَيْسَارِ كَيْ لَا يَحْتَالَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَهُوَ الَّذِي يَأْمُرُ الْحُرْضَةَ بِابْتِدَاءِ الْمَيْسِرِ ، يَجْلِسُونَ وَالْأَيْسَارُ حَوْلَ الْحُرْضَةِ جِثِيًّا عَلَى رُكَبِهِمْ ، قَالَ
دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ :
دَفَعْتُ إِلَى الْمُجِيلِ وَقَدْ تَجَاثَوْا عَلَى الرُّكْبَاتِ مَطْلَعَ كُلِّ شَمْسِ
ثُمَّ يَقُولُ الرَّقِيبُ لِلْحُرْضَةِ : جَلْجِلِ الْقِدَاحَ أَيْ حَرِّكْهَا فَيُخَضْخِضُهَا فِي الرِّبَابَةِ كَيْ تَخْتَلِطَ ثُمَّ يُفِيضُهَا أَيْ يَدْفَعُهَا إِلَى جِهَةِ مَخْرَجِ الْقِدَاحِ مِنَ الرِّبَابَةِ دَفْعَةً وَاحِدَةً عَلَى اسْمٍ وَاحِدٍ مِنَ الْأَيْسَارِ فَيَخْرُجُ قِدْحٌ فَيَتَقَدَّمُ الْوَكِيلُ فَيَأْخُذُهُ وَيَنْظُرُهُ فَإِنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَنْصِبَاءِ دَفَعَهُ إِلَى صَاحِبِهِ وَقَالَ لَهُ قُمْ فَاعْتَزِلْ فَيَقُومُ وَيَعْتَزِلُ إِلَى جِهَةٍ ثُمَّ تُعَادُ الْجَلْجَلَةُ ، وَقَدِ اغْتَفَرُوا إِذَا خَرَجَ أَوَّلُ الْقِدَاحِ غُفْلًا أَلَّا يُحْسَبَ فِي غُرْمٍ وَلَا فِي غُنْمٍ بَلْ يُرَدُّ إِلَى الرِّبَابَةِ وَتُعَادُ الْإِحَالَةُ وَهَكَذَا وَمَنْ خَرَجَتْ لَهُمُ الْقِدَاحُ الْأَغْفَالُ يَدْفَعُونَ ثَمَنَ الْجَزُورَ .
فَأَمَّا عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي وَصَفَ
nindex.php?page=showalam&ids=13721الْأَصْمَعِيُّ أَنَّ الْجَزُورَ يُقَسَّمُ إِلَى ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا فَظَاهِرٌ أَنَّ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْقِدْحِ الْقَامِرَةِ شَيْئًا مِنْ أَبْدَاءِ الْجَزُورِ لِأَنَّ مَجْمُوعَ مَا عَلَى الْقِدَاحِ الرَّابِحَةِ مِنَ الْعَلَامَاتِ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ ، وَعَلَى أَهْلِ الْقَدَّاحِ غُرْمُ ثَمَنِهِ .
وَأَمَّا عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي وَصَفَ
أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّ الْجَزُورَ يُقَسَّمُ إِلَى عَشَرَةِ أَبْدَاءٍ فَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ لَيْسَ كُلُّ الْمُتَقَامِرِينَ بِرَابِحٍ ، لِأَنَّ الرِّبْحَ يَكُونُ بِمِقْدَارِ عَشَرَةِ سِهَامٍ مِمَّا رُقِّمَتْ بِهِ الْقِدَاحُ وَحِينَئِذٍ إِذَا نَفِدَتِ الْأَجْزَاءُ انْقَطَعَتِ الْإِفَاضَةُ وَغَرِمَ أَهْلُ السِّهَامِ الْأَغْفَالِ ثَمَنَ الْجَزُورِ وَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ خَرَجَتْ لَهُ سِهَامٌ ذَاتُ حُظُوظٍ بَعْدَ الَّذِينَ اسْتَوْفَوْا أَبْدَاءَ الْجَزُورِ شَيْءٌ إِذْ لَيْسَ فِي الْمَيْسِرِ أَكْثَرُ مِنْ جَزُورٍ وَاحِدٍ قَالَ
لَبِيدٌ :
وَجَزُورِ أَيْسَارٍ دَعَوْتُ لِحَتْفِهَا
الْبَيْتَ ، وَإِذْ لَا غُنْمَ فِي الْمَيْسِرِ إِلَّا مِنَ اللَّحْمِ لَا مِنَ الدَّرَاهِمِ أَوْ غَيْرِهَا ، وَلَعَلَّ كُلًّا مِنْ وَصْفَيِ
nindex.php?page=showalam&ids=13721الْأَصْمَعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدَةَ كَانَ طَرِيقَةً لِلْعَرَبِ فِي الْمَيْسِرِ بِحَسَبِ مَا يَصْطَلِحُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَيْسِرِ ، وَإِذَا لَمْ يُجْمَعِ الْعَدَدُ الْكَافِي مِنَ الْمُتَيَاسِرِينَ أَخَذَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ سَهْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَكَثُرَ بِذَلِكَ رِبْحُهُ أَوْ غُرْمُهُ وَإِنَّمَا يَفْعَلُ هَذَا أَهْلُ الْكَرَمِ وَالْيَسَارِ لِأَنَّهُ مُعَرَّضٌ لِخَسَارَةٍ عَظِيمَةٍ ، إِذَا لَمْ يَفُزْ قِدْحُهُ ، وَيُقَالُ فِي هَذَا الَّذِي يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْ سَهْمٍ مُتَمِّمُ الْأَيْسَارِ قَالَ
النَّابِغَةُ :
إِنِّي أُتَمِّمُ أَيَسَارِي وَأَمْنَحُهُمْ مَثْنَى الْأَيَادِي وَأَكْسُو الْجَفْنَةَ الْأَدُمَا
[ ص: 349 ] وَيُسَمُّونَ هَذَا الْإِتْمَامَ بِمَثْنَى الْأَيَادِي كَمَا قَالَ
النَّابِغَةُ ، لِأَنَّهُ يَقْصِدُ مِنْهُ تَكْرِيرَ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الرِّبْحِ فَالْأَيَادِي بِمَعْنَى النِّعَمِ ، وَكَانُوا يُعْطُونَ أَجْرَ الرَّقِيبِ وَالْحُرْضَةِ وَالْجَزَّارِ مِنْ لَحْمِ الْجَزُورِ فَأَمَّا أَجْرُ الرَّقِيبِ فَيُعْطَاهُ مِنْ أَوَّلِ الْقِسْمَةِ وَأَفْضَلِ اللَّحْمِ وَيُسَمُّونَهُ بَدْءًا ، وَأَمَّا الْحُرْضَةُ فَيُعْطَى لَحْمًا دُونَ ذَلِكَ وَأَمَّا الْجَزَّارُ فَيُعْطَى مِمَّا يَبْقَى بَعْدَ الْقَسْمِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ نِصْفِ عَظْمٍ وَيُسَمُّونَهُ الرِّيمَ .
وَمَنْ يَحْضُرُ الْمَيْسِرَ مِنْ غَيْرِ الْمُتَيَاسِرِينَ يُسَمَّوْنَ الْأَعْرَانَ جَمْعَ عَرِنٍ بِوَزْنِ كَتِفٍ وَهُمْ يَحْضُرُونَ طَمَعًا فِي اللَّحْمِ ، وَالَّذِي لَا يُحِبُّ الْمَيْسِرَ وَلَا يَحْضُرُهُ لِفَقْرِهِ سُمِّيَ الْبَرِمَ بِالتَّحْرِيكِ .
وَأَصْلُ الْمَقْصِدِ مِنَ الْمَيْسِرِ هُوَ الْمَقْصِدُ مِنِ الْقِمَارِ كُلِّهِ وَهُوَ الرِّبْحُ وَاللَّهْوُ يَدُلُّ لِذَلِكَ تَمَدُّحُهُمْ وَتُفَاخُرُهُمْ بِإِعْطَاءِ رِبْحِ الْمَيْسِرِ لِلْفُقَرَاءِ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ هَذَا الْإِعْطَاءُ مُطَّرِدًا لِكُلِّ مَنْ يَلْعَبُ الْمَيْسِرَ لَمَا كَانَ تَمَدُّحٌ بِهِ قَالَ
الْأَعْشَى :
الْمُطْعِمُو الضَّيْفِ إِذَا مَا شَتَوْا وَالْجَاعِلُو الْقُوتَ عَلَى الْيَاسِرِ
ثُمَّ إِنَّ كِرَامَهُمْ أَرَادُوا أَنْ يُظْهِرُوا التَّرَفُّعَ عَنِ الطَّمَعِ فِي مَالِ الْقِمَارِ فَصَارُوا يَجْعَلُونَ الرِّبْحَ لِلْفُقَرَاءِ وَالْيَتَامَى وَمَنْ يُلِمُّ بِسَاحَتِهِمْ مِنْ أَضْيَافِهِمْ وَجِيرَتِهِمْ ، قَالَ
لَبِيدٌ :
أَدْعُو بِهِنَّ لِعَاقِرٍ أَوْ مُطْفِلٍ بُذِلَتْ لِجِيرَانِ الْجَمِيعِ لِحَامُهَا
فَالضَّيْفُ وَالْجَارُ الْجَنِيبُ كَأَنَّمَا هَبَطَا تَبَالَةَ مُخْصِبًا أَهْضَامُهَا
فَصَارَ الْمَيْسِرُ عِنْدَهُمْ مِنْ شِعَارِ أَهْلِ الْجُودِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَبْيَاتِ
لَبِيدٍ ، وَقَالَ
عَنْتَرَةُ كَمَا تَقَدَّمَ :
رَبِذٍ يَدَاهُ بِالْقِدَاحِ إِذَا شَتَا هَتَّاكِ غَايَاتِ التِّجَارِ مُلَوِّحِ
أَيْ خَفِيفِ الْيَدِ فِي الْمَيْسِرِ لِكَثْرَةِ مَا لَعِبَ الْمَيْسِرَ فِي الشِّتَاءِ لِنَفْعِ الْفُقَرَاءِ ، وَقَالَ
عُمَيْرُ بْنُ الْجَعْدِ :
يَسِرٍ إِذَا كَانَ الشِّتَاءُ وَمُطْعِمٍ لِلَّحْمِ غَيْرِ كُبُنَّةٍ عُلْفُوفِ
الْكُبُنَّةُ بِضَمَّتَيْنِ الْمُنْقَبِضُ الْقَلِيلُ الْمَعْرُوفِ وَالْعُلْفُوفُ كَعُصْفُورٍ الْجَافِي .
فَالْمَنَافِعُ فِي الْمَيْسِرِ خَاصَّةٌ وَعَامَّةٌ وَهِيَ دُنْيَوِيَّةٌ كُلُّهَا ، وَالْإِثْمُ الَّذِي فِيهِ هُوَ مَا يُوقِعُهُ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ وَمِنْ إِضَاعَةِ الْوَقْتِ وَالِاعْتِيَادِ بِالْكَسَلِ وَالْبِطَالَةِ وَاللَّهْوِ وَالصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ وَعَنِ التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ وَعَنِ التِّجَارَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا بِهِ قِوَامُ الْمَدَنِيَّةِ وَتِلْكَ آثَامٌ لَهَا آثَارُهَا الضَّارَّةُ فِي الْآخِرَةِ ، وَلِهَذِهِ الِاعْتِبَارَاتِ أَلْحَقَ الْفُقَهَاءُ بِالْمَيْسِرِ كُلَّ لَعِبٍ فِيهِ قِمَارٌ كَالنَّرْدِ ، وَعَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
nindex.php?page=hadith&LINKID=10341264إِيَّاكُمْ وَهَاتَيْنِ الْكَعْبَتَيْنِ فَإِنَّهُمَا مِنْ مَيْسِرِ الْعَجَمِ يُرِيدُ
[ ص: 350 ] النَّرْدَ ، وَعَنْ
عَلِيٍّ :
nindex.php?page=treesubj&link=27239_27238النَّرْدُ وَالشَّطْرَنْجُ مِنَ الْمَيْسِرِ ، وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ
وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ
nindex.php?page=showalam&ids=13790الشَّافِعِيُّ : إِذَا خَلَا الشَّطْرَنْجُ مِنَ الرِّهَانِ وَاللِّسَانِ عَنِ الطُّغْيَانِ وَالصَّلَاةِ عَنِ النِّسْيَانِ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا وَهُوَ خَارِجٌ عَنِ الْمَيْسِرِ لِأَنَّ الْمَيْسِرَ مَا يُوجِبُ دَفْعَ الْمَالِ وَأَخْذَهُ وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ وَهُوَ وَجِيهٌ وَالْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةٌ فِي الْفِقْهِ .
وَالنَّاسُ مُرَادٌ بِهِ الْعُمُومُ لِاخْتِلَافِ الْمَنَافِعِ ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ الْإِخْبَارُ بِوَاسِطَةِ " فِي " الْمُفِيدَةِ الظَّرْفِيَّةِ لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ النَّاسِ يَنْتَفِعُ بِالْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ، بَلِ الْكَلَامُ يَقْتَضِي أَنَّ هَاتِهِ الْمَنَافِعَ مَوْجُودَةٌ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَنْتَفِعَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى
nindex.php?page=tafseer&surano=16&ayano=69فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ .
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالنَّاسِ طَائِفَةً لِعَدَمِ صُلُوحِيَّةِ " الْ " هُنَا لِلْعَهْدِ وَلَوْ أُرِيدَ طَائِفَةٌ لَمَا صَحَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ : وَمَنَافِعُ الشَّارِبِينَ وَالْيَاسِرِينَ كَمَا قَالَ
nindex.php?page=tafseer&surano=47&ayano=15وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ فَإِنْ قُلْتَ : مَا الْوَجْهُ فِي ذِكْرِ مَنَافِعِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ مَعَ أَنَّ سِيَاقَ التَّحْرِيمِ وَالتَّمْهِيدَ إِلَيْهِ يَقْتَضِي تَنَاسِيَ الْمَنَافِعِ ، قُلْتُ : إِنْ كَانَتِ الْآيَةُ نَازِلَةً لِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ فَالْفَائِدَةُ فِي ذِكْرِ الْمَنَافِعِ هِيَ بَيَانُ حِكْمَةِ التَّشْرِيعِ لِيَعْتَادَ الْمُسْلِمُونَ مُرَاعَاةَ عِلَلِ الْأَشْيَاءِ ، لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ هَذَا الدِّينَ دِينًا دَائِمًا وَأَوْدَعَهُ أُمَّةً أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا مُشَرِّعُونَ لِمُخْتَلِفِ وَمُتَجَدِّدِ الْحَوَادِثِ ، فَلِذَلِكَ أَشَارَ لِعِلَلِ الْأَحْكَامِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى
nindex.php?page=tafseer&surano=49&ayano=12أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَتَخْصِيصُ التَّنْصِيصِ عَلَى الْعِلَلِ بِبَعْضِ الْأَحْكَامِ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ إِنَّمَا هُوَ فِي مَوَاضِعِ خَفَاءِ الْعِلَلِ ، فَإِنَّ الْخَمْرَ قَدِ اشْتُهِرَ بَيْنَهُمْ نَفْعُهَا ، وَالْمَيْسِرَ قَدِ اتَّخَذُوهُ ذَرِيعَةً لِنَفْعِ الْفُقَرَاءِ فَوَجَبَ بَيَانُ مَا فِيهِمَا مِنَ الْمَفَاسِدِ إِنْبَاءً بِحِكْمَةِ التَّحْرِيمِ ، وَفَائِدَةٌ أُخْرَى وَهِيَ تَأْنِيسُ الْمُكَلَّفِينَ عِنْدَ فِطَامِهِمْ عَنْ أَكْبَرِ لَذَائِذِهِمْ تَذْكِيرًا لَهُمْ بِأَنَّ رَبَّهُمْ لَا يُرِيدُ إِلَّا صَلَاحَهُمْ دُونَ نِكَايَتِهِمْ كَقَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=216كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَقَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=183كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ .
وَهُنَالِكَ أَيْضًا فَائِدَةٌ أُخْرَى وَهِيَ عُذْرُهُمْ عَمَّا سَلَفَ مِنْهُمْ حَتَّى لَا يَسْتَكِينُوا لِهَذَا التَّحْرِيمِ وَالتَّنْدِيدِ عَلَى الْمَفَاسِدِ كَقَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=187عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ .