الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وقوله تعالى : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم روي عن ابن عباس وأبي الدرداء والحسن ومجاهد وإبراهيم وقتادة والسدي : أنه ذبائحهم . وظاهره يقتضي ذلك ؛ لأن ذبائحهم من طعامهم ، ولو استعملنا اللفظ على عمومه لانتظم جميع طعامهم من الذبائح وغيرها . والأظهر أن يكون المراد الذبائح خاصة ؛ لأن سائر طعامهم من الخبز والزيت وسائر الأدهان لا يختلف حكمها بمن يتولاه ، ولا شبهة في ذلك على أحد ، سواء كان المتولي لصنعه واتخاذه مجوسيا أو كتابيا ، ولا خلاف فيه بين المسلمين . وما كان منه غير مذكى لا يختلف حكمه في إيجاب حظره بمن تولى إماتته من مسلم أو كتابي أو مجوسي ؛ فلما خص الله تعالى طعام أهل الكتاب بالإباحة وجب أن يكون محمولا على الذبائح التي يختلف حكمها باختلاف الأديان . وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من الشاة المسمومة المشوية التي أهدتها إليه اليهودية ولم يسألها عن ذبيحتها أهي من ذبيحة المسلم أم اليهودي .

واختلف الفقهاء فيمن انتحل دين أهل الكتاب من العرب ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر : ( من كان يهوديا أو نصرانيا من العرب والعجم [ ص: 321 ] فذبيحته مذكاة إذا سمى الله عليها . وإن سمى النصراني عليها باسم المسيح لم تؤكل ، ولا فرق بين العرب والعجم في ذلك ) .

وقال مالك : ( ما ذبحوه لكنائسهم أكره أكله ، وما سمي عليه باسم المسيح لا يؤكل والعرب والعجم فيه سواء ) . وقال الثوري : ( إذا ذبح وأهل به لغير الله كرهته ) ، وهو قول إبراهيم . وقال الثوري : وبلغني عن عطاء أنه قال : ( قد أحل الله ما أهل به لغير الله ؛ لأنه قد علم أنهم سيقولون هذا القول ) .

وقال الأوزاعي : ( إذا سمعته يرسل كلبه باسم المسيح أكل ) . وقال فيما ذبح أهل الكتابين لكنائسهم وأعيادهم : كان مكحول لا يرى به بأسا ، ويقول : هذه كانت ذبائحهم قبل نزول القرآن ثم أحلها الله تعالى في كتابه ؛ وهو قول الليث بن سعد .

وقال الربيع عن الشافعي : ( لا خير في ذبائح نصارى العرب من بني تغلب ) قال : ( ومن دان دين أهل الكتاب قبل نزول القرآن وخالف دين أهل الأوثان قبل نزول القرآن فهو خارج من أهل الأوثان وتقبل منه الجزية عربيا كان أو عجميا ، ومن دخل عليه الإسلام ولم يدن بدين أهل الكتاب فلا يقبل منه إلا الإسلام أو السيف ) .

قال أبو بكر : وقد روي عن جماعة من السلف القول في أهل الكتاب من العرب ، لم يفرق أحد منهم فيه بين من دان بذلك قبل نزول القرآن أو بعده ، ولا نعلم أحدا من السلف والخلف اعتبر فيهم ما اعتبره الشافعي في ذلك ، فهو منفرد بهذه المقالة خارج بها عن أقاويل أهل العلم .

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله : لا إكراه في الدين قال : كانت المرأة من الأنصار لا يعيش لها ولد فتحلف لئن عاش لها ولد لتهودنه ، فلما أجليت بنو النضير إذا فيهم ناس من أبناء الأنصار فقالت الأنصار : يا رسول الله أبناؤنا فأنزل الله : لا إكراه في الدين . قال سعيد : فمن شاء لحق بهم ومن شاء دخل الإسلام

فلم يفرق فيما ذكر بين من دان باليهودية قبل نزول القرآن وبعده وروى عبادة بن نسي عن غضيف بن الحارث : أن عاملا لعمر بن الخطاب كتب إليه أن ناسا من السامرة يقرءون التوراة ويسبتون السبت ولا يؤمنون بالبعث ، فما ترى ؟ فكتب إليه عمر : " إنهم طائفة من أهل الكتاب " .

وروى محمد بن سيرين عن عبيدة قال : سألت عليا عن ذبائح نصارى العرب ، فقال : ( لا تحل ذبائحهم فإنهم لم يتعلقوا من دينهم بشيء إلا بشرب الخمر ) .

