nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=5nindex.php?page=treesubj&link=28975_14921_19256_14817_14963ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا .
عطف على قوله
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=4وآتوا النساء صدقاتهن لدفع توهم إيجاب أن يؤتى كل مال لمالكه من أجل تقدم الأمر بإتيان الأموال مالكيها مرتين في قوله
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=2وآتوا اليتامى أموالهم nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=4وآتوا النساء صدقاتهن . أو عطف على قوله
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=2وآتوا اليتامى وما بينهما اعتراض .
[ ص: 234 ] والمقصود بيان
nindex.php?page=treesubj&link=14821_14928الحال التي يمنع فيها السفيه من ماله ، والحال التي يؤتى فيها ماله ، وقد يقال كان مقتضى الظاهر على هذا الوجه أن يقدم هنالك حكم منع تسليم مال اليتامى لأنه أسبق في الحصول ، فيتجه لمخالفة هذا المقتضى أن نقول قدم حكم التسليم ، لأن الناس أحرص على ضده ، فلو ابتدأ بالنهي عن تسليم الأموال للسفهاء لاتخذه الظالمون حجة لهم ، وتظاهروا بأنهم إنما يمنعون الأيتام أموالهم خشية من استمرار السفه فيهم ، كما يفعله الآن كثير من الأوصياء والمقدمين غير الأتقياء ، إذ يتصدون للمعارضة في بينات ثبوت الرشد لمجرد الشغب وإملال المحاجير من طلب حقوقهم .
والخطاب في قوله
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=5ولا تؤتوا السفهاء كمثل الخطاب في وآتوا اليتامى وآتوا النساء هو لعموم الناس المخاطبين بقوله
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=1يا أيها الناس اتقوا ربكم ليأخذ كل من يصلح لهذا الحكم حظه من الامتثال .
و ( السفهاء ) يجوز أن يراد به اليتامى ، لأن الصغر هو حالة السفه الغالبة ، فيكون مقابلا لقوله
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=2وآتوا اليتامى لبيان الفرق بين الإيتاء بمعنى الحفظ والإيتاء بمعنى التمكين ، ويكون العدول عن التعبير عنهم باليتامى إلى التعبير هنا بالسفهاء لبيان علة المنع . ويجوز أن يراد به مطلق من ثبت له السفه ، سواء كان عن صغر أم عن اختلال تصرف ، فتكون الآية قد تعرضت للحجر على السفيه الكبير استطرادا للمناسبة ، وهذا هو الأظهر لأنه أوفر معنى وأوسع تشريعا . وتقدم بيان معاني السفه عند قوله تعالى إلا من سفه نفسه في سورة البقرة .
والمراد بالأموال أموال المحاجير المملوكة لهم ، ألا ترى إلى قوله وارزقوهم فيها وأضيفت الأموال إلى ضمير المخاطبين ب ( يا أيها الناس ) إشارة بديعة إلى أن المال الرائج بين الناس هو حق لمالكيه المختصين به في ظاهر الأمر ، ولكنه عند التأمل تلوح فيه حقوق الملة جمعاء لأن في حصوله منفعة للأمة كلها ، لأن ما في أيدي بعض أفرادها من الثروة يعود إلى الجميع بالصالحة ، فمن تلك الأموال ينفق أربابها ويستأجرون ويشترون ويتصدقون ثم تورث عنهم إذا ماتوا فينتقل المال بذلك من يد إلى غيرها فينتفع العاجز والعامل والتاجر والفقير وذو الكفاف ، ومتى قلت الأموال
[ ص: 235 ] من أيدي الناس تقاربوا في الحاجة ، والخصاصة ، فأصبحوا في ضنك وبؤس ، واحتاجوا إلى قبيلة أو أمة أخرى ، وذلك من أسباب ابتزاز عزهم ، وامتلاك بلادهم ، وتصيير منافعهم لخدمة غيرهم ، فلأجل هاته الحكمة أضاف الله تعالى الأموال إلى جميع المخاطبين ليكون لهم الحق في إقامة الأحكام التي تحفظ الأموال والثروة العامة .
وهذه إشارة لا أحسب أن حكيما من حكماء الاقتصاد سبق القرآن إلى بيانها . وقد أبعد جماعة جعلوا الإضافة لأدنى ملابسة ، لأن الأموال في يد الأولياء ، وجعلوا الخطاب للأولياء خاصة . وجماعة جعلوا الإضافة للمخاطبين لأن الأموال من نوع أموالهم ، وإن لم تكن أموالهم حقيقة ، وإليه مال
nindex.php?page=showalam&ids=14423الزمخشري . وجماعة جعلوا الإضافة لأن السفهاء من نوع المخاطبين فكأن أموالهم أموالهم وإليه مال
فخر الدين . وقارب
ابن العربي إذ قال لأن الأموال مشتركة بين الخلق تنتقل من يد إلى يد وتخرج من ملك إلى ملك وبما ذكرته من البيان كان لكلمته هذه شأن . وأبعد فريق آخرون فجعلوا الإضافة حقيقية أي لا تؤتوا يا أصحاب الأموال أموالكم لمن يضيعها من أولادكم ونسائكم ، وهذا أبعد الوجوه ، ولا إخال الحامل على هذا التقدير إلا الحيرة في وجه الجميع بين كون الممنوعين من الأموال السفهاء ، وبين إضافة تلك الأموال إلى ضمير المخاطبين ، وإنما وصفته بالبعد لأن قائله جعله هو المقصود من الآية ولو جعله وجها جائزا يقوم من لفظ الآية لكان له وجه وجيه بناء على ما تقرر في المقدمة التاسعة .
وأجري على الأموال صفة تزيد إضافتها إلى المخاطبين وضوحا وهي قوله
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=5التي جعل الله لكم قيما فجاء في الصفة بموصول إيماء إلى تعليل النهي ، وإيضاحا لمعنى الإضافة ، فإن ( قيما ) مصدر على وزن فعل بمعنى فعال : مثل عوذ بمعنى عياذ ، وهو من الواوي وقياسه قوم ، إلا أنه أعل بالياء شذوذا كما شذ جياد في جمع جواد وكما شذ طيال في لغة
ضبة في جمع طويل ، قصدوا قلب الواو ألفا بعد الكسرة كما فعلوه في قيام ونحوه ، إلا أن ذلك في وزن فعال مطرد ، وفي غيره شاذ لكثرة فعال في المصادر ، وقلة فعل فيها ، وقيم من غير الغالب . كذا قرأه
نافع ، وابن عامر : قيما بوزن فعل ، وقرأه الجمهور قياما ، والقيام ما به يتقوم المعاش وهو واوي أيضا
[ ص: 236 ] وعلى القراءتين فالإخبار عن الأموال به إخبار بالمصدر للمبالغة مثل قول
الخنساء :
فإنما هي إقبال وإدبار
والمعنى أنها تقويم عظيم لأحوال الناس . وقيل : قيما جمع قيمة أي التي جعلها الله قيما أي أثمانا للأشياء ، وليس فيه إيذان بالمعنى الجليل المتقدم .
ومعنى قوله
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=5وارزقوهم فيها واكسوهم واقع موقع الاحتراس أي لا تؤتوهم الأموال إيتاء تصرف مطلق ، ولكن آتوهم إياها بمقدار انتفاعهم من نفقة وكسوة ، ولذلك قال فقهاؤنا : تسلم للمحجور نفقته وكسوته إذا أمن عليها بحسب حاله وماله ، وعدل عن تعدية ارزقوهم واكسوهم ب ( من ) إلى تعديتها ب ( في ) الدالة على الظرفية المجازية ، على طريقة الاستعمال في أمثاله ، حين لا يقصد التبعيض الموهم للإنقاص من ذات الشيء ، بل يراد أن في جملة الشيء ما يحصل به الفعل : تارة من عينه ، وتارة من ثمنه ، وتارة من نتاجه ، وأن ذلك يحصل مكررا مستمرا . وانظر ذلك في قول
سبرة بن عمرو الفقعسي :
نحابي بها أكفاءنا ونهينها ونشرب في أثمانها ونقامر
يريد الإبل التي سيقت إليهم في دية قتيل منهم ، أي نشرب بأثمانها ونقامر ، فإما شربنا بجميعها أو ببعضها أو نسترجع منها في القمار ، وهذا معنى بديع في الاستعمال لم يسبق إليه المفسرون هنا ، فأهمل معظمهم التنبيه على وجه العدول إلى في ، واهتدى إليه صاحب الكشاف بعض الاهتداء فقال : أي اجعلوها مكانا لرزقهم بأن تتجروا فيها وتتربحوا حتى تكون نفقتهم من الربح لا من صلب المال . فقوله لا من صلب المال مستدرك ، ولو كان كما قال لاقتضى نهيا عن الإنفاق من صلب المال . وإنما قال
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=5وقولوا لهم قولا معروفا ليسلم إعطاؤهم النفقة والكسوة من الأذى ، فإن شأن من يخرج المال من يده أن يستثقل سائل المال ، وذلك سواء في العطايا التي من مال المعطي والتي من مال المعطى ، ولأن جانب السفيه ملموز بالهون ،
[ ص: 237 ] لقلة تدبيره ، فلعل ذلك يحمل وليه على القلق من معاشرة اليتيم فيسمعه ما يكره مع أن نقصان عقله خلل في الخلقة ، فلا ينبغي أن يشتم عليه ، ولأن السفيه غالبا يستنكر منع ما يطلبه من واسع المطالب ، فقد يظهر عليه ، أو يصدر منه كلمات مكروهة لوليه ، فأمر الله لأجل ذلك كله الأولياء بأن لا يبتدئوا محاجيرهم بسيئ الكلام ، ولا يجيبوهم بما يسوء ، بل يعظون المحاجير ، ويعلمونهم طرق الرشاد ما استطاعوا ، ويذكرونهم بأن المال مالهم ، وحفظه حفظ لمصالحهم فإن في ذلك خيرا كثيرا ، وهو بقاء الكرامة بين الأولياء ومواليهم ، ورجاء انتفاع الموالي بتلك المواعظ في إصلاح حالهم حتى لا يكونوا كما قال :
إذا نهي السفيه جرى إليه وخالف والسفيه إلى خلاف
وقد شمل القول المعروف كل قول له موقع حال مقاله . وخرج عنه كل قول منكر لا يشهد العقل ولا الخلق بمصادفته المحز ، فالمعروف قد يكون مما يكرهه السفيه إذا كان فيه صلاح نفسه .
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=5nindex.php?page=treesubj&link=28975_14921_19256_14817_14963وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَمًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا .
عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=4وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ إِيجَابِ أَنْ يُؤْتَى كُلُّ مَالٍ لِمَالِكِهِ مِنْ أَجْلِ تَقَدُّمِ الْأَمْرِ بِإِتْيَانِ الْأَمْوَالِ مَالِكِيهَا مَرَّتَيْنِ فِي قَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=2وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=4وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ . أَوْ عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=2وَآتُوا الْيَتَامَى وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ .
[ ص: 234 ] وَالْمَقْصُودُ بَيَانُ
nindex.php?page=treesubj&link=14821_14928الْحَالِ الَّتِي يُمْنَعُ فِيهَا السَّفِيهُ مِنْ مَالِهِ ، وَالْحَالِ الَّتِي يُؤْتَى فِيهَا مَالَهُ ، وَقَدْ يُقَالُ كَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنْ يُقَدَّمَ هُنَالِكَ حُكْمُ مَنْعِ تَسْلِيمِ مَالِ الْيَتَامَى لِأَنَّهُ أَسْبَقُ فِي الْحُصُولِ ، فَيَتَّجِهُ لِمُخَالَفَةِ هَذَا الْمُقْتَضَى أَنْ نَقُولَ قَدَّمَ حُكْمَ التَّسْلِيمِ ، لِأَنَّ النَّاسَ أَحْرَصُ عَلَى ضِدِّهِ ، فَلَوِ ابْتَدَأَ بِالنَّهْيِ عَنْ تَسْلِيمِ الْأَمْوَالِ لِلسُّفَهَاءِ لَاتَّخَذَهُ الظَّالِمُونَ حُجَّةً لَهُمْ ، وَتَظَاهَرُوا بِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَمْنَعُونَ الْأَيْتَامَ أَمْوَالَهُمْ خَشْيَةً مِنَ اسْتِمْرَارِ السَّفَهِ فِيهِمْ ، كَمَا يَفْعَلُهُ الْآنَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَوْصِيَاءِ وَالْمُقَدَّمِينَ غَيْرُ الْأَتْقِيَاءِ ، إِذْ يَتَصَدَّوْنَ لِلْمُعَارَضَةِ فِي بَيِّنَاتِ ثُبُوتِ الرُّشْدِ لِمُجَرَّدِ الشَّغَبِ وَإِمْلَالِ الْمَحَاجِيرِ مِنْ طَلَبِ حُقُوقِهِمْ .
وَالْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=5وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ كَمِثْلِ الْخِطَابِ فِي وَآتُوا الْيَتَامَى وَآتُوا النِّسَاءَ هُوَ لِعُمُومِ النَّاسِ الْمُخَاطَبِينَ بِقَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=1يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ لِيَأْخُذَ كُلُّ مَنْ يَصْلُحُ لِهَذَا الْحُكْمِ حَظَّهُ مِنَ الِامْتِثَالِ .
وَ ( السُّفَهَاءُ ) يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْيَتَامَى ، لِأَنَّ الصِّغَرَ هُوَ حَالَةُ السَّفَهِ الْغَالِبَةِ ، فَيَكُونُ مُقَابِلًا لِقَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=2وَآتُوا الْيَتَامَى لِبَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْإِيتَاءِ بِمَعْنَى الْحِفْظِ وَالْإِيتَاءِ بِمَعْنَى التَّمْكِينِ ، وَيَكُونُ الْعُدُولُ عَنِ التَّعْبِيرِ عَنْهُمْ بِالْيَتَامَى إِلَى التَّعْبِيرِ هُنَا بِالسُّفَهَاءِ لِبَيَانِ عِلَّةِ الْمَنْعِ . وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مُطْلَقُ مَنْ ثَبَتَ لَهُ السَّفَهُ ، سَوَاءً كَانَ عَنْ صِغَرٍ أَمْ عَنِ اخْتِلَالِ تَصَرُّفٍ ، فَتَكُونُ الْآيَةُ قَدْ تَعَرَّضَتْ لِلْحَجْرِ عَلَى السَّفِيهِ الْكَبِيرِ اسْتِطْرَادًا لِلْمُنَاسَبَةِ ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ لِأَنَّهُ أَوْفَرُ مَعْنًى وَأَوْسَعُ تَشْرِيعًا . وَتَقَدَّمَ بَيَانُ مَعَانِي السَّفَهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى إِلَّا مِنْ سَفِهَ نَفْسَهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
وَالْمُرَادُ بِالْأَمْوَالِ أَمْوَالُ الْمَحَاجِيرِ الْمَمْلُوكَةُ لَهُمْ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَأُضِيفَتِ الْأَمْوَالُ إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ بِ ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ) إِشَارَةً بَدِيعَةً إِلَى أَنَّ الْمَالَ الرَّائِجَ بَيْنَ النَّاسِ هُوَ حَقٌّ لِمَالِكِيهِ الْمُخْتَصِّينَ بِهِ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ ، وَلَكِنَّهُ عِنْدَ التَّأَمُّلِ تَلُوحُ فِيهِ حُقُوقُ الْمِلَّةِ جَمْعَاءَ لِأَنَّ فِي حُصُولِهِ مَنْفَعَةً لِلْأُمَّةِ كُلِّهَا ، لِأَنَّ مَا فِي أَيْدِي بَعْضِ أَفْرَادِهَا مِنَ الثَّرْوَةِ يَعُودُ إِلَى الْجَمِيعِ بِالصَّالِحَةِ ، فَمِنْ تِلْكَ الْأَمْوَالِ يُنْفِقُ أَرْبَابُهَا وَيَسْتَأْجِرُونَ وَيَشْتَرُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ ثُمَّ تُورَثُ عَنْهُمْ إِذَا مَاتُوا فَيَنْتَقِلُ الْمَالُ بِذَلِكَ مِنْ يَدٍ إِلَى غَيْرِهَا فَيَنْتَفِعُ الْعَاجِزُ وَالْعَامِلُ وَالتَّاجِرُ وَالْفَقِيرُ وَذُو الْكَفَافِ ، وَمَتَى قَلَّتِ الْأَمْوَالُ
[ ص: 235 ] مِنْ أَيْدِي النَّاسِ تَقَارَبُوا فِي الْحَاجَةِ ، وَالْخَصَاصَةِ ، فَأَصْبَحُوا فِي ضَنْكٍ وَبُؤْسٍ ، وَاحْتَاجُوا إِلَى قَبِيلَةٍ أَوْ أُمَّةٍ أُخْرَى ، وَذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ ابْتِزَازِ عِزِّهِمْ ، وَامْتِلَاكِ بِلَادِهِمْ ، وَتَصْيِيرِ مَنَافِعِهِمْ لِخِدْمَةِ غَيْرِهِمْ ، فَلِأَجْلِ هَاتِهِ الْحِكْمَةِ أَضَافَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَمْوَالَ إِلَى جَمِيعِ الْمُخَاطَبِينَ لِيَكُونَ لَهُمُ الْحَقُّ فِي إِقَامَةِ الْأَحْكَامِ الَّتِي تَحْفَظُ الْأَمْوَالَ وَالثَّرْوَةَ الْعَامَّةَ .
وَهَذِهِ إِشَارَةٌ لَا أَحْسَبُ أَنَّ حَكِيمًا مِنْ حُكَمَاءِ الِاقْتِصَادِ سَبَقَ الْقُرْآنَ إِلَى بَيَانِهَا . وَقَدْ أَبْعَدَ جَمَاعَةٌ جَعَلُوا الْإِضَافَةَ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ ، لِأَنَّ الْأَمْوَالَ فِي يَدِ الْأَوْلِيَاءِ ، وَجَعَلُوا الْخِطَابَ لِلْأَوْلِيَاءِ خَاصَّةً . وَجَمَاعَةٌ جَعَلُوا الْإِضَافَةَ لِلْمُخَاطَبِينَ لِأَنَّ الْأَمْوَالَ مِنْ نَوْعِ أَمْوَالِهِمْ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَمْوَالُهُمْ حَقِيقَةً ، وَإِلَيْهِ مَالَ
nindex.php?page=showalam&ids=14423الزَّمَخْشَرِيُّ . وَجَمَاعَةٌ جَعَلُوا الْإِضَافَةَ لِأَنَّ السُّفَهَاءَ مِنْ نَوْعِ الْمُخَاطَبِينَ فَكَأَنَّ أَمْوَالَهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَإِلَيْهِ مَالَ
فَخْرُ الدِّينِ . وَقَارَبَ
ابْنُ الْعَرَبِيِّ إِذْ قَالَ لِأَنَّ الْأَمْوَالَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْخَلْقِ تَنْتَقِلُ مِنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ وَتَخْرُجُ مِنْ مِلْكٍ إِلَى مِلْكٍ وَبِمَا ذَكَرْتُهُ مِنَ الْبَيَانِ كَانَ لِكَلِمَتِهِ هَذِهِ شَأْنٌ . وَأَبْعَدَ فَرِيقٌ آخَرُونَ فَجَعَلُوا الْإِضَافَةَ حَقِيقِيَّةٌ أَيْ لَا تُؤْتُوا يَا أَصْحَابَ الْأَمْوَالِ أَمْوَالَكُمْ لِمَنْ يُضَيِّعُهَا مِنْ أَوْلَادِكُمْ وَنِسَائِكُمْ ، وَهَذَا أَبْعَدُ الْوُجُوهِ ، وَلَا إِخَالُ الْحَامِلَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ إِلَّا الْحَيْرَةَ فِي وَجْهِ الْجَمِيعِ بَيْنَ كَوْنِ الْمَمْنُوعِينَ مِنَ الْأَمْوَالِ السُّفَهَاءِ ، وَبَيْنَ إِضَافَةِ تِلْكَ الْأَمْوَالِ إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ ، وَإِنَّمَا وَصَفْتُهُ بِالْبُعْدِ لِأَنَّ قَائِلَهُ جَعَلَهُ هُوَ الْمَقْصُودَ مِنَ الْآيَةِ وَلَوْ جَعَلَهُ وَجْهًا جَائِزًا يَقُومُ مِنْ لَفْظِ الْآيَةِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْمُقَدِّمَةِ التَّاسِعَةِ .
وَأُجْرِيَ عَلَى الْأَمْوَالِ صِفَةٌ تَزِيدُ إِضَافَتُهَا إِلَى الْمُخَاطَبِينَ وُضُوحًا وَهِيَ قَوْلُهُ
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=5الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَمًا فَجَاءَ فِي الصِّفَةِ بِمَوْصُولٍ إِيمَاءً إِلَى تَعْلِيلِ النَّهْيِ ، وَإِيضَاحًا لِمَعْنَى الْإِضَافَةِ ، فَإِنَّ ( قِيَمًا ) مَصْدَرٌ عَلَى وَزْنِ فِعَلٍ بِمَعْنَى فِعَالٍ : مِثْلُ عِوَذٍ بِمَعْنَى عِيَاذٍ ، وَهُوَ مِنَ الْوَاوِيِّ وَقِيَاسُهُ قِوَمٌ ، إِلَّا أَنَّهُ أُعِلَّ بِالْيَاءِ شُذُوذًا كَمَا شَذَّ جِيَادٌ فِي جَمْعِ جَوَادٍ وَكَمَا شَذَّ طِيَالٌ فِي لُغَةِ
ضَبَّةَ فِي جَمْعِ طَوِيلٍ ، قَصَدُوا قَلْبَ الْوَاوِ أَلِفًا بَعْدَ الْكَسْرَةِ كَمَا فَعَلُوهُ فِي قِيَامٍ وَنَحْوِهِ ، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ فِي وَزْنِ فِعَالٍ مُطَّرِدٌ ، وَفِي غَيْرِهِ شَاذٌّ لِكَثْرَةِ فِعَالٍ فِي الْمَصَادِرِ ، وَقِلَّةِ فِعَلٍ فِيهَا ، وَقِيَمٌ مِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ . كَذَا قَرَأَهُ
نَافِعٌ ، وَابْنُ عَامِرٍ : قِيَمًا بِوَزْنِ فِعَلٍ ، وَقَرَأَهُ الْجُمْهُورُ قِيَامًا ، وَالْقِيَامُ مَا بِهِ يُتَقَوَّمُ الْمَعَاشُ وَهُوَ وَاوِيٌّ أَيْضًا
[ ص: 236 ] وَعَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فَالْإِخْبَارُ عَنِ الْأَمْوَالِ بِهِ إِخْبَارٌ بِالْمَصْدَرِ لِلْمُبَالَغَةِ مِثْلُ قَوْلِ
الْخَنْسَاءِ :
فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارُ
وَالْمَعْنَى أَنَّهَا تَقْوِيمٌ عَظِيمٌ لِأَحْوَالِ النَّاسِ . وَقِيلَ : قِيَمًا جَمْعُ قِيمَةٍ أَيِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ قِيَمًا أَيْ أَثْمَانًا لِلْأَشْيَاءِ ، وَلَيْسَ فِيهِ إِيذَانٌ بِالْمَعْنَى الْجَلِيلِ الْمُتَقَدِّمِ .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=5وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَاقِعٌ مَوْقِعَ الِاحْتِرَاسِ أَيْ لَا تُؤْتُوهُمُ الْأَمْوَالَ إِيتَاءَ تَصَرُّفٍ مُطْلَقٍ ، وَلَكِنْ آتَوْهُمْ إِيَّاهَا بِمِقْدَارِ انْتِفَاعِهِمْ مِنْ نَفَقَةٍ وَكُسْوَةٍ ، وَلِذَلِكَ قَالَ فُقَهَاؤُنَا : تُسَلَّمُ لِلْمَحْجُورِ نَفَقَتُهُ وَكِسْوَتُهُ إِذَا أَمِنَ عَلَيْهَا بِحَسَبِ حَالِهِ وَمَالِهِ ، وَعَدَلَ عَنْ تَعْدِيَةِ ارْزُقُوهُمْ وَاكْسُوهُمْ بِ ( مِنْ ) إِلَى تَعْدِيَتِهَا بِ ( فِي ) الدَّالَّةِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ ، عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِعْمَالِ فِي أَمْثَالِهِ ، حِينَ لَا يَقْصِدُ التَّبْعِيضَ الْمُوهِمَ لِلْإِنْقَاصِ مِنْ ذَاتِ الشَّيْءِ ، بَلْ يُرَادُ أَنَّ فِي جُمْلَةِ الشَّيْءِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْفِعْلُ : تَارَةً مِنْ عَيْنِهِ ، وَتَارَةً مِنْ ثَمَنِهِ ، وَتَارَةً مِنْ نِتَاجِهِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ مُكَرَّرًا مُسْتَمِرًّا . وَانْظُرْ ذَلِكَ فِي قَوْلِ
سَبْرَةَ بْنِ عَمْرٍو الْفَقْعَسِيِّ :
نُحَابِي بِهَا أَكْفَاءَنَا وَنُهِينُهَا وَنَشْرَبُ فِي أَثْمَانِهَا وَنُقَامِرُ
يُرِيدُ الْإِبِلَ الَّتِي سِيقَتْ إِلَيْهِمْ فِي دِيَةِ قَتِيلٍ مِنْهُمْ ، أَيْ نَشْرَبُ بِأَثْمَانِهَا وَنُقَامِرُ ، فَإِمَّا شَرِبْنَا بِجَمِيعِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا أَوْ نَسْتَرْجِعُ مِنْهَا فِي الْقِمَارِ ، وَهَذَا مَعْنًى بَدِيعٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ الْمُفَسِّرُونَ هُنَا ، فَأَهْمَلَ مُعْظَمُهُمُ التَّنْبِيهَ عَلَى وَجْهِ الْعُدُولِ إِلَى فِي ، وَاهْتَدَى إِلَيْهِ صَاحِبُ الْكَشَّافِ بَعْضَ الِاهْتِدَاءِ فَقَالَ : أَيِ اجْعَلُوهَا مَكَانًا لِرِزْقِهِمْ بِأَنْ تَتَّجِرُوا فِيهَا وَتَتَرَبَّحُوا حَتَّى تَكُونَ نَفَقَتُهُمْ مِنَ الرِّبْحِ لَا مِنْ صُلْبِ الْمَالِ . فَقَوْلُهُ لَا مِنْ صُلْبِ الْمَالِ مُسْتَدْرَكٌ ، وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَاقْتَضَى نَهْيًا عَنِ الْإِنْفَاقِ مَنْ صُلْبِ الْمَالِ . وَإِنَّمَا قَالَ
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=5وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا لِيَسْلَمَ إِعْطَاؤُهُمُ النَّفَقَةَ وَالْكُسْوَةَ مِنَ الْأَذَى ، فَإِنَّ شَأْنَ مَنْ يُخْرِجُ الْمَالَ مِنْ يَدِهِ أَنْ يَسْتَثْقِلَ سَائِلَ الْمَالِ ، وَذَلِكَ سَوَاءٌ فِي الْعَطَايَا الَّتِي مِنْ مَالِ الْمُعْطِي وَالَّتِي مِنْ مَالِ الْمُعْطَى ، وَلِأَنَّ جَانِبَ السَّفِيهِ مَلْمُوزٌ بِالْهَوْنِ ،
[ ص: 237 ] لِقِلَّةِ تَدْبِيرِهِ ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ يَحْمِلُ وَلِيَّهُ عَلَى الْقَلَقِ مِنْ مُعَاشَرَةِ الْيَتِيمِ فَيُسْمِعُهُ مَا يَكْرَهُ مَعَ أَنَّ نُقْصَانَ عَقْلِهِ خَلَلٌ فِي الْخِلْقَةِ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُشْتَمَ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ السَّفِيهَ غَالِبًا يَسْتَنْكِرُ مَنْعَ مَا يَطْلُبُهُ مِنْ وَاسِعِ الْمَطَالِبِ ، فَقَدْ يَظْهَرُ عَلَيْهِ ، أَوْ يَصْدُرُ مِنْهُ كَلِمَاتٌ مَكْرُوهَةٌ لِوَلِيِّهِ ، فَأَمَرَ اللَّهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ كُلِّهِ الْأَوْلِيَاءَ بِأَنْ لَا يَبْتَدِئُوا مَحَاجِيرَهُمْ بِسَيِّئِ الْكَلَامِ ، وَلَا يُجِيبُوهُمْ بِمَا يَسُوءُ ، بَلْ يَعِظُونَ الْمَحَاجِيرَ ، وَيُعَلِّمُونَهُمْ طُرُقَ الرَّشَادِ مَا اسْتَطَاعُوا ، وَيُذَكِّرُونَهُمْ بِأَنَّ الْمَالَ مَالُهُمْ ، وَحِفْظَهُ حِفْظٌ لِمَصَالِحِهِمْ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ خَيْرًا كَثِيرًا ، وَهُوَ بَقَاءُ الْكَرَامَةِ بَيْنَ الْأَوْلِيَاءِ وَمَوَالِيهِمْ ، وَرَجَاءُ انْتِفَاعِ الْمَوَالِي بِتِلْكَ الْمَوَاعِظِ فِي إِصْلَاحِ حَالِهِمْ حَتَّى لَا يَكُونُوا كَمَا قَالَ :
إِذَا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرَى إِلَيْهِ وَخَالَفَ وَالسَّفِيهُ إِلَى خِلَافِ
وَقَدْ شَمِلَ الْقَوْلُ الْمَعْرُوفُ كُلَّ قَوْلٍ لَهُ مَوْقِعٌ حَالَ مَقَالِهِ . وَخَرَجَ عَنْهُ كُلُّ قَوْلٍ مُنْكَرٍ لَا يَشْهَدُ الْعَقْلُ وَلَا الْخُلُقُ بِمُصَادَفَتِهِ الْمَحَزَّ ، فَالْمَعْرُوفُ قَدْ يَكُونُ مِمَّا يَكْرَهُهُ السَّفِيهُ إِذَا كَانَ فِيهِ صَلَاحُ نَفْسِهِ .