[ ص: 368 ] nindex.php?page=tafseer&surano=57&ayano=7nindex.php?page=treesubj&link=29028_28653_29680_23468آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير .
استئناف وقع موقع النتيجة بعد الاستدلال فإن أول السورة قرر خضوع الكائنات إلى الله تعالى وأنه تعالى المتصرف فيها بالإيجاد والإعدام وغير ذلك فهو القدير عليها ، وأنه عليم بأحوالهم مطلع على ما تضمره ضمائرهم وأنهم صائرون إليه فمحاسبهم ، فلا جرم تهيأ المقام لإبلاغهم التذكير بالإيمان به إيمانا لا يشوبه إشراك والإيمان برسوله - صلى الله عليه وسلم - إذ قد تبين صدقه بالدلائل الماضية التي دلت على صحة ما أخبرهم به مما كان محل ارتيابهم وتكذيبهم كما أشار إليه قوله
nindex.php?page=tafseer&surano=57&ayano=8والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم .
فذلك وجه عطف " ورسوله " على متعلق الإيمان مع أن الآيات السابقة ما ذكرت إلا دلائل صفات الله دون الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
فالخطاب بـ " آمنوا " للمشركين ، والآية مكية حسب ما روي في إسلام
عمر وهو الذي يلائم اتصال قوله
nindex.php?page=tafseer&surano=57&ayano=8وما لكم لا تؤمنون بالله إلخ بها .
والمراد بالإنفاق المأمور به : الإنفاق الذي يدعو إليه الإيمان بعد حصول الإيمان وهو
nindex.php?page=treesubj&link=19969_20065_19441الإنفاق على الفقير ، وتخصيص الإنفاق بالذكر تنويه بشأنه ، وقد كان أهل الجاهلية لا ينفقون إلا في اللذات ، والمفاخرة والمقامرة ، ومعاقرة الخمر ، وقد وصفهم القرآن بذلك في مواضع كثيرة كقوله
nindex.php?page=tafseer&surano=69&ayano=33إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين وقوله
nindex.php?page=tafseer&surano=89&ayano=17بل لا تكرمون اليتيم nindex.php?page=tafseer&surano=89&ayano=18ولا تحضون على طعام المسكين nindex.php?page=tafseer&surano=89&ayano=19وتأكلون التراث أكلا لما nindex.php?page=tafseer&surano=89&ayano=20وتحبون المال حبا جما وقوله
nindex.php?page=tafseer&surano=102&ayano=1ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر إلى آخر السورة .
وقيل : نزلت في
nindex.php?page=treesubj&link=30877غزوة تبوك ( يعني الإنفاق لتجهيز جيش العسرة قال
ابن عطية عن
الضحاك ، فتكون الآية مدنية ويكون قوله " آمنوا " أمرا بالدوام على الإيمان كقوله
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=136يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله .
ويجوز أن يكون أمرا لمن في نفوسهم بقية نفاق أو ارتياب ، وأنهم قبضوا أيديهم
[ ص: 369 ] عن تجهيز جيش العسرة كما قال تعالى
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=67المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض إلى قوله
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=67ويقبضون أيديهم ، فهم إذا سمعوا الخطاب علموا أنهم المقصودون على نحو ما في آيات سورة براءة ، ولكن يظهر أن سنة غزوة
تبوك لم يبق عندها من المنافقين عدد يعتد به فيوجه إليه خطاب كهذا .
وجيء بالموصول في قوله
nindex.php?page=tafseer&surano=57&ayano=7مما جعلكم مستخلفين فيه دون أن يقول " وأنفقوا من أموالكم أو مما رزقكم الله " لما في صلة الموصول من التنبيه على غفلة السامعين عن كون المال لله جعل الناس كالخلائف عنه في التصرف فيه مدة ما ، فلما أمرهم بالإنفاق منها على عباده كان حقا عليهم أن يمتثلوا لذلك كما يمتثل الخازن أمر صاحب المال إذا أمره بإنفاذ شيء منه إلى من يعينه .
والسين والتاء في " مستخلفين " للمبالغة في حصول الفعل لا للطلب لاستفادة الطلب من فعل " جعلكم " . ويجوز أن تكون لتأكيد الطلب .
والفاء في قوله
nindex.php?page=tafseer&surano=57&ayano=7فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير تفريع وتسبب على الأمر بالإيمان والإنفاق لإفادة تعليله كأنه قيل : لأن الذين آمنوا وأنفقوا أعددنا لهم أجرا كبيرا .
والمعنى على وجه كون الآية مكية : أن الذين آمنوا من بينكم وأنفقوا ، أي : سبقوكم بالإيمان والإنفاق لهم أجر كبير ، أي فاغتنموه وتداركوا ما فاتوكم به .
و " من " للتبعيض ، أي : الذين آمنوا وهم بعض قومكم .
ويجوز أن يكون فعلا المضي في قوله
nindex.php?page=tafseer&surano=57&ayano=7فالذين آمنوا منكم وأنفقوا مستعملان في معنى المضارع للتنبيه على إيقاع ذلك .
[ ص: 368 ] nindex.php?page=tafseer&surano=57&ayano=7nindex.php?page=treesubj&link=29028_28653_29680_23468آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ .
اسْتِئْنَافٌ وَقَعَ مَوْقِعَ النَّتِيجَةِ بَعْدَ الِاسْتِدْلَالِ فَإِنَّ أَوَّلَ السُّورَةِ قَرَّرَ خُضُوعَ الْكَائِنَاتِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ تَعَالَى الْمُتَصَرِّفُ فِيهَا بِالْإِيجَادِ وَالْإِعْدَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ الْقَدِيرُ عَلَيْهَا ، وَأَنَّهُ عَلِيمٌ بِأَحْوَالِهِمْ مُطَّلِعٌ عَلَى مَا تُضْمِرُهُ ضَمَائِرُهُمْ وَأَنَّهُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ فَمُحَاسِبُهُمْ ، فَلَا جَرَمَ تَهَيَّأَ الْمَقَامُ لِإِبْلَاغِهِمُ التَّذْكِيرَ بِالْإِيمَانِ بِهِ إِيمَانًا لَا يَشُوبُهُ إِشْرَاكٌ وَالْإِيمَانِ بِرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ قَدْ تَبَيَّنَ صِدْقُهُ بِالدَّلَائِلِ الْمَاضِيَةِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى صِحَّةِ مَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ مِمَّا كَانَ مَحَلَّ ارْتِيَابِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ
nindex.php?page=tafseer&surano=57&ayano=8وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ .
فَذَلِكَ وَجْهُ عَطْفِ " وَرَسُولِهِ " عَلَى مُتَعَلِّقِ الْإِيمَانِ مَعَ أَنَّ الْآيَاتِ السَّابِقَةَ مَا ذَكَرَتْ إِلَّا دَلَائِلَ صِفَاتِ اللَّهِ دُونَ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
فَالْخِطَابُ بِـ " آمِنُوا " لِلْمُشْرِكِينَ ، وَالْآيَةُ مَكِّيَّةٌ حَسْبَ مَا رُوِيَ فِي إِسْلَامِ
عُمَرَ وَهُوَ الَّذِي يُلَائِمُ اتِّصَالَ قَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=57&ayano=8وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ إِلَخْ بِهَا .
وَالْمُرَادُ بِالْإِنْفَاقِ الْمَأْمُورِ بِهِ : الْإِنْفَاقُ الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ الْإِيمَانُ بَعْدَ حُصُولِ الْإِيمَانِ وَهُوَ
nindex.php?page=treesubj&link=19969_20065_19441الْإِنْفَاقُ عَلَى الْفَقِيرِ ، وَتَخْصِيصُ الْإِنْفَاقِ بِالذِّكْرِ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِهِ ، وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُنْفِقُونَ إِلَّا فِي اللَّذَّاتِ ، وَالْمُفَاخَرَةِ وَالْمُقَامَرَةِ ، وَمُعَاقَرَةِ الْخَمْرِ ، وَقَدْ وَصَفَهُمُ الْقُرْآنُ بِذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=69&ayano=33إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ وَقَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=89&ayano=17بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ nindex.php?page=tafseer&surano=89&ayano=18وَلَا تَحُضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ nindex.php?page=tafseer&surano=89&ayano=19وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا nindex.php?page=tafseer&surano=89&ayano=20وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا وَقَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=102&ayano=1أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ .
وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي
nindex.php?page=treesubj&link=30877غَزْوَةِ تَبُوكَ ( يَعْنِي الْإِنْفَاقَ لِتَجْهِيزِ جَيْشِ الْعُسْرَةِ قَالَ
ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ
الضَّحَّاكِ ، فَتَكُونُ الْآيَةُ مَدَنِيَّةً وَيَكُونُ قَوْلُهُ " آمِنُوا " أَمْرًا بِالدَّوَامِ عَلَى الْإِيمَانِ كَقَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=136يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ .
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا لِمَنْ فِي نُفُوسِهِمْ بَقِيَّةُ نِفَاقٍ أَوِ ارْتِيَابٍ ، وَأَنَّهُمْ قَبَضُوا أَيْدِيَهُمْ
[ ص: 369 ] عَنْ تَجْهِيزِ جَيْشِ الْعُسْرَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=67الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ إِلَى قَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=67وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ، فَهُمْ إِذَا سَمِعُوا الْخِطَابَ عَلِمُوا أَنَّهُمُ الْمَقْصُودُونَ عَلَى نَحْوِ مَا فِي آيَاتِ سُورَةٍ بَرَاءَةٌ ، وَلَكِنْ يَظْهَرُ أَنَّ سَنَةَ غَزْوَةِ
تَبُوكَ لَمْ يَبْقَ عِنْدَهَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ عَدَدٌ يُعْتَدُّ بِهِ فَيُوَجَّهُ إِلَيْهِ خِطَابٌ كَهَذَا .
وَجِيءَ بِالْمَوْصُولِ فِي قَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=57&ayano=7مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ دُونَ أَنْ يَقُولَ " وَأَنْفِقُوا مِنْ أَمْوَالِكُمْ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ " لِمَا فِي صِلَةِ الْمَوْصُولِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى غَفْلَةِ السَّامِعِينَ عَنْ كَوْنِ الْمَالِ لِلَّهِ جَعَلَ النَّاسَ كَالْخَلَائِفِ عَنْهُ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ مُدَّةً مَا ، فَلَمَّا أَمَرَهُمْ بِالْإِنْفَاقِ مِنْهَا عَلَى عِبَادِهِ كَانَ حَقًّا عَلَيْهِمْ أَنْ يَمْتَثِلُوا لِذَلِكَ كَمَا يَمْتَثِلُ الْخَازِنُ أَمْرَ صَاحِبِ الْمَالِ إِذَا أَمَرَهُ بِإِنْفَاذِ شَيْءٍ مِنْهُ إِلَى مَنْ يُعِّينُهُ .
وَالسِّينُ وَالتَّاءُ فِي " مُسْتَخْلَفِينَ " لِلْمُبَالَغِةِ فِي حُصُولِ الْفِعْلِ لَا لِلطَّلَبِ لِاسْتِفَادَةِ الطَّلَبِ مِنْ فِعْلِ " جَعَلَكُمْ " . وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِتَأْكِيدِ الطَّلَبِ .
وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=57&ayano=7فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ تَفْرِيعٌ وَتَسَبُّبٌ عَلَى الْأَمْرِ بِالْإِيمَانِ وَالْإِنْفَاقِ لِإِفَادَةِ تَعْلِيلِهِ كَأَنَّهُ قِيلَ : لِأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنْفَقُوا أَعْدَدْنَا لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا .
وَالْمَعْنَى عَلَى وَجْهِ كَوْنِ الْآيَةِ مَكِّيَّةً : أَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَيْنِكُمْ وَأَنْفَقُوا ، أَيْ : سَبَقُوكُمْ بِالْإِيمَانِ وَالْإِنْفَاقِ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ، أَيْ فَاغْتَنَمُوهُ وَتَدَارَكُوا مَا فَاتُوكُمْ بِهِ .
وَ " مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ ، أَيِ : الَّذِينَ آمَنُوا وَهُمْ بَعْضُ قَوْمِكُمْ .
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِعْلَا الْمُضِيِّ فِي قَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=57&ayano=7فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا مُسْتَعْمَلَانِ فِي مَعْنَى الْمُضَارِعِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى إِيقَاعِ ذَلِكَ .