الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                ( الفرق السابع ) : أن السيئات التي هي المصائب ليس لها سبب إلا ذنبه الذي من نفسه ، وما يصير من الخير لا تنحصر أسبابه ; لأنه من فضل الله يحصل بعمله وبغير عمله ، وعمله من إنعام الله عليه ، وهو سبحانه لا يجزيه بقدر العمل بل يضاعفه فلا يتوكل إلا على الله ولا يرجع إلا إليه ، فهو يستحق الشكر المطلق العام التام ، وإنما يستحق غيره من الشكر ما يكون جزاء على ما يسره الله على يديه من الخير ، كشكر الوالدين ; فإنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس ; لكن لا يبلغ من قول أحد وإنعامه أن يشكر بمعصية الله أو يطاع بمعصيته ; فإنه هو [ ص: 225 ] المنعم .

                قال تعالى : { وما بكم من نعمة فمن الله } وقال : { وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه } وجزاؤه على الطاعة والشكر وعلى المعصية والكفر لا يقدر أحد على مثله ، فلهذا لم يجز أن يطاع مخلوق في معصية الخالق ، وقال تعالى : { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما } الآية .

                وفي الآية الأخرى : { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا }

                . والمقصود أنه إذا عرف أن النعم كلها من الله صار توكله ورجاؤه له سبحانه ، وإذا علم ما يستحقه من الشكر الذي لا يستحقه غيره صار ، والشر انحصر سببه في النفس فعلم من أين يأتي فاستغفر واستعان بالله واستعاذ به مما لم يعمل بعد ; كما قال من قال من السلف : لا يرجون عبد إلا ربه ولا يخافن إلا ذنبه ، وهذا خلاف قول الجهمية الذين يقولون : يعذب بلا ذنب ، ويخافونه ولو لم يذنبوا ، فإذا صدق بقوله : { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } علم بطلان هذا القول .

                وقد تقدم قول ابن عباس وغيره : إن ما أصابهم يوم أحد كان بذنوبهم : لم يستثن من ذلك أحدا ; وهذا من فوائد تخصيص الخطاب لئلا يظن أنه عام مخصوص .

                التالي السابق


                الخدمات العلمية