الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                            مواهب الجليل في شرح مختصر خليل

                                                                                                                            الحطاب - محمد بن محمد بن عبد الرحمن الرعينى

                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ( الرابع ) إن قيل : ظاهر الكلام يقتضي أن وقوعه فرضا لا يستلزم كونه واجبا بأن يقع فرضا ، ولم يكن واجبا لمقارنتكم بينهما بتشبيه أحدهما بالآخر ; قيل : نعم هو كذلك ; لأنه إذا حصل شرط وقوعه فرضا وهو الحرية والتكليف لا يكون واجبا حتى يحصل سبب الوجوب وهو الاستطاعة ، فلو كان حرا مكلفا غير مستطيع وتحمل المشاق والكف وحج قبل حصول الاستطاعة سقط عنه الفرض مع أنه أولا ليس بواجب عليه ، سواء قلنا : الاستطاعة عنده شرط أو سبب ; لأن الشيء لا يجب مع فقد شرط وجوبه ولا مع فقد سبب وجوبه ( فإن قيل ) كيف يجزئ ما ليس بفرض عن الفرض ؟ ( فالجواب ) كما قال سند : إنه في الحقيقة لما حصل بموضع الحج والتمكن منه وجب عليه فأجزأه فعله ولم يكن عليه قبل ، ولا يتحقق أن يجزيه عن فرض إلا بعد ثبوت الفرض عليه انتهى .

                                                                                                                            وقال في التمهيد في شرح الحديث الأول لابن شهاب عن سليمان بن يسار : الإجماع على أن الفقير إذا وصل إلى البيت بخدمة الناس أو بالسؤال أو بأي وجه كان فقد تعين عليه الفرض ووجب عليه الحج ، وأجاب البساطي بأن الشيء قد يجزي عن الواجب وإن لم يكن واجبا ، كالجمعة لا تجب على المرأة والعبد وتجزيهما عن الظهر انتهى .

                                                                                                                            ( قلت ) إنما أجزأت الجمعة عن الظهر ; لأنها بدل منها على أحد القولين وعلى القول الآخر فلاستقرار وجوب شيء في الذمة بخلاف مسألتنا ، والله أعلم .

                                                                                                                            ( الخامس ) انظر هل على ما قاله سند أنه لا يتحقق أن يجزيه عن الفرض إلا بعد ثبوت الفرض عليه ، ما حكم من كان غير مستطيع وأحرم بالحج من بلده أو من موضع يتحقق أنه لا يستطيع الحج منه ثم تكلف بعد ذلك الوصول إلى مكة على وجه يتحقق أنه لا يوجبه الشرع عليه فهل يجزئه عن الفرض أم لا ؟ لم أر فيه نصا صريحا وظاهر نصوصهم أنه يجزئه ، قال سند : لما قسم شروط الحج ومنها ما يمنع فقده الوجوب دون الإجزاء وهو الاستطاعة انتهى .

                                                                                                                            وقال القرافي في ذخيرته : وأما عدم السبب الذي هو الاستطاعة فيمنع الوجوب دون الإجزاء انتهى .

                                                                                                                            وقال في الجواهر : ولا يشترط لوقوعه عن حجة الإسلام إلا الإسلام والحرية والتكليف وهذا ظاهر كلام المصنف هنا وكلام غيره ويمكن أن تتخرج المسألة على ما ذكره القرافي في الفرق الثالث والثلاثين وغيره فيما إذا كان للحكم سبب وشرط فإنه إن تقدم عليهما لم يعتبر إجماعا وإن تأخر عنهما اعتبر إجماعا وإن توسط بينهما اختلف فيه كتقديم الكفارة قبل الحنث الذي هو شرطها بعد الحلف الذي هو سببها وكإخراج الزكاة بعد جريان سببها الذي هو ملك النصاب ، وقبل وجوب شرطها الذي هو دوران الحول ونحو ذلك ويختلف التشهير في هذه المسائل بحسب مدارك أخر ، فنقول : كذلك الحج إذا وقع بعد شروطه [ ص: 490 ] وقبل سببه يختلف فيه ويتجه حينئذ القول بأنه إذا لم تحصل الاستطاعة لم يصح الحج ويكون معناه أنه لا يسقط الفرض بناء على أحد القولين ويؤيد هذا أن بعضهم جعل الاستطاعة شرط صحة كما سيأتي وأن غير المستطيع لا يجزئه حجه عن حجة الإسلام فيكون القولان في هذه المسألة قول أكثر الشيوخ : إن الاستطاعة شرط في الوجوب ، وقول بعضهم : إنها شرط في الصحة ، وهذا إنما يكون في مثل هذه الصورة التي فرضناها وهي أن يحرم وهو غير مستطيع وأما من كان بموضع غير مستطيع فتكلف وأتى وما حصل منه الإحرام إلا بعد وصوله من موضع يجب عليه الحج منه لكونه مستطيعا فلا يختلف في وجوبه ولا في صحة حجه وإجزائه عن الفرض ، كما تقدم عن صاحب التمهيد ولا يقال : يلزم أن نقول بالإجزاء على أحد القولين فيما إذا حصل السبب وهو الاستطاعة وفقدت الشروط أعني الحرية والتكليف ; لأنا نقول : يلزم من عدم الشروط عدم السبب الذي هو الاستطاعة ; لأن العبد والصبي والمجنون غير مستطيعين ; لأن المملوك لا تصرف له في نفسه ، والصبي والمجنون محجور عليهما في التصرف في أموالهما .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            الخدمات العلمية