الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صفحة جزء
                                                                                      الزبير بن عبد الواحد : حدثنا محمد بن عقيل الفريابي قال : قال المزني أو الربيع : كنا يوما عند الشافعي ، إذ جاء شيخ عليه ثياب صوف ، وفي يده عكازة ، فقام الشافعي ، وسوى عليه ثيابه ، وسلم الشيخ ، وجلس ، وأخذ الشافعي ينظر إلى الشيخ هيبة له ، إذ قال الشيخ : أسأل ؟ قال : سل ، قال : ما الحجة في دين الله ؟ قال : كتاب الله .

                                                                                      قال : وماذا ؟ قال : سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- . قال : وماذا ؟ قال : اتفاق الأمة . قال : من أين قلت : اتفاق الأمة ؟ فتدبر الشافعي ساعة ، فقال الشيخ : قد أجلتك ثلاثا ، فإن جئت بحجة من كتاب الله ، وإلا تب إلى الله تعالى ، فتغير لون الشافعي ، ثم إنه ذهب ، فلم يخرج إلى اليوم الثالث بين الظهر والعصر ، وقد انتفخ وجهه ويداه ورجلاه وهو مسقام ، فجلس ، فلم يكن [ ص: 84 ] بأسرع من أن جاء الشيخ ، فسلم ، وجلس ، فقال : حاجتي ؟ فقال الشافعي : نعم ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، قال الله تعالى : ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى الآية .

                                                                                      قال : فلا يصليه على خلاف المؤمنين إلا وهو فرض ، فقال : صدقت ، وقام فذهب . فقال الشافعي : قرأت القرآن في كل يوم وليلة ثلاث مرات ، حتى وقفت عليه .

                                                                                      أنبئت بهذه القصة عن منصور الفراوي ، أخبرنا محمد بن إسماعيل الفارسي ، أخبرنا أبو بكر البيهقي ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا الزبير . . فذكرها . [ ص: 85 ]

                                                                                      قال الزعفراني : قدم علينا الشافعي بغداد في سنة خمس وتسعين ، فأقام عندنا أشهرا ، ثم خرج . وكان يخضب بالحناء ، وكان خفيف العارضين .

                                                                                      وقال أحمد بن سنان : رأيته أحمر الرأس واللحية -يعني أنه اختضب .

                                                                                      قال الطبراني : سمعت أبا يزيد القراطيسي يقول : حضرت جنازة ابن وهب ، وحضرت مجلس الشافعي .

                                                                                      أبو نعيم في " الحلية " : حدثنا عبيد بن خلف البزار ، حدثني إسحاق بن عبد الرحمن ، سمعت حسينا الكرابيسي ، سمعت الشافعي يقول : كنت امرأ أكتب الشعر ، فآتي البوادي ، فأسمع منهم ، فقدمت مكة ، فخرجت وأنا أتمثل بشعر للبيد ، وأضرب وحشي قدمي بالسوط ، فضربني رجل من ورائي من الحجبة ، فقال : رجل من قريش ثم ابن المطلب ، رضي من دينه ودنياه أن يكون معلما ، ما الشعر إذا استحكمت فيه فعدت معلما ؟ تفقه يعلك الله . فنفعني الله بكلامه ، فكتبت ما شاء الله من ابن عيينة ، ثم كنت أجالس مسلم بن خالد ، ثم قدمت على مالك ، فلما عرضت عليه إلى كتاب السير ، قال لي : تفقه تعل يا ابن أخي ، فجئت إلى مصعب بن عبد الله ، فكلمته أن يكلم لي بعض أهلنا ، فيعطيني شيئا ، فإنه كان بي من الفقر والفاقة ما الله به عليم ، فقال لي [ ص: 86 ] مصعب : أتيت فلانا ، فكلمته ، فقال : أتكلمني في رجل كان منا ، فخالفنا ؟

                                                                                      قال : فأعطاني مائة دينار ؟ ثم قال لي مصعب : إن الرشيد كتب إلي أن أصير إلى اليمن قاضيا ، فتخرج معنا ، لعل الله أن يعوضك ، فخرجت معه ، وجالسنا الناس ، فكتب مطرف بن مازن إلى الرشيد : إن أردت اليمن لا يفسد عليك ولا يخرج من يدك ، فأخرج عنه محمد بن إدريس ، وذكر أقواما من الطالبيين ، فبعث إلى حماد البربري ، فأوثقت بالحديد ، حتى قدمنا على هارون الرقة ، فأدخلت عليه . . . وذكر اجتماعه بعد بمحمد بن الحسن ، ومناظرته له .

                                                                                      قال الحميدي : عن الشافعي قال : كان منزلنا بمكة في شعب الخيف ، فكنت أنظر إلى العظم يلوح ، فأكتب فيه الحديث أو المسألة ، وكانت لنا جرة قديمة ، فإذا امتلأ العظم طرحته في الجرة .

                                                                                      قال عمرو بن عثمان المكي ، عن الزعفراني ، عن يحيى بن معين ، سمعت يحيى بن سعيد يقول : أنا أدعو الله للشافعي في صلاتي منذ أربع سنين .

                                                                                      قال ابن ماجه القزويني : جاء يحيى بن معين إلى أحمد بن حنبل ، فبينا هو عنده ; إذ مر الشافعي على بغلته ، فوثب أحمد يسلم عليه ، وتبعه ، فأبطأ ، ويحيى جالس ، فلما جاء ، قال يحيى : يا أبا عبد الله ، [ ص: 87 ] كم هذا ؟ فقال : دع عنك هذا ؟ إن أردت الفقه ، فالزم ذنب البغلة .

                                                                                      قال أحمد بن العباس النسائي : سمعت أحمد بن حنبل ما لا أحصيه وهو يقول : قال أبو عبد الله الشافعي . ثم قال : ما رأيت أحدا أتبع للأثر من الشافعي .

                                                                                      أبو حاتم : حدثنا يونس ، سمعت الشافعي يقول : ناظرت يوما محمد بن الحسن ، فاشتد مناظرتي له ، فجعلت أوداجه تنتفخ ، وأزراره تنقطع زرا زرا .

                                                                                      وعن الشافعي قال : سميت ببغداد ناصر الحديث .

                                                                                      وقال يونس : سمعت الشافعي يقول : ما فاتني أحد كان أشد علي من الليث ، وابن أبي ذئب ، والليث أتبع للأثر من مالك . [ ص: 88 ]

                                                                                      أخبرنا أحمد بن سلامة إجازة ، عن مسعود الجمال ، أخبرنا أبو علي الحداد ، أخبرنا أبو نعيم ، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن سهل ، حدثني حسان بن أبان القاضي بمصر ، حدثني جامع بن القاسم البلخي ، حدثني أبو بكر محمد بن يزيد بن حكيم المستملي قال : رأيت الشافعي في المسجد الحرام ، وقد جعلت له طنافس ، فجلس عليها ، فأتاه رجل من أهل خراسان ، فقال : يا أبا عبد الله ، ما تقول في أكل فرخ الزنبور ؟ فقال : حرام . فقال : حرام ؟ ! قال : نعم من كتاب الله ، وسنة رسول الله ، والمعقول ، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وحدثنا سفيان ، عن زائدة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن مولى لربعي ، عن حذيفة ، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر هذا الكتاب والسنة .

                                                                                      وحدثونا عن إسرائيل ، قال أبو بكر المستملي : حدثنا أبو أحمد ، عن إسرائيل ، عن إبراهيم بن عبد الأعلى ، عن سويد بن غفلة ، أن عمر أمر بقتل الزنبور ، وفي المعقول أن ما أمر بقتله فحرام أكله .

                                                                                      وقال أبو نعيم : حدثنا الحسن بن سعد ، حدثنا زكريا الساجي ، سمعت البويطي ، سمعت الشافعي يقول : إنما خلق الله الخلق بكن ، فإذا كانت " كن " مخلوقة فكأن مخلوقا خلق بمخلوق . [ ص: 89 ]

                                                                                      الربيع : سمعت الشافعي يقول : لم أر أحدا أشهد بالزور من الرافضة .

                                                                                      وقال : لا يبلغ في هذا الشأن رجل حتى يضر به الفقر ، ويؤثره على كل شيء .

                                                                                      وقال يونس بن عبد الأعلى : سمعت الشافعي يقول : يا يونس ، الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة ، والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء ، فكن بين المنقبض والمنبسط .

                                                                                      وقال لي : رضى الناس غاية لا تدرك ، وليس إلى السلامة منهم سبيل ، فعليك بما ينفعك فالزمه .

                                                                                      وعن الشافعي : العلم ما نفع ، ليس العلم ما حفظ .

                                                                                      وعنه : اللبيب العاقل هو الفطن المتغافل .

                                                                                      وعنه : لو أعلم أن الماء البارد ينقص مروءتي ما شربته . [ ص: 90 ]

                                                                                      أبو نعيم : حدثنا ابن المقرئ ، سمعت يوسف بن محمد بن يوسف المروزي يقول : عن عمر بن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، عن أبيه ، سمعت الشافعي يقول : بينما أنا أدور في طلب العلم ، ودخلت اليمن ، فقيل لي : بها إنسان من وسطها إلى أسفل بدن امرأة ، ومن وسطها إلى فوق بدنان مفترقان بأربع أيد ورأسين ووجهين ، فأحببت أن أنظر إليها ، فلم أستحل حتى خطبتها من أبيها ، فدخلت ، فإذا هي كما ذكر لي ، فلعهدي بهما ، وهما يتقاتلان ، ويتلاطمان ، ويصطلحان ، ويأكلان ، ثم إني نزلت عنها ، وغبت عن تلك البلد ، -أحسبه قال : سنتين- ثم عدت ، فقيل لي : أحسن الله عزاءك في الجسد الواحد ، توفي ، فعمد إليه ، فربط من أسفل بحبل ، وترك حتى ذبل ، فقطع ودفن ، قال الشافعي : فلعهدي بالجسد الواحد في السوق ذاهبا وجائيا أو نحوه .

                                                                                      هذه حكاية عجيبة منكرة ، وفي إسنادها من يجهل .

                                                                                      وعن الشافعي قال : ما نقص من أثمان السود إلا لضعف عقولهم ، وإلا هو لون من الألوان .

                                                                                      إبراهيم بن محمد بن الحسن الأصبهاني : حدثنا الربيع ، قال : كان الشافعي يختم في رمضان ستين ختمة . [ ص: 91 ]

                                                                                      قال إبراهيم بن محمد الشافعي : ما رأيت أحدا أحسن صلاة من الشافعي ، وذاك أنه أخذ من مسلم بن خالد ، وأخذ مسلم من ابن جريج ، وأخذ ابن جريج من عطاء ، وأخذ عطاء من ابن الزبير ، وأخذ ابن الزبير من أبي بكر الصديق ، وأخذ أبو بكر من النبي -صلى الله عليه وسلم .

                                                                                      وعن الشافعي قال : رأيت باليمن بنات تسع يحضن كثيرا .

                                                                                      قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم : سمعت الشافعي يقول : يقولون : ماء العراق ، وما في الدنيا مثل ماء مصر للرجال ، لقد قدمت مصر وأنا مثل الخصي ما أتحرك ، قال : فما برح من مصر حتى ولد له .

                                                                                      محمد بن إبراهيم بن جناد : حدثنا الحسن بن عبد العزيز الجروي سمعت الشافعي يقول : خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة ، يسمونه التغبير يشغلون به عن القرآن .

                                                                                      عن الشافعي : ما أفلح سمين قط إلا أن يكون محمد بن الحسن ، [ ص: 92 ] قيل : ولم ؟ قال : لأن العاقل لا يعدو من إحدى خلتين ، إما يغتم لآخرته أو لدنياه ، والشحم مع الغم لا ينعقد .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      الخدمات العلمية