الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                                                                                          وأما الاشتراط : فلما حدثنا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي نا مسلم بن الحجاج نا أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني نا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : { دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير هو ابن عبد المطلب - فقال لها : أردت الحج ؟ قالت : والله ما أجدني إلا وجعة ؟ فقال لها : حجي واشترطي وقولي : اللهم محلي حيث حبستني ، وكانت تحت المقداد } .

                                                                                                                                                                                          ورويناه أيضا : من طريق إسحاق بن راهويه عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة { عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لضباعة حجي واشترطي أن محلي حيث تحبسني } .

                                                                                                                                                                                          ورويناه أيضا : من طريق طاوس ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، كلهم عن ابن عباس { عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لضباعة أهلي بالحج واشترطي أن محلي حيث تحبسني } .

                                                                                                                                                                                          ورويناه أيضا : من طريق عروة بن الزبير عن ضباعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                          فهذه آثار متظاهرة متواترة لا يسع أحدا الخروج عنها .

                                                                                                                                                                                          وروينا من طريق سويد بن غفلة قال لي عمر بن الخطاب : إن حججت ولست صرورة فاشترط إن أصابني مرض أو كسر أو حبس فأنا حل . [ ص: 106 ] وروينا أيضا الأمر بالاشتراط في الحج من طريق : وكيع ، وعبد الرحمن بن مهدي ، ويحيى بن سعيد القطان ، كلهم عن سفيان الثوري عن إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة عن عمر : أنه - وفي رواية ابن مهدي ، ويحيى : أنه قال له : أفرد الحج واشترط ، فإن لك ما اشترطت ، ولله عليك ما شرطت .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق ابن أبي شيبة نا الفضل بن دكين عن سعيد بن عبد الرحمن عن ابن سيرين عن عبد الله بن عتبة عن عثمان بن عفان مثل ما رواه ابن المبارك عن هشام بن حسان عن ابن سيرين : أن عثمان رأى رجلا واقفا بعرفة قال له : أشارطت ؟ قال : نعم .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق جمة عن محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن ميسرة : أن علي بن أبي طالب كان إذا أراد الحج قال : اللهم حجة إن تيسرت ، أو عمرة إن أراد العمرة وإلا فلا حرج .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن عميرة بن زياد قال : قال لي ابن مسعود : حج واشترط ، وقل : اللهم الحج أردت وله عمدت فإن تيسر وإلا فعمرة .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت تقول : اللهم للحج خرجت وله عمدت فإن قضيت فهو الحج وإن حال دونه شيء فهي عمرة ; وإنها كانت تأمر عروة بأن يشترط كذلك .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق أبي إسحاق عن المنهال عن عمار هو ابن ياسر - أنه قال : إذا أردت الحج فاشترط .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق كريب عن ابن عباس : أنه كان يأمر بالاشتراط في الحج .

                                                                                                                                                                                          فهؤلاء : عمر ، وعثمان ، وعلي وعائشة أم المؤمنين ، وعمار بن ياسر ، وابن مسعود ، وابن عباس - ومن التابعين عميرة بن زياد .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق الحجاج بن المنهال عن أبي عوانة عن منصور عن إبراهيم النخعي قال : كانوا يشترطون في الحج والعمرة يقول : اللهم إني أريد الحج إن تيسر ، وإلا فعمرة إن تيسرت ، اللهم إني أريد العمرة إن تيسرت وإلا فلا حرج علي . [ ص: 107 ] ومن طريق وكيع نا الربيع عن الحسن البصري ، وعطاء بن أبي رباح ، قالا جميعا في المحرم يشترط : قالا جميعا : له شرطه .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق الأعمش عن عمارة بن عمير قال : كان علقمة ، والأسود يشترطان في الحج .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق سفيان الثوري عن المغيرة بن مقسم عن المسيب بن رافع أردت الحج فأرسل إلي عبيدة هو السلماني - أن اشترط .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق ابن أبي شيبة عن أبي معاوية عن الأعمش عن عمارة بن عمير قال : كان شريح القاضي يشترط في الحج فيقول : اللهم إنك قد عرفت نيتي وما أريد ; فإن كان أمرا تتمه فهو أحب إلي وإن كان غير ذلك فلا حرج .

                                                                                                                                                                                          وعن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنه كان يشترط في العمرة ; وجاء أيضا [ نصا ] عن سعيد بن المسيب ، وعطاء بن يسار ، وعكرمة - وقال الشافعي : إن صح الخبر قلت به .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : قد صح الخبر وبالغ في الصحة فهو قوله وهو قول أحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وأبي سليمان - وروي عن ابن عمر أنه كان إذا سأل عن الاستثناء في الحج ؟ قال : لا أعرفه .

                                                                                                                                                                                          وروينا عن إبراهيم اضطرابا فروينا عنه من طريق المغيرة أنه قال : كانوا يستحبون أن يشترطوا عند الإحرام وكانوا لا يرون الشرط شيئا لو أن الرجل ابتلي - وروينا عنه من طريق الأعمش أنه قال كانوا يكرهون أن يشترطوا في الحج .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : هذا تناقض فاحش ، مرة كانوا يستحبون الشرط ، ومرة كانوا يكرهونه ، فأقل ما في هذا ترك رواية إبراهيم جملة لاضطرابها .

                                                                                                                                                                                          وروينا من طريق سعيد بن جبير ، وإبراهيم النخعي أنهما قالا : المشترط وغير المشترط سواء إذا أحصر فليجعلها عمرة .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق الحجاج بن أرطاة - وهو ساقط - عن عطاء مثل قول سعيد بن جبير هذا ، والصحيح عن عطاء خلاف هذا . [ ص: 108 ] ومن طريق هشام بن عروة عن أبيه أنه كان لا يرى الاشتراط في الحج شيئا .

                                                                                                                                                                                          وعن طاوس الاشتراط في الحج ليس شيئا .

                                                                                                                                                                                          وعن إبراهيم بن مهاجر - وهو ضعيف - عن إبراهيم النخعي عن علقمة أنه كان لا يرى الاشتراط في الحج شيئا .

                                                                                                                                                                                          وعن الحكم بن عتيبة ، وحماد مثل هذا ; وهو قول مالك ، والحنفيين .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : وشغبوا في مخالفة السنن الواردة في هذا الباب بأن قالوا : هذا الخبر خلاف للقرآن ، لأن الله تعالى يقول : { وأتموا الحج والعمرة لله } .

                                                                                                                                                                                          قال علي : هذه الآية حجة عليهم لا علينا لأنهم يفتون من عرض له عارض من مرض أو نحوه أن يحل بعمرة إن فاته الحج ; فقد خالفوا الآية في إتمام الحج ; وأما نحن فإنا نقول : إن الذي أنزلت عليه هذه الآية وأمر ببيان ما أنزل عليه لنا قد أمر بالاشتراط في الحج وأن محله حيث حبسه ربه تعالى بالقدر النافذ ; فنحن لم نخالف الآية إذا أخذنا ببيان النبي صلى الله عليه وسلم وأنتم خالفتموها بآرائكم الفاسدة إلى مخالفتكم السنة الواردة في ذلك .

                                                                                                                                                                                          وقالوا : هذا الخبر خلاف لقول الله تعالى : { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } ؟ قلنا : كذب من ادعى أن هذا الخبر خلاف لهذه الآية ; بل أنتم خالفتموها إذ قلتم : من أحصر بمرض لم يحل إلا بعمرة برأي لا نص فيه ; وأما نحن فقلنا بهذه الآية : إن لم يشترط كما أمر الذي أنزلت عليه هذه الآية وأمر ببيانها لنا ؟ قال أبو محمد : ومن جعل هذه السنة معارضة للقرآن فالواجب عليه أن يجعل الرواية في القطع في ربع دينار وعشرة دراهم مخالفة للقرآن إذ يقول تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } .

                                                                                                                                                                                          لأن حديث الاشتراط لم يضطرب فيه عن عائشة وهو في غاية الصحة ; وقد اضطرب في حديث القطع في ربع دينار عليها - ولم يصح قط خبر في تحديد القطع في عشرة دراهم بل قولهم هو المخالف للقرآن حقا ; لأن الله تعالى يقول : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } .

                                                                                                                                                                                          وقال تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } .

                                                                                                                                                                                          وقال تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } . [ ص: 109 ] ولا حرج ، ولا عسر ، ولا تكليف ما ليس في الوسع أكثر من إيجاب البقاء على حال الإحرام ، ومنع الثياب ، والطيب ، والنساء ، لمن قد منعه الله تعالى من الحج والعمرة ; فلو لم يكن إلا هذه الآيات لكفت في وجوب إحلال من عاقه عائق عن إتمام الحج والعمرة ، فكيف والسنة قد جاءت بذلك نصا ؟ وشغب بعضهم بالخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : { كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ؟ من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له ، كتاب الله أحق وشرط الله أوثق } .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : هذا من أعجب شيء لأنهم احتجوا بما هو أعظم حجة عليهم ، والاشتراط في الحج هو في كتاب الله تعالى منصوص مما ذكرنا من قوله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } .

                                                                                                                                                                                          { وما جعل عليكم في الدين من حرج } .

                                                                                                                                                                                          و { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } .

                                                                                                                                                                                          وبقوله تعالى : { لتبين للناس ما نزل إليهم } .

                                                                                                                                                                                          وقوله تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } .

                                                                                                                                                                                          وإنما الشروط التي ليست في كتاب الله تعالى فهي الشروط التي أباحوا : من أن كل امرأة يتزوجها على فلانة امرأته فهي طالق ، وكل أمة اشتراها عليها فهي حرة .

                                                                                                                                                                                          وأن يكون بعض الصداق لا يلزم إلا إلى كذا وكذا عاما والله تعالى يقول : { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة } .

                                                                                                                                                                                          وكبيع السنبل وعلى البائع درسه .

                                                                                                                                                                                          وكنزول أهل الحرب وبأيديهم الأسرى من المسلمين بشرط أن لا يمنعوا من الوطء لهن ولا من ردهم إلى بلاد الكفر - وسائر الشروط الفاسدة التي أباحوا ; واحتجوا بأن هذا الخبر رواه عروة ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، وطاوس - وروي عنهم خلافه .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : فقلنا : سمعناكم تقبلون هذا في الصاحب إذا روى الخبر وخالفه فأنكرناه حتى أتيتم بالآبدة إذ جعلتم ترك التابع لما روى حجة في ترك السنن ; وهذا إن أدرجتموه بلغ إلينا وإلى من بعدنا فصار كل من بلغه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فتركه كائنا من [ ص: 110 ] كان من الناس حجة في رد السنن ; وهذا حكم إبليس اللعين ، وما أمرنا الله تعالى باتباع رأي من ذكرتم ; وإنما أمرنا باتباع روايتهم ; لأنهم ثقات عدول وليسوا معصومين من الخطإ في الرأي .

                                                                                                                                                                                          ولا عجب ممن يعترض في رد السنن بأن طاوسا ، وعطاء ، وعروة ، وسعيد بن جبير : خالفوا ما رووا من ذلك - ثم لو أنه عزم على صبغ قميصه أخضر فقالوا له : بل اصبغه أحمر ؟ لم ير رأيهم في ذلك حجة ولا ألزم نفسه الأخذ به ؟ ثم رأيهم حجة في مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولئن كان خالف هؤلاء ما رووا فقد رواه غيرهم ولم يخالفه : كعكرمة ، وعطاء ; ولا يصح عن عطاء إلا القول به - وقد رواه عن عائشة ، وابن عباس ، وأخذا به .

                                                                                                                                                                                          وقالوا : لم يعرفه ابن عمر ؟ فقلنا : فكان ماذا ؟ فقد عرفه : عمر ، وعثمان وعلي ، وعائشة ، وابن مسعود ، وعمار ، وابن عباس ، وأخذوا به ، وهذا مما خالفوا فيه جمهور الصحابة بل ليس لابن عمر هاهنا خلاف ; لأنه لم يقل بإبطاله ، وإنما قال : لا أعرفه .

                                                                                                                                                                                          والعجب كله أن عمر رأى الاشتراط في الحج ومعه القرآن والسنة فخالفوه وتعلقوا في ذلك بأن ابنه عبد الله لم يعرفه .

                                                                                                                                                                                          وصح عن عبد الله بن عمر الإهلال يوم التروية ومعه السنة فخالفوه وتعلقوا برواية جاءت في ذلك عن عمر - وقال عمر ، وعثمان ، بالاشتراط في الحج فخالفوهما ومعهما السنة وتعلقوا بهما في المنع من فسخ الحج في عمرة إذ جاء عنهما خلاف أمر النبي صلى الله عليه وسلم فكأنهم مغرمون بمخالفة السنن ، ومخالفة الصحابة فيما جاء عنهم من موافقة السنن : والقوم غرقى في بحار هواهم وبكل ما يردي الغريق تعلقوا وذكروا قول إبراهيم : كانوا يشترطون في الحج ولا يرونه شيئا ؟ قال أبو محمد : وهذا كلام في غاية الفساد وليس فيه أكثر من أنه يصفهم بفساد الرأي والتلاعب ; إذ يشترطون ما لا فائدة فيه ، ولا يصح ، ولا يجوز ، وهذه صفة من لا عقل له ، ويكفي من هذا كله أن السنة إذا صحت لم يحل لأحد خلافها ، ولم يكن قول أحد حجة في معارضتها - وبالله تعالى التوفيق .

                                                                                                                                                                                          وهذا مما خالفوا فيه القرآن ، والسنة الثابتة ، وجمهور الصحابة ، والقياس ; لأنهم [ ص: 111 ] يقولون : من دخل في صلاة فعجز عن إتمامها قائما ، وعن الركوع ، وعن السجود : سقط عنه ما لا يقدر عليه من ذلك .

                                                                                                                                                                                          ومن دخل في صوم فرض فعجز عن إتمامه : سقط عنه ولم يكلفه ; وكذلك التطوع ، وقالوا هاهنا : من دخل في حج فرض ، أو تطوع ، أو عمرة ، كذلك فعجز عنهما : لم يسقطا عنه ; بل هو مكلف ما لا يقدر عليه من الوصول إلى البيت .

                                                                                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية