الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                والدليل على أن الحدود لا تفيد تصوير الحقائق من وجوه : ( أحدها : أن الحد مجرد قول الحاد ودعواه فقوله مثلا : حد الإنسان حيوان ناطق قضية خبرية ومجرد دعوى خلية عن حجة فإما أن يكون المستمع لها عالما بصدقها بدون هذا القول أو لا فإن كان الأول ثبت أنه لم يستفد هذه المعرفة بهذا الحد . وإن كان الثاني عنده فمجرد قول الخبر الذي لا دليل معه لا يفيده العلم وكيف وهو يعلم أنه ليس بمعصوم في قوله ؟ فتبين على التقديرين أن الحد لا يفيد معرفة الحدود .

                فإن قيل : يفيده مجرد تصور المسمى من غير أن يحكم أنه هو ذلك المسئول عنه مثلا أو غيره .

                قلنا : فحينئذ يكون كمجرد دلالة اللفظ المفرد على معناه وهو دلالة الاسم على مسماه . وهذا تحقيق ما قلناه : من أن دلالة الحد كدلالة الاسم ومجرد الاسم لا يوجب تصور المسمى لمن لم يتصوره دون ذلك بلا نزاع فكذلك الحد .

                ( الثاني : أنهم يقولون : الحد لا يمنع ولا يقام عليه دليل وإنما يمكن [ ص: 92 ] إبطاله بالنقض والمعارضة . فيقال : إذا لم يكن الحاد قد أقام دليلا على صحة الحد امتنع أن يعرف المستمع المحدود به إذا جوز عليه الخطأ فإنه إذا لم يعرف صحة الحد بقوله وقوله محتمل الصدق والكذب امتنع أن يعرفه بقوله . ومن العجب أن هؤلاء يزعمون أن هذه طرق عقلية يقينية ويجعلون العلم بالمفرد أصل العلم بالمركب ويجعلون العمدة في ذلك على الحد الذي هو قول الحاد بلا دليل وهو خبر واحد عن أمر عقلي لا حسي يحتمل الصواب والخطأ والصدق والكذب . ثم يعيبون على من يعتمد على الأمور السمعية على نقل الواحد الذي معه من القرائن ما يفيد المستمع العالم بها العلم اليقيني زاعمين أن خبر الواحد لا يفيد العلم وخبر الواحد وإن لم يفد العلم لكن هذا بعينه قولهم في الحد فإنه خبر واحد لا دليل على صدقه . بل ولا يمكن عندهم إقامة الدليل على صدقه . فلم يكن الحد مفيدا لتصور المحدود . ولكن إن كان المستمع قد تصور المحدود قبل هذا أو تصوره معه أو بعده بدون الحد وعلم أن ذلك حده علم صدقه في حده وحينئذ فلا يكون الحد أفاد التصور وهذا بين .

                وتلخيصه أن تصور المحدود بالحد لا يمكن بدون العلم بصدق قول الحاد وصدق قوله لا يعلم بمجرد الخبر فلا يعلم المحدود بالحد .

                ( الثالث : أن يقال : لو كان الحد مفيدا لتصور المحدود لم يحصل [ ص: 93 ] ذلك إلا بعد العلم بصحة الحد فإنه دليل التصور وطريقه وكاشفه فمن الممتنع أن يعلم المعرف المحدود قبل العلم بصحة المعرف والعلم بصحة الحد لا يحصل إلا بعد العلم بالمحدود . إذ الحد خبر عن مخبر [ عنه ] هو المحدود . فمن الممتنع أن يعلم صحة الخبر وصدقه قبل تصور المخبر عنه من غير تقليد للخبر وقبول قوله فيما يشترك في العلم به المخبر ، والمخبر ليس هو من باب الإخبار عن الأمور الغائبة .

                ( الرابع : أنهم يحدون المحدود بالصفات التي يسمونها الذاتية والعرضية ويسمونها أجزاء الحد وأجزاء الماهية والمقومة لها والداخلة فيها ونحو ذلك من العبارات فإن لم يعلم المستمع أن المحدود موصوف بتلك الصفات امتنع تصوره . وإن علم أنه موصوف بها كان قد تصوره بدون الحد . فثبت أنه على التقديرين لا يكون قد تصوره بالحد وهذا بين .

                فإنه إذا قيل : الإنسان هو الحيوان الناطق ولا يعلم أنه الإنسان احتاج إلى العلم بهذه النسبة ; وإن لم يكن متصورا لمسمى الحيوان الناطق احتاج إلى شيئين : تصور ذلك والعلم بالنسبة المذكورة وإن عرف ذلك كان قد تصور الإنسان بدون الحد . نعم الحد قد ينبه على تصور المحدود كما ينبه الاسم ; فإن الذهن قد يكون غافلا عن الشيء فإذا سمع اسمه وحده أقبل بذهنه إلى الشيء الذي أشير إليه بالاسم أو الحد . فيتصوره . فتكون فائدة الحد من جنس فائدة الاسم وتكون الحدود للأنواع بالصفات كالحدود [ ص: 94 ] للأعيان بالجهات . كما إذا قيل : حد الأرض من الجانب القبلي كذا ومن الجانب الشرقي كذا ميزت الأرض باسمها وحدها وحد الأرض يحتاج إليه إذا خيف من الزيادة في المسمى أو النقص منه فيفيد إدخال المحدود جميعه وإخراج ما ليس منه كما يفيد الاسم وكذلك حد النوع وهذا يحصل بالحدود اللفظية تارة وبالوضعية أخرى . وحقيقة الحد في الموضعين بيان مسمى الاسم فقط وتمييز المحدود عن غيره ; لا تصور المحدود .

                وإذا كان فائدة الحد بيان مسمى الاسم والتسمية أمر لغوي وضعي ; رجع في ذلك إلى قصد ذلك المسمى ولغته ; ولهذا يقول الفقهاء : من الأسماء ما يعرف حده بالشرع ومنها ما يعرف حده بالعرف .

                ومن هذا " تفسير الكلام وشرحه " إذا أريد به تبيين مراد المتكلم فهذا يبنى على معرفة حدود كلامه ; وإذا أريد به تبيين صحته وتقريره فإنه يحتاج إلى معرفة دليل بصحته . فالأول فيه بيان تصوير كلامه أو تصوير كلامه لتصوير مسميات الأسماء بالترجمة : تارة لمن يكون قد تصور المسمى ولم يعرف أن ذلك اسمه وتارة لمن لم يكن قد تصور المسمى فيشار إلى المسمى بحسب الإمكان إما إلى عينه وإما إلى نظيره . ولهذا يقال : الحد تارة يكون للاسم وتارة يكون للمسمى .

                وأئمة المصنفين في صناعة الحدود على طريقة المنطقيين يعترفون عند [ ص: 95 ] التحقيق بهذا كما ذكره الغزالي في " كتاب المعيار " الذي صنفه في المنطق وكذا يوجد في كلام ابن سينا والرازي والسهروردي وفي غيرهم : أن الحدود فائدتها من جنس فائدة الأسماء وأن ذلك من جنس الترجمة بلفظ عن لفظ . ومن هذا الباب ذكر غريب القرآن والحديث وغيرهما ; بل تفسير القرآن وغيره من أنواع الكلام هو في أول درجاته من هذا الباب ; فإن المقصود ذكر مراد المتكلم بتلك الأسماء وبذلك الكلام .

                وهذا الحد هم متفقون على أنه من الحدود اللفظية مع أن هذا هو الذي يحتاج إليه في إقراء العلوم المصنفة بل في قراءة جميع الكتب ; بل في جميع أنواع المخاطبات . فإن من قرأ كتب النحو أو الطب أو غيرهما لا بد أن يعرف مراد أصحابها بتلك الأسماء ويعرف مرادهم بالكلام المؤلف وكذلك من قرأ كتب الفقه والكلام والفلسفة وغير ذلك وهذه الحدود معرفتها من الدين في كل لفظ هو في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ثم قد يكون معرفتها فرض عين وقد تكون فرض كفاية ; ولهذا ذم الله تعالى من لم يعرف هذه الحدود بقوله : { الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله } والذي أنزله على رسوله فيه ما قد يكون الاسم " غريبا " بالنسبة إلى المستمع كلفظ : ( ضيزى و ( قسورة و ( عسعس وأمثال ذلك . وقد يكون " مشهورا " لكن لا يعلم حده بل يعلم معناه على سبيل الإجمال ; كاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج [ ص: 96 ] فتبين أن تعريف الشيء إنما هو بتعريف عينه أو ما يشبهه فمن عرف عين الشيء لا يفتقر في معرفته إلى حد ومن لم يعرفه فإنما يعرف به إذا عرف ما يشبهه ولو من بعض الوجوه فيؤلف له من الصفات المشتبهة المشتركة بينه وبين غيره ما يخص المعرف ومن تدقق هذا وجد حقيقته وعلم معرفة الخلق بما أخبروا به من الغيب من الملائكة واليوم الآخر وما في الجنة والنار من أنواع النعيم والعذاب . وبطل قولهم في الحد .

                ( الخامس : أن التصورات المفردة يمتنع أن تكون مطلوبة ; فيمتنع أن يعلم بالحد ; لأن الذهن إن كان شاعرا بها امتنع الطلب لأن تحصيل الحاصل ممتنع وإن لم يكن شاعرا بها امتنع من النفس طلب ما لا تشعر به فإن الطلب والقصد مسبوق بالشعور .

                فإن قيل : فالإنسان يطلب تصور الملك والجن والروح وأشياء كثيرة وهو لا يشعر بها . قيل : قد سمع هذه الأسماء . فهو يطلب تصور مسماها ; كما يطلب من سمع ألفاظا لا يفهم معانيها تصور معانيها . وهو إذا تصور مسمى هذه الأسماء فلا بد أن يعلم أنها مسماة بهذا الاسم إذ لو تصور حقيقة ولم يكن ذلك الاسم فيها لم يكن تصور مطلوبه فهنا المتصور ذات وأنها مسماة بكذا وهذا ليس تصورا بالمعنى فقط ; بل للمعنى ولاسمه . وهذا لا ريب أنه يكون مطلوبا . ولكن لا يوجب أن يكون المعنى المفرد مطلوبا .

                [ ص: 97 ] و ( أيضا فإن المطلوب هنا لا يحصل بمجرد الحد ; بل لا بد من تعريف المحدود بالإشارة إليه أو غير ذلك مما لا يكتفى فيه بمجرد اللفظ . وإذا ثبت امتناع الطلب للتصورات المفردة فإما أن تكون حاصلة للإنسان فلا تحصل بالحد فلا يفيد الحد التصور . وإما أن لا تكون حاصلة فمجرد الحد لا يوجب تصور المسميات لمن لا يعرفها ومتى كان له شعور بها لم يحتج إلى الحد في ذلك الشعور إلا من جنس ما يحتاج إلى الاسم . والمقصود هو التسوية بين فائدة الحد وفائدة الاسم .

                ( السادس ) : أن يقال : المفيد لتصور الحقيقة عندهم هو الحد العام المؤلف من الذاتيات ; دون العرضيات . ومبنى هذا الكلام على الفرق بين الذاتي والعرضي . وهم يقولون : الذاتي ما كان داخل الماهية والعرضي ما كان خارجا عنها . وقسموه إلى لازم للماهية ولازم لوجودها .

                وهذا الكلام الذي ذكره مبني على أصلين فاسدين : الفرق بين الماهية ووجودها ثم الفرق بين الذاتي لها واللازم لها .

                ( فالأصل الأول : قولهم : إن الماهية لها حقيقة ثابتة في الخارج غير وجودها ; وهذا شبيه بقول من يقول : المعدوم شيء ; وهو من أفسد ما يكون ; وأصل ضلالهم أنهم رأوا الشيء قبل وجوده يعلم ويراد ; ويميز بين المقدور عليه والمعجوز عنه ونحو ذلك . فقالوا : لو لم يكن ثابتا لما كان كذلك . كما أنا نتكلم في حقائق [ ص: 98 ] الأشياء التي هي ماهياتها مع قطع النظر عن وجودها في الخارج فتخيل الغالط أن هذه الحقائق والماهيات أمور ثابتة في الخارج .

                والتحقيق : أن ذلك كله أمر ثابت في الذهن . والمقدر في الأذهان أوسع من الموجود في الأعيان . وهو موجود وثابت في الذهن وليس هو في نفس الأمر لا موجودا ولا ثابتا ; فالتفريق بين الوجود [ والثبوت وكذلك التفريق بين الوجود ] والماهية مع دعوى أن كليهما في الخارج غلط عظيم .

                وهؤلاء ظنوا أن الحقائق النوعية كحقيقة الإنسان والفرس وأمثال ذلك ثابتة في الخارج غير الأعيان الموجودة في الخارج وأنها أزلية لا تقبل الاستحالة وهذه التي تسمى : " المثل الأفلاطونية " . ولم يقتصروا على ذلك ; بل أثبتوا أيضا ذلك في المادة والماهية والمكان فأثبتوا مادة مجردة عن الصور ثابتة في الخارج : وهي الهيولى الأولية التي بنوا عليها قدم العالم . وغلطهم فيها جمهور العقلاء . والكلام على من فرق بين الوجود والماهية مبسوط في غير هذا الموضع .

                والمقصود هنا التنبيه على أن ما ذكروه في المنطق من الفرق بين الماهية ووجودها في الخارج هو مبني على هذا الأصل الفاسد . وحقيقة الفرق الصحيح أن الماهية هي ما يرتسم في النفس من الشيء والوجود ما يكون في الخارج منه [ ص: 99 ] وهذا فرق صحيح . فإن الفرق بين ما في النفس وما في الخارج ثابت معلوم لا ريب فيه . وأما تقدير حقيقة لا تكون ثابتة في العلم ولا في الوجود فهو باطل .

                و " الأصل الثاني " : وهو الفرق بين اللازم للماهية والذاتي لا حقيقة له فإنه إن جعلت الماهية التي في الخارج مجردة عن الصفات اللازمة وأمكن أن يجعل الوجود الذي في الخارج مجردا عن هذه الصفات اللازمة وإن جعل هذا هو نفس الماهية بلوازمها كان هذا بمنزلة أن يقال : هذا " الوجود بلوازمه " وهما باطلان فإن الزوجية والفردية للعدد مثلا مثل الحيوانية والنطق للإنسان . وكلاهما إذا خطر بالبال منه الموصوف مع الصفة لم يمكن تقدير الموصوف دون الصفة وما ذكروه من أن ما جعلوه هو الذاتي يتقدم بصورة في الذهن . فباطل من وجهين : ( أحدهما أن هذا خبر عن وضعهم إذ هم يقدمون هذا في أذهانهم ويؤخرون هذا وهذا حكم محض . وكل من قدم هذا دون ذا فإنما قلدهم في ذلك .

                ومعلوم أن الحقائق الخارجية المستغنية عنا لا تكون تابعة لتصوراتنا فليس إذا فرضنا هذا مقدما وهذا مؤخرا يكون هذا في الخارج كذلك . وسائر بني آدم الذين يقلدونهم في هذا الموضع لا يستحضرون هذا التقديم [ ص: 100 ] والتأخير ولو كان هذا فطريا كانت الفطرة تدركه بدون التقليد كما تدرك سائر الأمور الفطرية . والذي في الفطرة أن هذه اللوازم كلها لوازم للموصوف وقد يخطر بالبال ; وقد لا يخطر . أما أن يكون هذا خارجا عن الذات وهذا داخلا في الذات . فهذا تحكم محض ليس له شاهد لا في الخارج ولا في الفطرة .

                و ( الثاني : أن كون الوصف ذاتيا للموصوف : هو أمر تابع لحقيقته التي هو بها سواء تصورته أذهاننا أو لم تتصوره . فلا بد إذا كان أحد الوصفين ذاتيا دون الآخر أن يكون الفرق بينهما أمرا يعود إلى حقيقتهما الخارجة الثابتة بدون الذهن . وإما أن يكون بين الحقائق الخارجة ما لا حقيقة له إلا مجرد التقدم والتأخر في الذهن فهذا لا يكون إلا أن تكون الحقيقة والماهية هي ما يقدر في الذهن لا ما يوجد في الخارج . وذلك أمر يتبع تقدير صاحب الذهن . وحينئذ فيعود حاصل هذا الكلام إلى أمور مقدرة في الأذهان لا حقيقة لها في الخارج وهي التخيلات والتوهمات الباطلة وهذا كثير في أصولهم .

                ( السابع : أن يقال : هل يشترطون في الحد التام وكونه يفيد تصور الحقيقة أن تتصور جميع صفاته الذاتية المشتركة بينه وبين غيره أم لا ؟ فإن شرطوا لزم استيعاب جميع الصفات . وإن لم يشترطوا واكتفوا بالجنس القريب دون غيره فهو تحكم محض وإذا عارضهم من يوجب ذكر جميع [ ص: 101 ] الأجناس أو يحذف جميع الأجناس لم يكن لهم جواب إلا أن هذا وضعهم واصطلاحهم . ومعلوم أن العلوم الحقيقية لا تختلف باختلاف الأوضاع فقد تبين أن ما ذكروه هو من باب الوضع والاصطلاح الذي جعلوه من باب الحقائق الذاتية والمعارف وهذا عين الضلال والإضلال كمن يجيء إلى شخصين متماثلين فيجعل هذا مؤمنا وهذا كافرا وهذا عالما وهذا جاهلا وهذا سعيدا وهذا شقيا من غير افتراق بين ذاتيهما بل بمجرد وضعه واصطلاحه . فهم مع دعواهم القياس العقلي يفرقون بين المتماثلات ويسوون بين المختلفات .

                ( الثامن : أن اشتراطهم ذكر الفصول المميزة مع تفريقهم بين الذاتي والعرضي غير ممكن ; إذ ما من مميز هو من خواص المحدود المطابقة له في العموم والخصوص إلا ويمكن الآخر أن يجعله عرضيا لازما للماهية .

                ( التاسع : أن فيما قالوه دورا فلا يصح . وذلك أنهم يقولون : إن المحدود لا يتصور إلا بذكر صفاته الذاتية . ثم يقولون : الذاتي هو ما لا يمكن تصور الماهية بدون تصوره . فإذا كان المتعلم لا يتصور المحدود حتى يتصور صفاته الذاتية ولا يعرف أن الصفة ذاتية حتى يتصور الموصوف الذي هو المحدود ، ولا يتصور الموصوف حتى يتصور الصفات الذاتية ويميز بينها وبين غيرها فتتوقف معرفة الذات على معرفة [ ص: 102 ] الذاتيات ويتوقف معرفة الذاتيات على معرفة الذات فلا يعرف هو ولا تعرف الذاتيات . وهذا كلام متين يجتاح أصل كلامهم . ويبين أنهم متحكمون فيما وضعوه لم يبنوه على أصل علمي تابع للحقائق . لكن قالوا : هذا ذاتي وهذا غير ذاتي بمجرد التحكم . ولم يعتمدوا على أمر يمكن الفرق به بين الذاتي وغيره فإذا لم يعرف المحدود إلا بالحد والحد غير ممكن لم يعرف وذلك باطل .

                ( العاشر : أنه يحصل بينهم في هذا الباب نزاع لا يمكن فصله على هذا الأصل وما استلزم تكافؤ الأدلة فهو باطل .

                التالي السابق


                الخدمات العلمية