الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام والركوع وفي الرفع من الركوع وأنه لا يفعله إذا رفع من السجود

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام والركوع وفي الرفع من الركوع وأنه لا يفعله إذا رفع من السجود

390 حدثنا يحيى بن يحيى التميمي وسعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب وابن نمير كلهم عن سفيان بن عيينة واللفظ ليحيى قال أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه وقبل أن يركع وإذا رفع من الركوع ولا يرفعهما بين السجدتين

التالي السابق


باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام والركوع وفي الرفع من الركوع وأنه لا يفعله إذا رفع من السجود فيه ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا افتتح الصلاة رفع يديه [ ص: 73 ] حتى يحاذي منكبيه ، وقبل أن يركع ، وإذا رفع من الركوع ، ولا يرفعهما بين السجدتين وفي رواية : ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود وفي رواية : إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ثم كبر وفي رواية مالك بن الحويرث : إذا صلى كبر ثم رفع يديه .

وفي رواية له : إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه وفي رواية : حتى يحاذي بهما فروع أذنيه أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبير الإحرام ، واختلفوا فيما سواها ، فقال الشافعي وأحمد وجمهور من العلماء من الصحابة - رضي الله عنهم - فمن بعدهم : يستحب رفعهما أيضا عند الركوع وعند الرفع منه ، وهو رواية عن مالك وللشافعي قول أنه يستحب رفعهما في موضع آخر رابع وهو إذا قام من التشهد الأول ، وهذا القول هو الصواب ، فقد صح فيه حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يفعله ، رواه البخاري وصح أيضا من حديث أبي حميد الساعدي ، رواه أبو داود والترمذي بأسانيد صحيحة .

وقال أبو بكر بن المنذر ، وأبو علي الطبري من أصحابنا ، وبعض أهل الحديث : يستحب أيضا في السجود ، وقال أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من أهل الكوفة : لا يستحب في غير تكبيرة الإحرام ، وهو أشهر الروايات عن مالك ، وأجمعوا على أنه لا يجب شيء من الرفع ، وحكي عن داود إيجابه عند تكبيرة الإحرام ، وبهذا قال الإمام أبو الحسن [ ص: 74 ] أحمد بن سيار السياري من أصحابنا أصحاب الوجوه ، وقد حكيته عنه في " شرح المهذب " ، وفي " تهذيب اللغات " .

وأما صفة الرفع فالمشهور من مذهبنا ومذهب الجماهير أنه يرفع يديه حذو منكبيه بحيث تحاذي أطراف أصابعه فروع أذنيه أي أعلى أذنيه ، وإبهاماه شحمتي أذنيه ، وراحتاه منكبيه ، فهذا معنى قولهم : حذو منكبيه ، وبهذا جمع الشافعي - رضي الله عنه - بين روايات الأحاديث فاستحسن الناس ذلك منه .

وأما وقت الرفع ففي الرواية الأولى رفع يديه ثم كبر ، وفي الثانية كبر ثم رفع يديه ، وفي الثالثة إذا كبر رفع يديه ، ولأصحابنا فيه أوجه أحدها يرفع غير مكبر ، ثم يبتدئ التكبير مع إرسال اليدين . وينهيه مع انتهائه . والثاني يرفع غير مكبر ، ثم يكبر ويداه قارتان ، ثم يرسلهما . والثالث يبتدئ الرفع من ابتدائه التكبير ، وينهيهما معا . والرابع يبتدئ بهما معا وينهي التكبير مع انتهاء الإرسال . والخامس وهو الأصح يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير ، ولا استحباب في الانتهاء . فإن فرغ من التكبير قبل تمام الرفع أو بالعكس تمم الباقي ، وإن فرغ منهما حط يديه ولم يستدم الرفع . ولو كان أقطع اليدين من المعصم أو إحداهما رفع الساعد ، وإن قطع من الساعد رفع العضد على الأصح ، وقيل : لا يرفعه لو لم يقدر على الرفع إلا بزيادة على المشروع أو نقص منه فعل الممكن ، فإن أمكن فعل الزائد ، ويستحب أن يكون كفاه إلى القبلة عند الرفع ، وأن يكشفهما وأن يفرق بين أصابعهما تفريقا وسطا ، ولو ترك الرفع حتى أتى ببعض التكبير رفعهما في الباقي ، فلو تركه حتى أتمه لم يرفعهما بعده ، ولا يقصر التكبير بحيث لا يفهم ، ولا يبالغ في مده بالتمطيط ، بل يأتي به مبينا . وهل يمده أو يخففه؟ فيه وجهان أصحهما يخففه ، وإذا وضع يديه حطهما تحت صدره فوق سرته هذا مذهب الشافعي والأكثرين ، وقال أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي تحت سرته والأصح أنه إذا أرسلهما أرسلهما إرسالا خفيفا إلى تحت صدره فقط . ثم يضع اليمين على اليسار ، وقيل : يرسلهما إرسالا بليغا ثم يستأنف رفعهما إلى تحت صدره والله أعلم .

واختلفت عبارات العلماء في الحكمة في رفع اليدين فقال الشافعي - رضي الله عنه - : فعلته إعظاما لله تعالى واتباعا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال غيره : هو استكانة واستسلام وانقياد ، وكان الأسير إذا غلب مد يديه علامة للاستسلام ، وقيل : هو إشارة إلى استعظام ما دخل فيه ، وقيل : إشارة إلى طرح أمور الدنيا والإقبال بكليته على الصلاة ومناجاة ربه - سبحانه وتعالى - كما تضمن ذلك قوله : ( الله أكبر ) ، فيطابق فعله قوله ، وقيل : إشارة إلى دخوله في الصلاة وهذا الأخير مختص بالرفع لتكبيرة الإحرام ، وقيل غير ذلك ، وفي أكثرها نظر . والله أعلم .

وقوله : إذا قام إلى الصلاة رفع يديه ثم كبر فيه إثبات تكبيرة الإحرام ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : صلوا كما رأيتموني أصلي رواه البخاري من رواية مالك بن الحويرث وقال - صلى الله عليه وسلم - للذي علمه الصلاة : إذا قمت إلى الصلاة فكبر . وتكبيرة الإحرام واجبة عند مالك والثوري والشافعي وأبي حنيفة وأحمد والعلماء كافة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم - رضي الله عنهم - إلا ما حكاه القاضي عياض - رحمه الله - وجماعة عن ابن المسيب والحسن والزهري وقتادة والحكم والأوزاعي أنه سنة ليس بواجب ، وأن الدخول في الصلاة يكفي فيه النية ، ولا أظن هذا يصح عن هؤلاء الأعلام مع هذه الأحاديث الصحيحة مع حديث علي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم ولفظة التكبير ( الله أكبر ) ، فهذا يجزي بالإجماع . قال [ ص: 75 ] الشافعي : ويجزي الله الأكبر لا يجزي غيرهما ، وقال مالك : لا يجزي إلا الله أكبر ، وهو الذي ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقوله ، وهذا قول منقول عن الشافعي في القديم ، وأجاز أبو يوسف ( الله الكبير ) . وأجاز أبو حنيفة الاقتصار فيه على كل لفظ فيه تعظيم الله تعالى كقوله الرحمن أكبر ، أو الله أجل أو أعظم ، وخالفه جمهور العلماء من السلف والخلف ، والحكمة في ابتداء الصلاة بالتكبير افتتاحها بالتنزيه والتعظيم لله تعالى ونعته بصفات الكمال والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث