الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                                                                                          246 - مسألة :

                                                                                                                                                                                          ومن كان محبوسا في حضر أو سفر بحيث لا يجد ترابا ولا ماء أو [ ص: 363 ] كان مصلوبا وجاءت الصلاة فليصل كما هو وصلاته تامة ولا يعيدها ، سواء وجد الماء في الوقت أو لم يجده إلا بعد الوقت .

                                                                                                                                                                                          برهان ذلك قول الله تعالى : { فاتقوا الله ما استطعتم } وقوله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم } وقوله تعالى : { وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه } فصح بهذه النصوص أنه لا يلزمنا من الشرائع إلا ما استطعنا ، وأن ما لم نستطعه فساقط عنا ، وصح أن الله تعالى حرم علينا ترك الوضوء أو التيمم للصلاة إلا أن نضطر إليه ، والممنوع من الماء والتراب مضطر إلى ما حرم عليه من ترك التطهر بالماء أو التراب ، فسقط عنا تحريم ذلك عليه ، وهو قادر على الصلاة بتوفيتها أحكامها وبالإيمان ، فبقي عليه ما قدر عليه ، فإذا صلى كما ذكرنا فقد صلى كما أمره الله تعالى ، ومن صلى كما أمره الله تعالى فلا شيء عليه ، والمبادرة إلى الصلاة في أول الوقت أفضل لما ذكرنا قبل .

                                                                                                                                                                                          وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري والأوزاعي فيمن هذه صفته : لا يصلي حتى يجد الماء متى وجده .

                                                                                                                                                                                          قال أبو حنيفة : فإن قدر على التيمم تيمم وصلى ، ثم إذا وجد الماء أعاد ولا بد متى وجده ، وإن خشي الموت من البرد تيمم وصلى وأجزأه .

                                                                                                                                                                                          وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن والشافعي : يصلي كما هو ، فإذا وجد الماء أعاد متى وجده ، فإن قدر في المصر على التراب تيمم وصلى ، وأعاد أيضا ولا بد إذا وجد الماء .

                                                                                                                                                                                          وقال زفر في المحبوس في المصر بحيث لا يجد ماء ولا ترابا أو بحيث يجد التراب : إنه لا يصلي أصلا حتى يجد الماء ، لا بتيمم ولا بلا تيمم ، فإذا وجد الماء توضأ وصلى تلك الصلوات ، وقال بعض أصحابنا : لا يصلي ولا يعيد ، وقال أبو ثور : يصلي كما هو ولا يعيد .

                                                                                                                                                                                          قال علي : أما قول أبي حنيفة فظاهر التناقض ، لأنه لا يجيز الصلاة بالتيمم في المصر لغير المريض وخائف الموت ، كما لا يجيز له الصلاة بغير الوضوء والتيمم ولا فرق ، ثم فرق بينهما - وكلاهما عنده لا تجزيه صلاته - فأمر أحدهما بأن يصلي صلاة [ ص: 364 ] لا تجزيه ، وأمر الآخر بأن لا يصليها ، وهذا خطأ لا خفاء به ، فسقط هذا القول سقوطا لا خفاء به ، وما له حجة أصلا يمكن أن يتعلق بها .

                                                                                                                                                                                          وأما قول أبي يوسف ومحمد فخطأ ، لأنهما أمراه بصلاة لا تجزيه ولا لها معنى ، فهي باطل ، وقد قال الله تعالى : { ولا تبطلوا أعمالكم }

                                                                                                                                                                                          وأما قول زفر فخطأ أيضا ، لأنه أمره بأن لا يصلي في الوقت الذي أمر الله تعالى بالصلاة فيه ، وأمره أن يصلي في الوقت الذي نهاه الله تعالى عن تأخيره الصلاة إليه ، وقد أمره الله تعالى بالصلاة في وقتها أوكد أمر وأشده ، قال الله تعالى : { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } فلم يأمر تعالى بتخلية سبيل الكافر حتى يتوب من الكفر ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ، فلا يحل ترك ما هذه صفته عن الوقت الذي لم يفسح تعالى في تأخيره عنه ، فظهر فساد قول زفر وكل من أمره بتأخير الصلاة عن وقتها .

                                                                                                                                                                                          وأما من قال : لا يصلي أصلا فإنهم احتجوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " { لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ } وقال عليه السلام { لا يقبل الله صلاة بغير طهور } قالوا : فلا نأمره بما لم يقبله الله تعالى منه ، لأنه في وقتها غير متوضئ ولا متطهر ، وهو بعد الوقت محرم عليه تأخير الصلاة عن وقتها .

                                                                                                                                                                                          قال علي : هذا كان أصح الأقوال ، لولا ما ذكرنا من أن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط عنا ما لا نستطيع مما أمرنا به ، وأبقى علينا ما نستطيع ، وأن الله تعالى أسقط عنا ما لا نقدر عليه ، وأبقى علينا ما نقدر عليه ، بقوله تعالى { : فاتقوا الله ما استطعتم } فصح أن قوله عليه السلام : { لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ } و { لا يقبل الله صلاة إلا بطهور } إنما كلف ذلك من يقدر على الوضوء أو الطهور بوجود الماء أو التراب ، لا من لا يقدر على وضوء ولا تيمم ، هذا هو نص القرآن والسنن ، فلما صح ذلك سقط عنا تكليف ما لا نطيق من ذلك ، وبقي علينا تكليف ما نطيقه ، وهو الصلاة فإذ ذلك كذلك فالمصلي كذلك مؤد ما أمر به ، ومن أدى ما أمر به فلا قضاء عليه . وبالله تعالى التوفيق .

                                                                                                                                                                                          فكيف وقد جاء في هذا نص كما حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا ابن السليم ثنا ابن الأعرابي ثنا أبو داود ثنا النفيلي ثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة [ ص: 365 ] قالت : { بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيد بن الحضير وأناسا معه في طلب قلادة أضلتها عائشة ، فحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء ، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له ، فأنزلت آية التيمم . }

                                                                                                                                                                                          حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا زكريا بن يحيى ثنا ابن نمير - هو عبد الله - ثنا هشام بن عروة عن أبيه { عن عائشة أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فوجدها ، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء فصلوا ، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى آية التيمم } فهذا أسيد وطائفة من الصحابة مع حكم الله تعالى ورضاء نبيه صلى الله عليه وسلم . وبالله تعالى التوفيق .

                                                                                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية