الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                        1850 [ ص: 317 ] ( 3 ) باب ما يكره من الكلام بغير ذكر الله

                                                                                                                        1856 - مالك عن زيد بن أسلم ، عن عبد الله بن عمر ; أنه قال : قدم رجلان من المشرق فخطبا ، فعجب الناس لبيانهما ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن من البيان لسحرا " أو قال : " إن بعض البيان لسحر " .

                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                        41289 - قال أبو عمر : هكذا رواه يحيى ، عن مالك ، عن زيد بن أسلم مرسلا ، وما أظن أرسله عن مالك غيره ، وأحسبه سقط له ذكر ابن عمر من كتابه ; بأن جماعة أصحاب مالك رووه عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الله بن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

                                                                                                                        41290 - وكذلك رواه الثوري ، وابن عيينة عن زهير بن محمد ، عن زيد بن أسلم عن ابن عمر ; عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أن في روايتهم : فخطبا ، أو خطب أحدهما .

                                                                                                                        41291 - ورواه القطان عن مالك :

                                                                                                                        [ ص: 318 ] 41292 - حدثناه عبد الوارث ، قال : حدثني قاسم ، قال : حدثني بكر ، قال : حدثني مسدد ، قال : حدثني يحيى بن سعيد ، عن مالك بن أنس ، عن زيد بن أسلم ، عن ابن عمر ، قال : قدم رجلان فخطبا ، فعجب الناس من بيانهما ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن من البيان لسحرا " .

                                                                                                                        41293 - وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله : " إن من البيان لسحرا " ، من حديث عمار بن ياسر وغيره .

                                                                                                                        41294 - والرجلان اللذان قدما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فخطبا ، أو خطب أحدهما - لا أعلم خلافا - أنهما عمرو بن الأهتم ، والزبرقان بن بدر ، إلا أنهما كان معهما قيس بن عاصم ، فلم يتكلم يومئذ .

                                                                                                                        41295 - وروى حماد بن زيد ، عن محمد بن الزبير ، قال : قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، الزبرقان بن بدر ، وعمرو بن الأهتم ، وقيس بن عاصم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمرو : " أخبرني عن الزبرقان " فقال : هو مطاع في ناديه ، وشديد العارضة ، مانع لما وراء ظهره ، فقال الزبرقان : هو والله يا رسول الله يعلم أني أفضل منه ، فقال عمرو : إنه لزمر المروءة ، ضيق العطن ، أحمق الأب ، لئيم الخال ، يا رسول الله ، صدقت في الأولى ، وما كذبت في الأخرى ، أرضاني فقلت أحسن ما علمت [ ص: 319 ] وأسخطني فقلت أسوأ ما علمت ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن من البيان لسحرا " .

                                                                                                                        41296 - هكذا في رواية حماد بن زيد لهذا الخبر ; أن قيس بن عاصم كان معهما .

                                                                                                                        41297 - كذلك روي من حديث الحكم بن عتيبة ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، ما ذكرته في " التمهيد " .

                                                                                                                        41298 - وذكر المدائني هذا الخبر ، فلم يذكر فيه إلا الرجلين ; الزبرقان ، وعمرو بن الأهتم ، ويشهد لهذا حديث مالك : قدم رجلان ; فقال المدائني في خبره : " مطاع في أدانيه " ، لم يقل : في ناديه ، وكذلك في حديث ابن عباس .

                                                                                                                        41299 - واختلف العلماء في المعنى المقصود بهذا اللفظ ; قوله - صلى الله عليه وسلم - : " إن من البيان لسحرا " هل هو على معنى الذم ، أو على معنى المدح .

                                                                                                                        41300 - فقالت طائفة من أصحاب مالك : هو على معنى الذم ، وأضافوا ذلك أيضا إلى مالك ، واستدلوا بإدخاله لهذا الحديث تحت ترجمة الباب بما يكره من الكلام .

                                                                                                                        41301 - واحتجوا على ما ذهبوا إليه من ذلك بتشبيه النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك البيان بالسحر ، والسحر مذموم قليله وكثيره ، وذلك - والله أعلم - لما فيه من البلاغة ، [ ص: 320 ] والتفيهق من تصوير الباطل في صورة الحق ، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الثرثارين المتفيهقين أنهم أبغض الخلق إلى الله - تعالى - .

                                                                                                                        41302 - وقال آخرون ، وهم الأكثر عددا : إنه كلام أريد به المدح ، قالوا : والبيان ممدوح بدليل قول الله - عز وجل - : خلق الإنسان علمه البيان [ الرحمن : 3 ، 4 ] ، وبدليل ما في الحديث قوله : فعجب الناس لبيانهما ، والإعجاب لا يقع إلا بما يحسن ويطيب سماعه ، لا بما يقبح ويذم ، قالوا : وتشبيهه بالسحر ، مدح له ; لأن معنى السحر الاستمالة ، وكل ما استمالك فقد سحرك ، فكأنه غلب على القلوب بحسن كلامه ، فأعجب الناس به ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أميرهم بفضل البلاغة لبلاغته وفصاحته - صلى الله عليه وسلم - ، وكان قد أوتي جوامع الكلم ، فأعجبه ذلك القول فشبهه بالسحر ; لغلبة السحر على القلوب واستمالته لها .

                                                                                                                        41303 - وقد روي أن عمر بن عبد العزيز كلمه رجل في حاجة بكلام أعجبه ، فقال : هذا السحر الحلال .

                                                                                                                        41304 - ومن هاهنا - والله أعلم - أخذ ابن الرومي قوله : وحديثها السحر الحلال لو أنها لم تجن قتل المسلم المتحرز إن طال لم يملل وإن هي أوجزت ود المحدث أنها لم توجز شرك العقول ونزهة ما مثلها للسامعين وعقله المستوفز

                                                                                                                        [ ص: 321 ] 41305 - وأنشدني يوسف بن هارون في قصيدة له :

                                                                                                                        نطقت بسحر بعدها غير أنه من السحر لم يختلف في حلاله



                                                                                                                        41306 - حدثني عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثني قاسم بن أصبغ ، قال : حدثني أحمد بن زهير ، قال : حدثني محمد بن يزيد ، قال : حدثني ابن إدريس ، عن مالك بن مغول ، قال : كان زيد بن إياس يقول للشعبي : يا مبطل الحاجات ؟ يعني أن يشغل جلساءه عن حوائجهم بحسن حديثه من بلاغة الشعبي ، ما حدثني أحمد بن محمد ، قال : حدثني أحمد بن سعيد ، قال : حدثني أبو الحسن ; محمد بن عبد الله بن سعيد المهراني ، قال : حدثني يزيد بن محمد المهلبي ، قال : حدثني العتبي ، عن من حدثه ، قال : كان الشعبي إن سمع حديثا ، ورده ، فكأنه زاد فيه من تحسينه بلفظه ، فسمع يوما حديثا ، وقد سمع جليسا له يقال له : رزين ، فرده الشعبي ، وحسنه ، فقال له رزين : اتق الله ، يا أبا عمر وليس هكذا الحديث ، فقال له الشعبي : يا رزين ، ما كان أحوجك إلى محدرج شديد الجلد لين المهزة ، عظيم الثمرة ، أخذ ما بين مغرز عنق إلى عجب ذنب ، فيوضع منك في مثل ذلك فيكثر له رقصاتك من غير جدل ، فلم يدر ، ما قال له ، فقال : وما ذاك يا أبا عمرو ؟ فقال : شيء لنا فيه أدب ، ولك فيه أدب .

                                                                                                                        41307 - قال أبو عمر : مازالت العرب تمدح البيان والفصاحة في أشعارها [ ص: 322 ] وأخبارها ; فمن ذلك قول حسان بن ثابت في ابن عباس :

                                                                                                                        إذا قال لم يترك مقالا لقائل بمنتظمات لا ترى بينهما فصلا
                                                                                                                        كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع لذي إربة في القول جدا ولا هزلا



                                                                                                                        41308 - في أبيات قد ذكرتها في " التمهيد " .

                                                                                                                        41309 - ولحسان أيضا في ابن عباس :

                                                                                                                        صموت إذا ما الصمت زين أهله وفتاق أبكار الكلام المختم
                                                                                                                        وعى ما وعى القرآن من كل حكمة ونيطت لها الآداب باللحم والدم



                                                                                                                        41310 - وأنشد لعدي ثعلب بن الحارث التيمي ، وقال : إنه لم يسمع في مدح الكلام أحسن من هذين البيتين :

                                                                                                                        كأن كلام الناس جمع عنده فيأخذ من أطرافه يتخير
                                                                                                                        فلم يرض إلا كل بكر ثقيلة تكاد بيانا من دم الجوف تقطر



                                                                                                                        41311 - وقال بكر بن سوادة ، في خالد بن صفوان :

                                                                                                                        عليم بتنزيل الكلام ملقن ذكور لما سداه أول أولا
                                                                                                                        ترى خطباء الناس يوم ارتجاله كأنهم الكروان عاين أجدلا



                                                                                                                        41312 - وقد زدنا هذا المعنى بيانا في " التمهيد " ، والحمد لله كثيرا .




                                                                                                                        الخدمات العلمية