الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثالثة : تمسك الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من وجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            الوجه الأول : أن قوله تعالى :( ما كان لنبي أن يكون له أسرى ) صريح في أن هذا المعنى منهي عنه ، وممنوع من قبل الله تعالى ، ثم إن هذا المعنى قد حصل ، ويدل عليه وجهان :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : قوله تعالى بعد هذه الآية :( ياأيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى ) [الأنفال : 70] .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : أن الرواية التي ذكرناها قد دلت على أنه عليه الصلاة والسلام ما قتل أولئك الكفار ، بل أسرهم ، فكان الذنب لازما من هذا الوجه .

                                                                                                                                                                                                                                            الوجه الثاني : أنه تعالى أمر النبي عليه الصلاة والسلام وجميع قومه يوم بدر بقتل الكفار وهو قوله :( فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ) [الأنفال : 12] وظاهر الأمر للوجوب ، فلما لم يقتلوا بل أسروا كان الأسر معصية .

                                                                                                                                                                                                                                            الوجه الثالث : أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بأخذ الفداء ، وكان أخذ الفداء معصية ، ويدل عليه وجهان :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : قوله تعالى :( تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ) وأجمع المفسرون على أن المراد من عرض الدنيا ههنا هو أخذ الفداء .

                                                                                                                                                                                                                                            والثاني : قوله تعالى :( لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) وأجمعوا على أن المراد بقوله :( أخذتم ) ذلك الفداء .

                                                                                                                                                                                                                                            الوجه الرابع : أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر بكيا ، وصرح الرسول صلى الله عليه وسلم أنه إنما بكى لأجل أنه حكم بأخذ الفداء ، وذلك يدل على أنه ذنب .

                                                                                                                                                                                                                                            الوجه الخامس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن العذاب قرب نزوله ولو نزل لما نجا منه إلا عمر " وذلك يدل على الذنب ، فهذه جملة وجوه تمسك القوم بهذه الآية .

                                                                                                                                                                                                                                            والجواب عن الوجه الذي ذكروه أولا : أن قوله :( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ) يدل على أنه كان الأسر مشروعا ، ولكن بشرط سبق الإثخان في الأرض ، والمراد بالإثخان هو القتل والتخويف الشديد ، ولا شك أن الصحابة قتلوا يوم بدر خلقا عظيما ، وليس من شرط الإثخان في الأرض قتل جميع الناس ، ثم إنهم بعد القتل الكثير أسروا جماعة ، والآية تدل على أن بعد الإثخان يجوز الأسر فصارت هذه الآية دالة دلالة بينة على أن ذلك الأسر كان جائزا بحكم هذه الآية ، فكيف يمكن التمسك بهذه الآية في أن ذلك الأسر كان ذنبا ومعصية ؟ ويتأكد هذا الكلام بقوله تعالى :( حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء ) [محمد : 4] .

                                                                                                                                                                                                                                            فإن قالوا : فعلى ما شرحتموه دلت الآية على أن ذلك الأسر كان جائزا ، والإتيان بالجائز المشروع لا يليق ترتيب العقاب عليه ، فلم ذكر الله بعده ما يدل على العقاب ؟ فنقول : الوجه فيه أن الإثخان في الأرض ليس مضبوطا بضابط معلوم معين ، بل المقصود منه إكثار القتل بحيث يوجب وقوع الرعب في قلوب الكافرين ، وأن لا يجترئوا على محاربة المؤمنين ، وبلوغ القتل إلى هذا الحد المعين لا شك أنه يكون مفوضا إلى [ ص: 159 ] الاجتهاد ، فلعله غلب على ظن الرسول عليه الصلاة والسلام أن ذلك القدر من القتل الذي تقدم كفى في حصول هذا المقصود ، مع أنه ما كان الأمر كذلك فكان هذا خطأ واقعا في الاجتهاد في صورة ليس فيها نص ، وحسنات الأبرار سيئات المقربين ، فحسن ترتيب العقاب على ذكر هذا الكلام لهذا السبب ، مع أن ذلك لا يكون البتة ذنبا ولا معصية .

                                                                                                                                                                                                                                            والجواب عن الوجه الذي ذكروه ثانيا أن نقول : إن ظاهر قوله تعالى :( فاضربوا فوق الأعناق ) أن هذا الخطاب إنما كان مع الصحابة لإجماع المسلمين على أنه عليه الصلاة والسلام ما كان مأمورا أن يباشر قتل الكفار بنفسه ، وإذا كان هذا الخطاب مختصا بالصحابة ، فهم لما تركوا القتل وأقدموا على الأسر ، كان الذنب صادرا منهم لا من الرسول صلى الله عليه وسلم . ونقل أن الصحابة لما هزموا الكفار وقتلوا منهم جمعا عظيما ، والكفار فروا ذهب الصحابة خلفهم وتباعدوا عن الرسول وأسروا أولئك الأقوام ، ولم يعلم الرسول بإقدامهم على الأسر إلا بعد رجوع الصحابة إلى حضرته ، وهو عليه السلام ما أسر وما أمر بالأسر ، فزال هذا السؤال .

                                                                                                                                                                                                                                            فإن قالوا : هب أن الأمر كذلك ، لكنهم لما حملوا الأسارى إلى حضرته فلم لم يأمر بقتلهم امتثالا لقوله تعالى :( فاضربوا فوق الأعناق ) .

                                                                                                                                                                                                                                            قلنا : إن قوله :( فاضربوا ) تكليف مختص بحالة الحرب عند اشتغال الكفار بالحرب ، فأما بعد انقضاء الحرب فهذا التكليف ما كان متناولا له ، والدليل القاطع عليه أنه عليه الصلاة والسلام استشار الصحابة في أنه بماذا يعاملهم ، ولو كان ذلك النص متناولا لتلك الحالة ، لكان مع قيام النص القاطع تاركا لحكمه وطالبا ذلك الحكم من مشاورة الصحابة ، وذلك محال ، وأيضا فقوله :( فاضربوا فوق الأعناق ) أمر ، والأمر لا يفيد إلا المرة الواحدة ، وثبت بالإجماع أن هذا المعنى كان واجبا حال المحاربة فوجب أن يبقى عديم الدلالة على ما وراء وقت المحاربة ، وهذا الجواب شاف .

                                                                                                                                                                                                                                            والجواب عما ذكروه ثالثا ، وهو قولهم : إنه عليه الصلاة والسلام حكم بأخذ الفداء ، وأخذ الفداء محرم ، فنقول : لا نسلم أن أخذ الفداء محرم .

                                                                                                                                                                                                                                            وأما قوله :( تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ) فنقول : هذا لا يدل على قولكم ، وبيانه من وجهين :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : أن المراد من هذه الآية حصول العتاب على الأسر لغرض أخذ الفداء ، وذلك لا يدل على أن أخذ الفداء محرم مطلقا .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : أن أبا بكر رضي الله عنه قال : الأولى أن نأخذ الفداء لتقوى العسكر به على الجهاد ، وذلك يدل على أنهم إنما طلبوا ذلك الفداء للتقوي به على الدين ، وهذه الآية تدل على ذم من طلب الفداء لمحض عرض الدنيا ولا تعلق لأحد البابين بالثاني ، وهذان الجوابان بعينهما هما الجوابان عن تمسكهم بقوله تعالى :( لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) .

                                                                                                                                                                                                                                            والجواب عما ذكروه رابعا : أن بكاء الرسول عليه الصلاة والسلام يحتمل أن يكون لأجل أن بعض الصحابة لما خالف أمر الله في القتل ، واشتغل بالأسر استوجب العذاب ، فبكى الرسول عليه الصلاة والسلام خوفا من نزول العذاب عليهم ، ويحتمل أيضا ما ذكرناه أنه عليه الصلاة والسلام اجتهد في أن القتل الذي حصل هل بلغ مبلغ الإثخان الذي أمره الله به في قوله :( حتى يثخن في الأرض ) ووقع الخطأ في ذلك الاجتهاد ، وحسنات الأبرار سيئات المقربين ، فأقدم على البكاء لأجل هذا المعنى .

                                                                                                                                                                                                                                            [ ص: 160 ] والجواب عما ذكروه خامسا : أن ذلك العذاب إنما نزل بسبب أن أولئك الأقوام خالفوا أمر الله بالقتل ، وأقدموا على الأسر حال ما وجب عليهم الاشتغال بالقتل ، فهذا تمام الكلام في هذه المسألة ، والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية