الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                        535 حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي قال قدم الحجاج فسألنا جابر بن عبد الله فقال كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة والعصر والشمس نقية والمغرب إذا وجبت والعشاء أحيانا وأحيانا إذا رآهم اجتمعوا عجل وإذا رآهم أبطوا أخر والصبح كانوا أو كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها بغلس

                                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                                        قوله : ( محمد بن جعفر ) هو غندر .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( ( عن محمد بن عمرو ) في مسلم من طريق معاذ عن شعبة عن سعد " سمع محمد بن عمرو بن الحسن " .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( ( قدم الحجاج ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الجيم وآخره جيم هو ابن يوسف الثقفي ، وزعم الكرماني أن الرواية بضم أوله قال : وهو جمع حاج . انتهى . وهو تحريف بلا خلاف ، فقد وقع في رواية أبي عوانة في صحيحه من طرق أبي النضر عن شعبة : سألنا جابر بن عبد الله في زمن الحجاج وكان يؤخر الصلاة عن وقت الصلاة ، وفي رواية مسلم من طريق معاذ عن شعبة " كان الحجاج يؤخر الصلاة " .

                                                                                                                                                                                                        ( فائدة : كان قدوم الحجاج المدينة أميرا عليها من قبل عبد الملك بن مروان سنة أربع وسبعين وذلك عقب قتل ابن الزبير ، فأمره عبد الملك على الحرمين وما معهما ، ثم نقله بعد هذا إلى العراق .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( ( بالهاجرة ) ظاهره يعارض حديث الإبراد ، لأن قوله كان يفعل يشعر بالكثرة والدوام عرفا قاله ابن دقيق العيد ، ويجمع بين الحديثين بأن يكون أطلق الهاجرة على الوقت بعد الزوال مطلقا لأن الإبراد كما تقدم مقيد بحال شدة الحر وغير ذلك كما تقدم ، فإن وجدت شروط الإبراد أبرد وإلا عجل ، فالمعنى كان يصلي الظهر بالهاجرة إلا إن احتاج إلى الإبراد . وتعقب بأنه لو كان ذلك مراده لفصل كما فصل في العشاء ، والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( ( نقية ) بالنون أوله ، أي خالصة صافية لم تدخلها صفرة ولا تغير .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( ( إذا وجبت ) أي غابت ، وأصل الوجوب السقوط ، والمراد سقوط قرص الشمس ، وفاعل وجبت مستتر وهو الشمس . وفي رواية أبي داود عن مسلم بن إبراهيم " والمغرب إذا غربت الشمس " ولأبي عوانة من طريق أبي النضر عن شعبة " والمغرب حين تجب الشمس " وفيه دليل على أن سقوط قرص الشمس يدخل به وقت المغرب ، ولا يخفى أن محله ما إذا كان لا يحول بين رؤيتها غاربة وبين الرائي حائل ، والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                        [ ص: 51 ] قوله : ( ( والعشاء أحيانا وأحيانا ) ولمسلم أحيانا يؤخرها وأحيانا يعجل ، كان إذا رآهم قد اجتمعوا إلخ " وللمصنف في " باب وقت العشاء " عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة " إذا كثر الناس عجل ، وإذا قلوا أخر " ونحوه لأبي عوانة في رواية . والأحيان جمع حين ، وهو اسم مبهم يقع على القليل والكثير من الزمان على المشهور ، وقيل الحين ستة أشهر وقيل أربعون سنة وحديث الباب يقوي المشهور . وسيأتي الكلام على حكم وقت العشاء في بابه . وقال ابن دقيق العيد : إذا تعارض في شخص أمران أحدهما أن يقدم الصلاة في أول الوقت منفردا أو يؤخرها في الجماعة ، أيهما أفضل ؟ الأقرب عندي أن التأخير لصلاة الجماعة أفضل ، وحديث الباب يدل عليه لقوله " وإذا رآهم أبطئوا أخر " فيؤخر لأجل الجماعة مع إمكان التقديم .

                                                                                                                                                                                                        قلت : ورواية مسلم بن إبراهيم التي تقدمت تدل على أخص من ذلك ، وهو أن انتظار من تكثر بهم الجماعة أولى من التقديم ، ولا يخفى أن محل ذلك ما إذا لم يفحش التأخير ولم يشق على الحاضرين ، والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( ( كانوا أو كان ) قال الكرماني : الشك من الراوي عن جابر ، ومعناهما متلازمان لأن أيهما كان يدخل فيه الآخر ، إن أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - فالصحابة في ذلك كانوا معه ، وإن أراد الصحابة فالنبي - صلى الله عليه وسلم - كان إمامهم ، أي كان شأنه التعجيل لها دائما لا كما كان يصنع في العشاء من تعجيلها أو تأخيرها . وخبر كانوا محذوف يدل عليه قوله يصليها ، أي كانوا يصلون . والغلس بفتح اللام ظلمة آخر الليل ، وقال ابن بطال ما حاصله : فيه حذفان ، حذف خبر كانوا وهو جائز كحذف خبر المبتدأ في قوله واللائي لم يحضن أي فعدتهن مثل ذلك ، والحذف الثاني حذف الجملة التي بعد " أو " تقديره : أو لم يكونوا مجتمعين . قال ابن التين : ويصح أن يكون كانوا هنا تامة غير ناقصة بمعنى الحضور والوقوع ، فيكون المحذوف ما بعد " أو " خاصة . وقال ابن المنير : يحتمل أن يكون شكا من الراوي هل قال كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أو كانوا . ويحتمل أن يكون تقديره : والصبح كانوا مجتمعين مع النبي ، أو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده يصليها بالغلس .

                                                                                                                                                                                                        قلت : والتقدير المتقدم أولى . والحق أنه شك من الراوي ، فقد وقعت في رواية مسلم " والصبح كانوا أو قال كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وفيه حذف واحد تقديره : والصبح كانوا يصلونها أو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصليها بغلس ، فقوله " بغلس " يتعلق بأي اللفظين كان هو الواقع ، ولا يلزم من قوله " كانوا يصلونها " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن معهم ، ولا من قوله " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - " أنه كان وحده ، بل المراد بقوله " كانوا يصلونها " أي النبي - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه ، وهكذا قوله " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصليها " أي بأصحابه والله أعلم .




                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية