nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=1nindex.php?page=treesubj&link=28975واتقوا الله الذي تساءلون به قرأ
عاصم ،
وحمزة ،
nindex.php?page=showalam&ids=15080والكسائي " تساءلون " بتخفيف السين ، وأصله : تتساءلون ، فحذفت إحدى التاءين للتخفيف ، والباقون بتشديدها بإدغام التاء في السين لتقاربهما في المخرج ، وكل من الوجهين فصيح معهود عن العرب في صيغة تتفاعلون .
والمعنى : اتقوا الله الذي يسأل به بعضكم بعضا بأن يقول : سألتك بالله أن تقضي هذه الحاجة ، يرجو بذلك إجابة سؤاله . فمعنى سؤاله بالله سؤاله بإيمانه به وتعظيمه إياه ، والباء فيه للسبب ، أي أسألك بسبب ذلك أن تفعل كذا . وأما قوله - تعالى - :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=1والأرحام فقد قرأه الجمهور بالنصب . قال أكثر المفسرين : معطوف على الاسم الكريم ، أي واتقوا الأرحام أن
[ ص: 273 ] تقطعوها ، أو اتقوا إضاعة حق الأرحام بأن تصلوها ، ولا تقطعوها ، وجعله بعضهم عطفا على محل الضمير المجرور في ( به ) ، واختاره الأستاذ الإمام . وجوز
الواحدي نصبه بالإغراء كالقول المأثور عن
عمر ( رضي الله عنه ) : يا
سارية الجبل . أي الزم الجبل ولذ به . والمعنى : واحفظوا الأرحام ، وأدوا حقوقها . وقرأه
حمزة وحده بالجر ، قيل : إنه على تقدير تكرير الجار ، أي واتقوا الله الذي تساءلون به وبالأرحام ، وقد سمع عطف الاسم المظهر على الضمير المجرور بدون إعادة الجار الذي هو الأكثر ، وأنشد
nindex.php?page=showalam&ids=16076سيبويه في ذلك قولهم :
نعلق في مثل السواري سيوفنا وما بينها والكعب غوط نفانف
وقولهم :
فاليوم قد بت تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيام من عجب
وقد اعترض النحاة البصريون على
حمزة في قراءته هذه ; لأن ما ورد قليلا عن العرب لا يعدونه فصيحا ، ولا يجعلونه قاعدة بل يسمونه شاذا ، وهذا من اصطلاحاتهم ، ومثل هذه اللغات التي لم ينقل منها شواهد كثيرة قد تكون فصيحة ولكن هؤلاء النحاة مفتنون بقواعدهم ، وقد نبه الأستاذ الإمام على خطئهم في تحكيمها في كتاب الله - تعالى - على أنه ليس لهم أن يجعلوا قواعدهم حجة على عربي ما ، وقال هنا : إن الأرحام إما منصوب عطفا على لفظ الجلالة وإما مجرور عطفا على الضمير في ( به ) وهو جائز بنص هذه الآية على هذه القراءة ، وهي متواترة خلافا لبعضهم . وقال
الرازي هنا : والعجب من هؤلاء النحاة أنهم يستحسنون إثبات هذه اللغة بهذين البيتين المجهولين . ولا يستحسنون إثباتها بقراءة حمزة ، ومجاهد مع أنهما من أكابر علماء السلف في علم القرآن .
هذا ، وإن المنكرين على
حمزة جاهلون بالقراءات ، ورواياتها متعصبون لمذهب البصريين من النحاة ، والكوفيون يرون مثل هذا العطف مقيسا ، ورجح مذهبهم هذا بعض أئمة البصريين ، وأطال بعض العلماء في الانتصار له .
وقد اعترض بعضهم على قراءة
حمزة من جهة المعنى ، فقالوا : إن ذكره في مقام الأمر بالتقوى ، والترغيب فيها مخل بالبلاغة لأنه أجنبي من هذا المقام ، ثم إن فيه تقريرا لما كانت عليه الجاهلية من التساؤل بالأرحام كما يتساءل بالله - تعالى - ، وهذا مما منعه الإسلام بدليل حديث الصحيحين :
nindex.php?page=hadith&LINKID=919014من كان حالفا فليحلف بالله ، أو ليصمت وأجيب عن الأول بأن ذكر التساؤل بالأرحام ليس أجنبيا من مقام الأمر بالتقوى هنا ; لأن هذا الأمر تمهيد لحفظ حقوق القرابة والرحم ، والتزام الأحكام التي جاءت بها السورة في ذلك ، حتى إن بعض المفسرين قد أرجع قراءة الجمهور إلى قراءة
حمزة بجعل نصب ( والأرحام ) بالعطف على محل الضمير من قوله :
[ ص: 274 ] nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=1تساءلون به كما تقدم . وأجيب عن الثاني بأن
nindex.php?page=treesubj&link=16377الحلف بغير الله ليس ممنوعا مطلقا ، وإنما يمنع الحلف الذي يعتقد وجوب البر به لا ما قصد به محض التأكيد على طريقة العرب في التأكيد بصيغة القسم كالتأكيد بأن ، وأقول : إن هذا الجواب مبني على كون التساؤل بالأرحام هو قسما بها ، وهو خطأ ، فإن
nindex.php?page=treesubj&link=16359_29715السؤال بالله غير القسم بالله ، والسؤال بالرحم غير الحلف بها . وقد أوضح هذا الفرق شيخ الإسلام
ابن تيمية في القاعدة التي حرر فيها مسألة التوسل والوسيلة ، فقال ، وأجاد ، وحقق كعادته جزاه الله عن دينه ، ونفسه خير الجزاء ما نصه : " وأما
nindex.php?page=treesubj&link=29440السؤال بالمخلوق إذا كانت فيه باء السبب ( فهي ) ليست باء القسم ، وبينهما فرق ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بإبرار القسم ، وثبت عنه في الصحيحين أنه قال :
nindex.php?page=hadith&LINKID=919015إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره قال ذلك لما
nindex.php?page=hadith&LINKID=919016قال أنس بن النضر : أتكسر ثنية الربيع ؟ : لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها . فقال : يا أنس ، كتاب الله القصاص فرضي القوم وعفوا ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره وقال : رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره رواه
مسلم ، وغيره ، وقال : "
nindex.php?page=hadith&LINKID=919017ألا أخبركم بأهل الجنة ، كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره ، ألا أخبركم بأهل النار ، كل جواظ زنيم متكبر " ، وهذا في الصحيحين وكذلك ( حديث )
أنس بن النضر ، والآخر من أفراد
مسلم . . .
" والإقسام به على الغير أن يحلف المقسم على غيره ليفعل كذا ، فإن حنثه ، ولم يبر قسمه فالكفارة على الحالف لا على المحلوف عليه عند عامة الفقهاء ، كما لو حلف على عبده ، أو ولده ، أو صديقه ليفعلن شيئا ، ولم يفعله ، فالكفارة على الحالف الحانث ، وأما قوله : سألتك بالله أن تفعل كذا ، فهذا سؤال وليس بقسم ، وفي الحديث :
nindex.php?page=hadith&LINKID=919018من سألكم بالله فأعطوه ولا كفارة على هذا إذا لم يجب إلى سؤاله ،
nindex.php?page=treesubj&link=26236_19738والخلق كلهم يسألون الله : مؤمنهم ، وكافرهم ، وقد يجيب الله دعاء الكفار ، فإن الكفار يسألون الله الرزق فيرزقهم ، ويسقيهم ، وإذا مسهم الضر في البحر ضل من يدعون إلا إياه ، فلما نجاهم إلى البر أعرضوا ، وكان الإنسان كفورا .
" وأما الذين يقسمون على الله فيبر قسمهم فإنهم ناس مخصوصون ، فالسؤال كقول السائل لله : " أسألك بأن لك الحمد ، أنت الله المنان بديع السماوات والأرض ، يا ذا الجلال والإكرام " ، و " أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " ، و " أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحدا من خلقك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك " فهذا سؤال الله - تعالى - بأسمائه ، وصفاته ، وليس ذلك إقساما عليه ، فإن أفعاله هي مقتضى أسمائه ، وصفاته ، فمغفرته ورحمته من مقتضى اسمه الغفور الرحيم ، وعفوه من مقتضى اسمه العفو .
ثم قال : " فإذا سئل المسئول بشيء والباء للسبب سئل بسبب يقتضي وجود المسئول ،
[ ص: 275 ] فإذا قال : " أسألك بأن لك الحمد ، أنت الله المنان بديع السماوات والأرض " كان كونه محمودا منانا بديع السماوات والأرض يقتضي أن يمن على عبده السائل ، وكونه محمودا هو يوجب أن يفعل ما يحمد عليه ، وحمد العبد له سبب إجابة دعائه ; لهذا أمر المصلي أن يقول : " سمع الله لمن حمده " ، أي استجاب الله دعاء من حمده ، فالسماع هنا بمعنى الإجابة ، والقبول .
ثم قال : " وإذا
nindex.php?page=treesubj&link=26146_29440قال السائل لغيره أسألك بالله فإنما سأله بإيمانه بالله ، وذلك سبب لإعطاء من سأله به ، فإنه - سبحانه - يحب الإحسان إلى الخلق لاسيما إن كان المطلوب كف الظلم ، فإنه يأمر بالعدل وينهى عن الظلم ، وأمره أعظم الأسباب في حض الفاعل ، فلا سبب أولى من أن يكون مقتضيا لمسببه من أمر الله - تعالى - ، وقد جاء فيه حديث رواه
أحمد في مسنده ،
nindex.php?page=showalam&ids=13478وابن ماجه عن
nindex.php?page=showalam&ids=16574عطية العوفي عن
nindex.php?page=showalam&ids=44أبي سعيد الخدري ،
nindex.php?page=hadith&LINKID=919019عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه علم الخارج إلى الصلاة أن يقول في دعائه : " وأسألك بحق السائلين عليك ، وبحق ممشاي هذا ، فإني لم أخرج أشرا ، ولا بطرا ، ولا رياء ، ولا سمعة ، ولكن خرجت اتقاء سخطك ، وابتغاء مرضاتك " ، فإن كان هذا صحيحا ، فحق السائلين عليه أن يجيبهم ، وحق العابدين له أن يثيبهم ، فهو حق أوجبه على نفسه لهم ، كما يسأل بالإيمان والعمل الصالح الذي جعله سببا لإجابة الدعاء كما في قوله - تعالى - :
nindex.php?page=tafseer&surano=42&ayano=26ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله [ 42 : 26 ] وكما يسأل بوعده ; لأن وعده يقتضي إنجاز ما وعده ، ومنه قول المؤمنين :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=193ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار [ 3 : 193 ] وقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=23&ayano=109إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري [ 23 : 109 ، 110 ] ويشبه هذا مناشدة النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم
بدر حيث يقول :
nindex.php?page=hadith&LINKID=919020اللهم أنجز لي ما وعدتني وكذلك ما في التوراة " أن الله - تعالى - غضب على
بني إسرائيل فجعل
موسى يسأل ربه ، ويذكر ما وعد به
إبراهيم " فإنه سأله بسابق وعده
لإبراهيم . ومن
nindex.php?page=treesubj&link=29441_26146_29440السؤال بالأعمال الصالحة سؤال الثلاثة الذين آووا إلى غار فسأل كل واحد منهم بعمل عظيم أخلص فيه لله ; لأن ذلك العمل مما يحبه الله ، ويرضاه محبة تقتضي إجابة صاحبه : هذا سأل ببره لوالديه ، وهذا سأل بعفته التامة ، وهذا سأل بأمانته ، وإحسانه ، وكذلك كان
nindex.php?page=showalam&ids=10ابن مسعود يقول وقت السحر : " اللهم أمرتني فأطعتك ، ودعوتني فأجبتك ، وهذا سحر فاغفر لي " ، ومنه حديث
nindex.php?page=showalam&ids=12ابن عمر أنه كان يقول على
الصفا : " اللهم إنك قلت وقولك الحق ادعوني أستجب لكم وإنك لا تخلف الميعاد " ، ثم ذكر الدعاء المعروف عن
nindex.php?page=showalam&ids=12ابن عمر أنه كان يقوله على
الصفا .
" فقد تبين أن قول القائل : أسألك بكذا نوعان ، فإن الباء قد تكون للقسم ، وقد تكون
[ ص: 276 ] للسبب ، فقد تكون قسما به على الله ، وقد تكون سؤالا بسببه . فأما الأول فالقسم بالمخلوقات لا يجوز على المخلوق ، فكيف على الخالق . وأما الثاني فهو السؤال بالمعظم كالسؤال بحق الأنبياء فهذا فيه نزاع ، وقد تقدم عن
أبي حنيفة وأصحابه أنه لا يجوز ذلك . فنقول :
nindex.php?page=treesubj&link=28704_28703قول السائل لله - تعالى - أسألك بحق فلان وفلان من الملائكة ، والأنبياء ، والصالحين ، وغيرهم ، أو بجاه فلان ، أو بحرمة فلان يقتضي أن هؤلاء لهم عند الله جاه صحيح ، فإن هؤلاء لهم عند الله منزلة ، وجاه ، وحرمة يقتضي أن يرفع الله درجاتهم ، ويعظم أقدارهم ، ويقبل شفاعتهم إذا شفعوا مع أنه - سبحانه - قال :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=255من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه [ 2 : 255 ] ويقتضي أيضا أن من اتبعهم ، واقتدى بهم فيما سن له الاقتداء بهم فيه كان سعيدا ، ومن أطاع أمرهم الذي بلغوه عن الله كان سعيدا ، ولكن ليس نفس مجرد قدرهم ، وجاههم مما يقتضي إجابة دعائه إذا سأل الله بهم حتى يسأل الله بذلك ، بل جاههم ينفعه إذا اتبعهم ، وأطاعهم فيما أمروا به عن الله ، أو تأسى بهم فيما سنوه للمؤمنين ، وينفعه أيضا إذا دعوا له ، وشفعوا فيه ، فأما إذا لم يكن منهم دعاء ، ولا شفاعة ، ولا منه سبب يقتضي الإجابة لم يكن مستشفعا بجاههم ، ولم يكن سؤاله بجاههم نافعا له عند الله ، بل يكون قد سأل بأمر أجنبي عنه ليس سببا لنفعه ، ولو قال الرجل لمطاع كبير : أسألك بطاعة فلان لك وبحبك له على طاعتك ، وبجاهه عندك الذي أوجبته طاعته لك ، كان قد سأله بأمر أجنبي لا تعلق له به . فكذلك إحسان الله إلى هؤلاء المقربين ، ومحبته لهم ، وتعظيمه لأقدارهم مع عبادتهم له ، وطاعتهم إياه ، ليس في ذلك ما يوجب إجابة دعاء من يسأل بهم ، وإنما يوجب إجابة دعائه بسبب منه لطاعته لهم ، أو سبب منهم لشفاعتهم له ، فإذا انتفى هذا وهذا فلا سبب اهـ .
ثم قال في موضع آخر :
وقد تبين أن الإقسام على الله - سبحانه - بغيره لا يجوز ، ولا يجوز أن
nindex.php?page=treesubj&link=16377يقسم بمخلوق أصلا . وأما
nindex.php?page=treesubj&link=28702التوسل إليه بشفاعة المأذون لهم في الشفاعة فجائز . والأعمى كان قد طلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو له كما طلب الصحابة منه الاستسقاء ، وقوله : " أتوجه إليك بنبيك
محمد نبي الرحمة " أي بدعائه وشفاعته لي ; ولهذا كان تمام الحديث " اللهم فشفعه في " ، فالذي في الحديث متفق على جوازه ، وليس هو مما نحن فيه . وقد قال - تعالى - :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=1واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام فعلى قراءة الجمهور بالنصب إنما يسألون بالله وحده
[ ص: 277 ] لا بالرحم ، وتساؤلهم بالله - تعالى - يتضمن إقسام بعضهم على بعض بالله وتعاهدهم بالله . وأما على قراءة الخفض فقد قال طائفة من السلف : هو قولهم : أسألك بالله وبالرحم ، وهذا إخبار عن سؤالهم ، وقد يقال إنه ليس بدليل على جوازه ، فإن كان دليلا على جوازه فمعنى قوله : أسألك بالرحم ليس إقساما بالرحم ، والقسم هنا لا يسوغ لكن بسبب الرحم ، أي لأن الرحم توجب لأصحابها بعضهم على بعض حقوقا ،
nindex.php?page=treesubj&link=29441كسؤال الثلاثة لله - تعالى - بأعمالهم الصالحة ،
nindex.php?page=treesubj&link=28703وكسؤالنا بدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وشفاعته ، ومن هذا الباب ما روى أمير المؤمنين
nindex.php?page=showalam&ids=8علي بن أبي طالب أن ابن أخيه
عبد الله بن جعفر كان إذا سأله بحق
جعفر أعطاه ، وليس هذا من باب الإقسام ، فإن الإقسام بغير
جعفر أعظم ، بل من باب حق الرحم ; لأن حق الله إنما وجب بسبب
جعفر ،
وجعفر حقه على
علي " اهـ .
وحاصل معنى الآية : أن الله - تعالى - يقول : يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي أنشأكم ورباكم بنعمه ، اتقوه في أنفسكم ، ولا تعتدوا حدوده فيما شرعه من الحقوق والآداب لكم لإصلاح شأنكم ، فإنه خلقكم من نفس واحدة ، فكنتم جنسا واحدا ، تقوم مصلحته بتعاون أفراده ، واتحادهم ، وحفظ بعضهم حقوق بعض . فتقواه - عز وجل - فيها شكر لربوبيته ، وفيها ترقية لوحدتكم الإنسانية ، وعروج للكمال فيها . واتقوا الله في أمره ، ونهيه في حقوق الرحم التي هي أخص من حقوق الإنسانية بأن تصلوا الأرحام التي أمركم بوصلها ، ، وتحذروا ما نهاكم عنه من قطعها ، اتقوه في ذلك لما في تقواه من الخير لكم الذي يذكركم به تساؤلكم فيما بينكم باسمه الكريم ، وحقه على عباده ، وسلطانه الأعلى على قلوبهم ، وبحقوق الرحم ، وما في هذا التساؤل من الاستعطاف ، والإيلاف ، فلا تفرطوا في هاتين الرابطتين بينكم : رابطة الإيمان بالله ، وتعظيم اسمه ، ورابطة وشيجة الرحم ; فإنكم إذا فرطتم في ذلك أفسدتم فطرتكم ، فتفسد البيوت والعشائر ، والشعوب ، والقبائل .
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=1إن الله كان عليكم رقيبا أي مشرفا على أعمالكم ، ومناشئها من نفوسكم ، وتأثيرها في أحوالكم لا يخفى عليه شيء من ذلك ، فهو يشرع لكم من الأحكام ما يصلح شأنكم ويعدكم به للسعادة في الدنيا والآخرة . " الرقيب " : وصف بمعنى الراقب من: رقبه إذا أشرف عليه من مكان عال ، ومنه المرقب للمكان الذي يشرف منه الإنسان على ما دونه . وأطلق بمعنى الحفظ ، لأنه من لوازمه ، وبه فسره هنا مجاهد . وقال الأستاذ الإمام : إن الله تعالى ذكرنا هنا بمراقبته لنا لتنبيهنا إلى الإخلاص ، يعني أن
nindex.php?page=treesubj&link=19681_19696من تذكر أن الله مشرف عليه مراقب لأعماله كان جديرا بأن يتقيه ، ويلتزم حدوده .
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=1nindex.php?page=treesubj&link=28975وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ قَرَأَ
عَاصِمٌ ،
وَحَمْزَةُ ،
nindex.php?page=showalam&ids=15080وَالْكِسَائِيُّ " تَسَاءَلُونَ " بِتَخْفِيفِ السِّينِ ، وَأَصْلُهُ : تَتَسَاءَلُونَ ، فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ لِلتَّخْفِيفِ ، وَالْبَاقُونَ بِتَشْدِيدِهَا بِإِدْغَامِ التَّاءِ فِي السِّينِ لِتَقَارُبِهِمَا فِي الْمَخْرَجِ ، وَكُلٌّ مِنَ الْوَجْهَيْنِ فَصِيحٌ مَعْهُودٌ عَنِ الْعَرَبِ فِي صِيغَةِ تَتَفَاعَلُونَ .
وَالْمَعْنَى : اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي يَسْأَلُ بِهِ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِأَنْ يَقُولَ : سَأَلْتُكَ بِاللَّهِ أَنْ تَقْضِيَ هَذِهِ الْحَاجَةَ ، يَرْجُو بِذَلِكَ إِجَابَةَ سُؤَالِهِ . فَمَعْنَى سُؤَالِهِ بِاللَّهِ سُؤَالُهُ بِإِيمَانِهِ بِهِ وَتَعْظِيمِهِ إِيَّاهُ ، وَالْبَاءُ فِيهِ لِلسَّبَبِ ، أَيْ أَسْأَلُكَ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى - :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=1وَالْأَرْحَامَ فَقَدْ قَرَأَهُ الْجُمْهُورُ بِالنَّصْبِ . قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ : مَعْطُوفٌ عَلَى الِاسْمِ الْكَرِيمِ ، أَيْ وَاتَّقُوا الْأَرْحَامَ أَنْ
[ ص: 273 ] تَقْطَعُوهَا ، أَوِ اتَّقُوا إِضَاعَةَ حَقِّ الْأَرْحَامِ بِأَنْ تَصِلُوهَا ، وَلَا تَقْطَعُوهَا ، وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ عَطْفًا عَلَى مَحَلِّ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ فِي ( بِهِ ) ، وَاخْتَارَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ . وَجَوَّزَ
الْوَاحِدِيُّ نَصْبَهُ بِالْإِغْرَاءِ كَالْقَوْلِ الْمَأْثُورِ عَنْ
عُمَرَ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) : يَا
سَارِيَةُ الْجَبَلَ . أَيِ الْزَمِ الْجَبَلَ وَلُذْ بِهِ . وَالْمَعْنَى : وَاحْفَظُوا الْأَرْحَامَ ، وَأَدُّوا حُقُوقَهَا . وَقَرَأَهُ
حَمْزَةُ وَحْدَهُ بِالْجَرِّ ، قِيلَ : إِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ تَكْرِيرِ الْجَارِّ ، أَيْ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَبِالْأَرْحَامِ ، وَقَدْ سُمِعَ عَطْفُ الِاسْمِ الْمُظْهَرِ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ بِدُونِ إِعَادَةِ الْجَارِّ الَّذِي هُوَ الْأَكْثَرُ ، وَأَنْشَدَ
nindex.php?page=showalam&ids=16076سِيبَوَيْهِ فِي ذَلِكَ قَوْلَهُمْ :
نُعَلِّقُ فِي مِثْلِ السَّوَارِي سُيُوفَنَا وَمَا بَيْنَهَا وَالْكَعْبِ غُوطٌ نَفَانِفُ
وَقَوْلُهُمْ :
فَالْيَوْمَ قَدْ بِتَّ تَهْجُونَا وَتَشْتُمُنَا فَاذْهَبْ فَمَا بِكَ وَالْأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ
وَقَدِ اعْتَرَضَ النُّحَاةُ الْبَصْرِيُّونَ عَلَى
حَمْزَةَ فِي قِرَاءَتِهِ هَذِهِ ; لِأَنَّ مَا وَرَدَ قَلِيلًا عَنِ الْعَرَبِ لَا يَعُدُّونَهُ فَصِيحًا ، وَلَا يَجْعَلُونَهُ قَاعِدَةً بَلْ يُسَمُّونَهُ شَاذًّا ، وَهَذَا مِنَ اصْطِلَاحَاتِهِمْ ، وَمِثْلُ هَذِهِ اللُّغَاتِ الَّتِي لَمْ يُنْقَلْ مِنْهَا شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ قَدْ تَكُونُ فَصِيحَةً وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ النُّحَاةَ مَفْتُنُونَ بِقَوَاعِدِهِمْ ، وَقَدْ نَبَّهَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ عَلَى خَطَئِهِمْ فِي تَحْكِيمِهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا قَوَاعِدَهُمْ حُجَّةً عَلَى عَرَبِيٍّ مَا ، وَقَالَ هُنَا : إِنَّ الْأَرْحَامَ إِمَّا مَنْصُوبٌ عَطْفًا عَلَى لَفْظِ الْجَلَالَةِ وَإِمَّا مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ فِي ( بِهِ ) وَهُوَ جَائِزٌ بِنَصِّ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ ، وَهِيَ مُتَوَاتِرَةٌ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ . وَقَالَ
الرَّازِيُّ هُنَا : وَالْعَجَبُ مِنْ هَؤُلَاءِ النُّحَاةِ أَنَّهُمْ يَسْتَحْسِنُونَ إِثْبَاتَ هَذِهِ اللُّغَةِ بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ الْمَجْهُولَيْنِ . وَلَا يَسْتَحْسِنُونَ إِثْبَاتَهَا بِقِرَاءَةِ حَمْزَةَ ، وَمُجَاهِدٍ مَعَ أَنَّهُمَا مِنْ أَكَابِرِ عُلَمَاءِ السَّلَفِ فِي عِلْمِ الْقُرْآنِ .
هَذَا ، وَإِنَّ الْمُنْكِرِينَ عَلَى
حَمْزَةَ جَاهِلُونَ بِالْقِرَاءَاتِ ، وَرِوَايَاتِهَا مُتَعَصِّبُونَ لِمَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ مِنَ النُّحَاةِ ، وَالْكُوفِيُّونَ يَرَوْنَ مِثْلَ هَذَا الْعَطْفِ مَقِيسًا ، وَرَجَّحَ مَذْهَبَهُمْ هَذَا بَعْضُ أَئِمَّةِ الْبَصْرِيِّينَ ، وَأَطَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي الِانْتِصَارِ لَهُ .
وَقَدِ اعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ عَلَى قِرَاءَةِ
حَمْزَةَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى ، فَقَالُوا : إِنَّ ذِكْرَهُ فِي مَقَامِ الْأَمْرِ بِالتَّقْوَى ، وَالتَّرْغِيبِ فِيهَا مُخِلٌّ بِالْبَلَاغَةِ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْ هَذَا الْمَقَامِ ، ثُمَّ إِنَّ فِيهِ تَقْرِيرًا لِمَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ مِنَ التَّسَاؤُلِ بِالْأَرْحَامِ كَمَا يُتَسَاءَلُ بِاللَّهِ - تَعَالَى - ، وَهَذَا مِمَّا مَنَعَهُ الْإِسْلَامُ بِدَلِيلِ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ :
nindex.php?page=hadith&LINKID=919014مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ ، أَوْ لِيَصْمُتْ وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ ذِكْرَ التَّسَاؤُلِ بِالْأَرْحَامِ لَيْسَ أَجْنَبِيًّا مِنْ مَقَامِ الْأَمْرِ بِالتَّقْوَى هُنَا ; لِأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ تَمْهِيدٌ لِحِفْظِ حُقُوقِ الْقَرَابَةِ وَالرَّحِمِ ، وَالْتِزَامِ الْأَحْكَامِ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا السُّورَةُ فِي ذَلِكَ ، حَتَّى إِنَّ بَعْضَ الْمُفَسِّرِينَ قَدْ أَرْجَعَ قِرَاءَةَ الْجُمْهُورِ إِلَى قِرَاءَةِ
حَمْزَةَ بِجَعْلِ نَصْبِ ( وَالْأَرْحَامَ ) بِالْعَطْفِ عَلَى مَحَلِّ الضَّمِيرِ مِنْ قَوْلِهِ :
[ ص: 274 ] nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=1تَسَاءَلُونَ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ . وَأُجِيبَ عَنِ الثَّانِي بِأَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=16377الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ لَيْسَ مَمْنُوعًا مُطْلَقًا ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ الْحَلِفُ الَّذِي يُعْتَقَدُ وُجُوبُ الْبِرِّ بِهِ لَا مَا قُصِدَ بِهِ مَحْضُ التَّأْكِيدِ عَلَى طَرِيقَةِ الْعَرَبِ فِي التَّأْكِيدِ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ كَالتَّأْكِيدِ بِأَنَّ ، وَأَقُولُ : إِنَّ هَذَا الْجَوَابَ مَبْنِيٌّ عَلَى كَوْنِ التَّسَاؤُلِ بِالْأَرْحَامِ هُوَ قَسَمًا بِهَا ، وَهُوَ خَطَأٌ ، فَإِنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=16359_29715السُّؤَالَ بِاللَّهِ غَيْرُ الْقَسَمِ بِاللَّهِ ، وَالسُّؤَالَ بِالرَّحِمِ غَيْرُ الْحَلِفِ بِهَا . وَقَدْ أَوْضَحَ هَذَا الْفَرْقَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ
ابْنُ تَيْمِيَةَ فِي الْقَاعِدَةِ الَّتِي حَرَّرَ فِيهَا مَسْأَلَةَ التَّوَسُّلِ وَالْوَسِيلَةِ ، فَقَالَ ، وَأَجَادَ ، وَحَقَّقَ كَعَادَتِهِ جَزَاهُ اللَّهُ عَنْ دِينِهِ ، وَنَفْسِهِ خَيْرَ الْجَزَاءِ مَا نَصُّهُ : " وَأَمَّا
nindex.php?page=treesubj&link=29440السُّؤَالُ بِالْمَخْلُوقِ إِذَا كَانَتْ فِيهِ بَاءُ السَّبَبِ ( فَهِيَ ) لَيْسَتْ بَاءَ الْقَسَمِ ، وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِإِبْرَارِ الْقَسَمِ ، وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ قَالَ :
nindex.php?page=hadith&LINKID=919015إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ قَالَ ذَلِكَ لَمَّا
nindex.php?page=hadith&LINKID=919016قَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ : أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ ؟ : لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا . فَقَالَ : يَا أَنَسُ ، كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَعَفَوْا ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لِأَبَرَّهُ وَقَالَ : رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ رَوَاهُ
مُسْلِمٌ ، وَغَيْرُهُ ، وَقَالَ : "
nindex.php?page=hadith&LINKID=919017أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ ، كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ ، كُلُّ جَوَّاظٍ زَنِيمٍ مُتَكَبِّرٍ " ، وَهَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَكَذَلِكَ ( حَدِيثُ )
أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ ، وَالْآخَرُ مِنْ أَفْرَادِ
مُسْلِمٍ . . .
" وَالْإِقْسَامُ بِهِ عَلَى الْغَيْرِ أَنْ يَحْلِفَ الْمُقْسِمُ عَلَى غَيْرِهِ لَيَفْعَلُ كَذَا ، فَإِنْ حَنِثَهُ ، وَلَمْ يَبَرَّ قَسَمَهُ فَالْكَفَّارَةُ عَلَى الْحَالِفِ لَا عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى عَبْدِهِ ، أَوْ وَلَدِهِ ، أَوْ صَدِيقِهِ لَيَفْعَلَنَّ شَيْئًا ، وَلَمْ يَفْعَلْهُ ، فَالْكَفَّارَةُ عَلَى الْحَالِفِ الْحَانِثِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : سَأَلْتُكَ بِاللَّهِ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا ، فَهَذَا سُؤَالٌ وَلَيْسَ بِقَسَمٍ ، وَفِي الْحَدِيثِ :
nindex.php?page=hadith&LINKID=919018مَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى هَذَا إِذَا لَمْ يُجِبْ إِلَى سُؤَالِهِ ،
nindex.php?page=treesubj&link=26236_19738وَالْخَلْقُ كُلُّهُمْ يَسْأَلُونَ اللَّهَ : مُؤْمِنُهُمْ ، وَكَافِرُهُمْ ، وَقَدْ يُجِيبُ اللَّهُ دُعَاءَ الْكُفَّارِ ، فَإِنَّ الْكُفَّارَ يَسْأَلُونَ اللَّهَ الرِّزْقَ فَيَرْزُقُهُمْ ، وَيَسْقِيهِمْ ، وَإِذَا مَسَّهُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ يَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ، فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضُوا ، وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا .
" وَأَمَّا الَّذِينَ يُقْسِمُونَ عَلَى اللَّهِ فَيَبَرُّ قَسَمَهُمْ فَإِنَّهُمْ نَاسٌ مَخْصُوصُونَ ، فَالسُّؤَالُ كَقَوْلِ السَّائِلِ لِلَّهِ : " أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ ، أَنْتَ اللَّهُ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ " ، وَ " أَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ " ، وَ " أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ " فَهَذَا سُؤَالُ اللَّهِ - تَعَالَى - بِأَسْمَائِهِ ، وَصِفَاتِهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِقْسَامًا عَلَيْهِ ، فَإِنَّ أَفْعَالَهُ هِيَ مُقْتَضَى أَسْمَائِهِ ، وَصِفَاتِهِ ، فَمَغْفِرَتُهُ وَرَحْمَتُهُ مِنْ مُقْتَضَى اسْمِهِ الْغَفُورِ الرَّحِيمِ ، وَعَفْوُهُ مِنْ مُقْتَضَى اسْمِهِ الْعَفُوِّ .
ثُمَّ قَالَ : " فَإِذَا سُئِلَ الْمَسْئُولُ بِشَيْءٍ وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِ سُئِلَ بِسَبَبٍ يَقْتَضِي وُجُودَ الْمَسْئُولِ ،
[ ص: 275 ] فَإِذَا قَالَ : " أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ ، أَنْتَ اللَّهُ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " كَانَ كَوْنُهُ مَحْمُودًا مَنَّانًا بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَقْتَضِي أَنْ يَمُنَّ عَلَى عَبْدِهِ السَّائِلِ ، وَكَوْنُهُ مَحْمُودًا هُوَ يُوجِبُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يُحْمَدُ عَلَيْهِ ، وَحَمْدُ الْعَبْدِ لَهُ سَبَبُ إِجَابَةِ دُعَائِهِ ; لِهَذَا أَمَرَ الْمُصَلِّيَ أَنْ يَقُولَ : " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " ، أَيِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَ مَنْ حَمِدَهُ ، فَالسَّمَاعُ هُنَا بِمَعْنَى الْإِجَابَةِ ، وَالْقَبُولِ .
ثُمَّ قَالَ : " وَإِذَا
nindex.php?page=treesubj&link=26146_29440قَالَ السَّائِلُ لِغَيْرِهِ أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ فَإِنَّمَا سَأَلَهُ بِإِيمَانِهِ بِاللَّهِ ، وَذَلِكَ سَبَبٌ لِإِعْطَاءِ مَنْ سَأَلَهُ بِهِ ، فَإِنَّهُ - سُبْحَانَهُ - يُحِبُّ الْإِحْسَانَ إِلَى الْخَلْقِ لَاسِيَّمَا إِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ كَفَّ الظُّلْمِ ، فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَيَنْهَى عَنِ الظُّلْمِ ، وَأَمْرُهُ أَعْظَمُ الْأَسْبَابِ فِي حَضِّ الْفَاعِلِ ، فَلَا سَبَبَ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ مُقْتَضِيًا لِمُسَبِّبِهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - ، وَقَدْ جَاءَ فِيهِ حَدِيثٌ رَوَاهُ
أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ،
nindex.php?page=showalam&ids=13478وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ
nindex.php?page=showalam&ids=16574عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ عَنْ
nindex.php?page=showalam&ids=44أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ،
nindex.php?page=hadith&LINKID=919019عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ عَلَّمَ الْخَارِجَ إِلَى الصَّلَاةِ أَنْ يَقُولَ فِي دُعَائِهِ : " وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ ، وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا ، فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا ، وَلَا بَطَرًا ، وَلَا رِيَاءً ، وَلَا سُمْعَةً ، وَلَكِنْ خَرَجْتُ اتِّقَاءَ سَخَطِكَ ، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ " ، فَإِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا ، فَحَقُّ السَّائِلِينَ عَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَهُمْ ، وَحَقُّ الْعَابِدِينَ لَهُ أَنْ يُثِيبَهُمْ ، فَهُوَ حَقٌّ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ لَهُمْ ، كَمَا يُسْأَلُ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - :
nindex.php?page=tafseer&surano=42&ayano=26وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [ 42 : 26 ] وَكَمَا يُسْأَلُ بِوَعْدِهِ ; لِأَنَّ وَعْدَهُ يَقْتَضِي إِنْجَازَ مَا وَعَدَهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُؤْمِنِينَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=193رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ [ 3 : 193 ] وَقَوْلُهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=23&ayano=109إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي [ 23 : 109 ، 110 ] وَيُشْبِهُ هَذَا مُنَاشَدَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ
بَدْرٍ حَيْثُ يَقُولُ :
nindex.php?page=hadith&LINKID=919020اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي وَكَذَلِكَ مَا فِي التَّوْرَاةِ " أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - غَضِبَ عَلَى
بَنِي إِسْرَائِيلَ فَجَعَلَ
مُوسَى يَسْأَلُ رَبَّهُ ، وَيَذْكُرُ مَا وَعَدَ بِهِ
إِبْرَاهِيمَ " فَإِنَّهُ سَأَلَهُ بِسَابِقِ وَعْدِهِ
لِإِبْرَاهِيمَ . وَمِنَ
nindex.php?page=treesubj&link=29441_26146_29440السُّؤَالِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ سُؤَالُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ آوَوْا إِلَى غَارٍ فَسَأَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعَمَلٍ عَظِيمٍ أَخْلَصَ فِيهِ لِلَّهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ الْعَمَلَ مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ ، وَيَرْضَاهُ مَحَبَّةً تَقْتَضِي إِجَابَةَ صَاحِبِهِ : هَذَا سَأَلَ بِبِرِّهِ لِوَالِدَيْهِ ، وَهَذَا سَأَلَ بِعِفَّتِهِ التَّامَّةِ ، وَهَذَا سَأَلَ بِأَمَانَتِهِ ، وَإِحْسَانِهِ ، وَكَذَلِكَ كَانَ
nindex.php?page=showalam&ids=10ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ وَقْتَ السَّحَرِ : " اللَّهُمَّ أَمَرْتَنِي فَأَطَعْتُكَ ، وَدَعَوْتَنِي فَأَجَبْتُكَ ، وَهَذَا سَحَرُ فَاغْفِرْ لِي " ، وَمِنْهُ حَدِيثُ
nindex.php?page=showalam&ids=12ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عَلَى
الصَّفَا : " اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ وَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ " ، ثُمَّ ذَكَرَ الدُّعَاءَ الْمَعْرُوفَ عَنِ
nindex.php?page=showalam&ids=12ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ عَلَى
الصَّفَا .
" فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ : أَسْأَلُكَ بِكَذَا نَوْعَانِ ، فَإِنَّ الْبَاءَ قَدْ تَكُونُ لِلْقَسَمِ ، وَقَدْ تَكُونُ
[ ص: 276 ] لِلسَّبَبِ ، فَقَدْ تَكُونُ قَسَمًا بِهِ عَلَى اللَّهِ ، وَقَدْ تَكُونُ سُؤَالًا بِسَبَبِهِ . فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَالْقَسَمُ بِالْمَخْلُوقَاتِ لَا يَجُوزُ عَلَى الْمَخْلُوقِ ، فَكَيْفَ عَلَى الْخَالِقِ . وَأَمَّا الثَّانِي فَهُوَ السُّؤَالُ بِالْمُعَظَّمِ كَالسُّؤَالِ بِحَقِّ الْأَنْبِيَاءِ فَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ
أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ . فَنَقُولُ :
nindex.php?page=treesubj&link=28704_28703قَوْلُ السَّائِلِ لِلَّهِ - تَعَالَى - أَسْأَلُكَ بِحَقِّ فُلَانٍ وَفُلَانٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، وَالْأَنْبِيَاءِ ، وَالصَّالِحِينَ ، وَغَيْرِهِمْ ، أَوْ بِجَاهِ فُلَانٍ ، أَوْ بِحُرْمَةِ فُلَانٍ يَقْتَضِي أَنَّ هَؤُلَاءِ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ جَاهٌ صَحِيحٌ ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ ، وَجَاهٌ ، وَحُرْمَةٌ يَقْتَضِي أَنْ يَرْفَعَ اللَّهُ دَرَجَاتِهِمْ ، وَيُعَظِّمَ أَقْدَارَهُمْ ، وَيَقْبَلَ شَفَاعَتَهُمْ إِذَا شَفَعُوا مَعَ أَنَّهُ - سُبْحَانَهُ - قَالَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=255مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [ 2 : 255 ] وَيَقْتَضِي أَيْضًا أَنَّ مَنِ اتَّبَعَهُمْ ، وَاقْتَدَى بِهِمْ فِيمَا سُنَّ لَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ فِيهِ كَانَ سَعِيدًا ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمْرَهُمُ الَّذِي بَلَّغُوهُ عَنِ اللَّهِ كَانَ سَعِيدًا ، وَلَكِنْ لَيْسَ نَفْسُ مُجَرَّدِ قَدْرِهِمْ ، وَجَاهِهِمْ مِمَّا يَقْتَضِي إِجَابَةَ دُعَائِهِ إِذَا سَأَلَ اللَّهَ بِهِمْ حَتَّى يَسْأَلَ اللَّهَ بِذَلِكَ ، بَلْ جَاهُهُمْ يَنْفَعُهُ إِذَا اتَّبَعَهُمْ ، وَأَطَاعَهُمْ فِيمَا أَمَرُوا بِهِ عَنِ اللَّهِ ، أَوْ تَأَسَّى بِهِمْ فِيمَا سَنُّوهُ لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَيَنْفَعُهُ أَيْضًا إِذَا دَعَوْا لَهُ ، وَشَفَعُوا فِيهِ ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ دُعَاءٌ ، وَلَا شَفَاعَةٌ ، وَلَا مِنْهُ سَبَبٌ يَقْتَضِي الْإِجَابَةَ لَمْ يَكُنْ مُسْتَشْفَعًا بِجَاهِهِمْ ، وَلَمْ يَكُنْ سُؤَالُهُ بِجَاهِهِمْ نَافِعًا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ ، بَلْ يَكُونُ قَدْ سَأَلَ بِأَمْرٍ أَجْنَبِيٍّ عَنْهُ لَيْسَ سَبَبًا لِنَفْعِهِ ، وَلَوْ قَالَ الرَّجُلُ لِمُطَاعٍ كَبِيرٍ : أَسْأَلُكَ بِطَاعَةِ فُلَانٍ لَكَ وَبِحُبِّكَ لَهُ عَلَى طَاعَتِكَ ، وَبِجَاهِهِ عِنْدَكَ الَّذِي أَوْجَبَتْهُ طَاعَتُهُ لَكَ ، كَانَ قَدْ سَأَلَهُ بِأَمْرٍ أَجْنَبِيٍّ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ . فَكَذَلِكَ إِحْسَانُ اللَّهِ إِلَى هَؤُلَاءِ الْمُقَرَّبِينَ ، وَمَحَبَّتُهُ لَهُمْ ، وَتَعْظِيمُهُ لِأَقْدَارِهِمْ مَعَ عِبَادَتِهِمْ لَهُ ، وَطَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ ، لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ إِجَابَةَ دُعَاءِ مَنْ يَسْأَلُ بِهِمْ ، وَإِنَّمَا يُوجِبُ إِجَابَةَ دُعَائِهِ بِسَبَبٍ مِنْهُ لِطَاعَتِهِ لَهُمْ ، أَوْ سَبَبٍ مِنْهُمْ لِشَفَاعَتِهِمْ لَهُ ، فَإِذَا انْتَفَى هَذَا وَهَذَا فَلَا سَبَبَ اهـ .
ثُمَّ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ :
وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْإِقْسَامَ عَلَى اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - بِغَيْرِهِ لَا يَجُوزُ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ
nindex.php?page=treesubj&link=16377يُقْسَمَ بِمَخْلُوقٍ أَصْلًا . وَأَمَّا
nindex.php?page=treesubj&link=28702التَّوَسُّلُ إِلَيْهِ بِشَفَاعَةِ الْمَأْذُونِ لَهُمْ فِي الشَّفَاعَةِ فَجَائِزٌ . وَالْأَعْمَى كَانَ قَدْ طَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَدْعُوَ لَهُ كَمَا طَلَبَ الصَّحَابَةُ مِنْهُ الِاسْتِسْقَاءَ ، وَقَوْلُهُ : " أَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ
مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ " أَيْ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ لِي ; وَلِهَذَا كَانَ تَمَامُ الْحَدِيثِ " اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ " ، فَالَّذِي فِي الْحَدِيثِ مُتَّفَقٌ عَلَى جَوَازِهِ ، وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ . وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى - :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=1وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ فَعَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ بِالنَّصْبِ إِنَّمَا يَسْأَلُونَ بِاللَّهِ وَحْدَهُ
[ ص: 277 ] لَا بِالرَّحِمِ ، وَتَسَاؤُلُهُمْ بِاللَّهِ - تَعَالَى - يَتَضَمَّنُ إِقْسَامَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بِاللَّهِ وَتَعَاهُدَهُمْ بِاللَّهِ . وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ الْخَفْضِ فَقَدْ قَالَ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ : هُوَ قَوْلُهُمْ : أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ وَبِالرَّحِمِ ، وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ سُؤَالِهِمْ ، وَقَدْ يُقَالُ إِنَّهُ لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى جَوَازِهِ ، فَإِنْ كَانَ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِهِ فَمَعْنَى قَوْلِهِ : أَسْأَلُكَ بِالرَّحِمِ لَيْسَ إِقْسَامًا بِالرَّحِمِ ، وَالْقَسَمُ هُنَا لَا يَسُوغُ لَكِنْ بِسَبَبِ الرَّحِمِ ، أَيْ لِأَنَّ الرَّحِمَ تُوجِبُ لِأَصْحَابِهَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ حُقُوقًا ،
nindex.php?page=treesubj&link=29441كَسُؤَالِ الثَّلَاثَةِ لِلَّهِ - تَعَالَى - بِأَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ ،
nindex.php?page=treesubj&link=28703وَكَسُؤَالِنَا بِدُعَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَفَاعَتِهِ ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا رَوَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ
nindex.php?page=showalam&ids=8عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ ابْنَ أَخِيهِ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ كَانَ إِذَا سَأَلَهُ بِحَقِّ
جَعْفَرٍ أَعْطَاهُ ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْإِقْسَامِ ، فَإِنَّ الْإِقْسَامَ بِغَيْرِ
جَعْفَرٍ أَعْظَمُ ، بَلْ مِنْ بَابِ حَقِّ الرَّحِمِ ; لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ إِنَّمَا وَجَبَ بِسَبَبِ
جَعْفَرٍ ،
وَجَعْفَرٌ حَقُّهُ عَلَى
عَلِيٍّ " اهـ .
وَحَاصِلُ مَعْنَى الْآيَةِ : أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَقُولُ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَرَبَّاكُمْ بِنِعَمِهِ ، اتَّقُوهُ فِي أَنْفُسِكُمْ ، وَلَا تَعْتَدُوا حُدُودَهُ فِيمَا شَرَعَهُ مِنَ الْحُقُوقِ وَالْآدَابِ لَكُمْ لِإِصْلَاحِ شَأْنِكُمْ ، فَإِنَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ، فَكُنْتُمْ جِنْسًا وَاحِدًا ، تَقُومُ مَصْلَحَتُهُ بِتَعَاوُنِ أَفْرَادِهِ ، وَاتِّحَادِهِمْ ، وَحِفْظِ بَعْضِهِمْ حُقُوقَ بَعْضٍ . فَتَقْوَاهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِيهَا شُكْرٌ لِرُبُوبِيَّتِهِ ، وَفِيهَا تَرْقِيَةٌ لِوَحْدَتِكُمُ الْإِنْسَانِيَّةِ ، وَعُرُوجٌ لِلْكَمَالِ فِيهَا . وَاتَّقُوا اللَّهَ فِي أَمْرِهِ ، وَنَهْيِهِ فِي حُقُوقِ الرَّحِمِ الَّتِي هِيَ أَخَصُّ مِنْ حُقُوقِ الْإِنْسَانِيَّةِ بِأَنْ تَصِلُوا الْأَرْحَامَ الَّتِي أَمَرَكُمْ بِوَصْلِهَا ، ، وَتَحْذَرُوا مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ مِنْ قَطْعِهَا ، اتَّقُوهُ فِي ذَلِكَ لِمَا فِي تَقْوَاهُ مِنَ الْخَيْرِ لَكُمُ الَّذِي يُذَكِّرُكُمْ بِهِ تَسَاؤُلُكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ بِاسْمِهِ الْكَرِيمِ ، وَحَقِّهِ عَلَى عِبَادِهِ ، وَسُلْطَانِهِ الْأَعْلَى عَلَى قُلُوبِهِمْ ، وَبِحُقُوقِ الرَّحِمِ ، وَمَا فِي هَذَا التَّسَاؤُلِ مِنْ الِاسْتِعْطَافِ ، وَالْإِيلَافِ ، فَلَا تُفَرِّطُوا فِي هَاتَيْنِ الرَّابِطَتَيْنِ بَيْنَكُمْ : رَابِطَةِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ ، وَتَعْظِيمِ اسْمِهِ ، وَرَابِطَةِ وَشِيجَةِ الرَّحِمِ ; فَإِنَّكُمْ إِذَا فَرَّطْتُمْ فِي ذَلِكَ أَفْسَدْتُمْ فِطْرَتَكُمْ ، فَتَفْسَدُ الْبُيُوتُ وَالْعَشَائِرُ ، وَالشُّعُوبُ ، وَالْقَبَائِلُ .
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=1إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا أَيْ مُشْرِفًا عَلَى أَعْمَالِكُمْ ، وَمَنَاشِئِهَا مِنْ نُفُوسِكُمْ ، وَتَأْثِيرِهَا فِي أَحْوَالِكُمْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، فَهُوَ يُشَرِّعُ لَكُمْ مِنَ الْأَحْكَامِ مَا يُصْلِحُ شَأْنَكُمْ وَيَعُدُّكُمْ بِهِ لِلسَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . " الرَّقِيبُ " : وَصْفٌ بِمَعْنَى الرَّاقِبِ مِنْ: رَقَبَهُ إِذَا أَشْرَفَ عَلَيْهِ مِنْ مَكَانٍ عَالٍ ، وَمِنْهُ الْمَرْقَبُ لِلْمَكَانِ الَّذِي يُشْرِفُ مِنْهُ الْإِنْسَانُ عَلَى مَا دُونَهُ . وَأُطْلِقَ بِمَعْنَى الْحِفْظِ ، لِأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِهِ ، وَبِهِ فَسَّرَهُ هُنَا مُجَاهِدٌ . وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَّرَنَا هُنَا بِمُرَاقَبَتِهِ لَنَا لِتَنْبِيهِنَا إِلَى الْإِخْلَاصِ ، يَعْنِي أَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=19681_19696مَنْ تَذَكَّرَ أَنَّ اللَّهَ مُشْرِفٌ عَلَيْهِ مُرَاقِبٌ لِأَعْمَالِهِ كَانَ جَدِيرًا بِأَنْ يَتَّقِيَهُ ، وَيَلْتَزِمَ حُدُودَهُ .