وروى عطاء بن [ ص: 322 ] السائب عن عكرمة عن ابن عباس قال : كلوا من ذبائح بني تغلب وتزوجوا من نسائهم ، فإن الله تعالى قال في كتابه : ومن يتولهم منكم فإنه منهم فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية كانوا منهم ولم يفرق أحد من هؤلاء بين من دان بذلك قبل نزول القرآن وبعده ، فهو إجماع منهم .

ويدل على بطلان هذه المقالة من التفرقة بين من دان بدين أهل الكتاب قبل نزول القرآن أو بعده قول الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم وذلك إنما يقع على المستقبل ، فأخبر تعالى بعد نزول القرآن أن من يتولاهم من العرب فهو منهم ، وذلك يقتضي أن يكون كتابيا ؛ لأنهم أهل الكتاب ، وأن تحل ذبائحهم ، لقوله تعالى : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ومن الناس من يزعم أن أهل الكتاب هم بنو إسرائيل الذين ينتحلون اليهودية والنصرانية دون من سواهم من العرب والعجم الذين دانوا بدينهم ، ولم يفرقوا في ذلك بين من دان بذلك قبل نزول القرآن وبعده ، ويحتجون في ذلك بقوله : ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة فأخبر أن الذين آتاهم الكتاب هم بنو إسرائيل ؛ وبحديث عبيدة السلماني عن علي أنه قال : ( لا تحل ذبائح نصارى العرب لأنهم لم يتعلقوا من دينهم بشيء إلا بشرب الخمر ) أما الآية فلا دلالة فيها على قولهم ؛ لأنه إنما أخبر أنه آتى بني إسرائيل الكتاب ولم ينف بذلك أن يكون من انتحل دينهم في حكمهم .

وقد قال ابن عباس : تحل ذبائحهم ، لقوله تعالى : لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم وقول علي رضي الله عنه في ذلك وحظر ذبائح نصارى العرب ليس من جهة أنهم من غير بني إسرائيل ، لكن من قبل أنهم غير متمسكين بأحكام تلك الشريعة ؛ لأنه قال : إنهم لا يتعلقون من دينهم إلا بشرب الخمر ، ولم يقل : لأنهم ليسوا من بني إسرائيل ؛ فقول من قال إن أهل الكتاب لا يكونون إلا من بني إسرائيل وإن دانوا بدينهم قول ساقط مردود .

وروى هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي عبيدة عن حذيفة عن عدي بن حاتم قال : أتينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عدي بن حاتم أسلم تسلم فقلت له : إن لي دينا ، فقال : أنا أعلم بدينك منك قلت : أنت أعلم بديني مني ؟ قال : نعم ألست ركوسيا ؟ قال : قلت بلى قال : ألست ترأس قومك ؟ قال : قلت : بلى قال : ألست تأخذ المرباع ؟ قال : [ ص: 323 ] قلت : بلى قال : فإن ذلك لا يحل لك في دينك قال : فكأني رأيت أن علي بها غضاضة ، وكأني تواضعت بها . وروى عبد السلام بن حرب عن غطيف بن أعين عن مصعب بن سعد عن عدي بن حاتم قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب ذهب فقال : ألق هذا الوثن عنك ثم قرأ : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله قال : قلت : يا رسول الله ما كنا نعبدهم قال : أليس كانوا يحلون لكم ما حرم الله عز وجل فتحلونه ويحرمون عليكم ما أحل الله فتحرمونه ؟ قال : فتلك عبادتهم وفي هذين الخبرين ضروب من الدلالة على ما ذكرنا ، أحدها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نسب إلى متخذي الأحبار والرهبان أربابا وهم اليهود والنصارى ، ولم ينف ذلك عنه من حيث كان عربيا ، وقال في الحديث الأول : " ألست ركوسيا " وهم صنف من النصارى ، فلم يخرجه عنهم بأخذهم المرباع ، وهو ربع الغنيمة ؛ وليس ذلك من دين النصارى ؛ لأن في دينهم أن الغنائم لا تحل ؛ فهذا يدل على أن ترك التمسك بما ينتحله المنتحلون للأديان لا يخرجهم من أن يكونوا من أهل تلك الشريعة وذلك الدين ، ويدل على أن العرب وبني إسرائيل سواء فيما ينتحلون من دين أهل الكتاب وأنهم غير مختلفي الأحكام ؛ ولما لم يسأله النبي صلى الله عليه وسلم عما انتحله من دين النصارى أكان قبل نزول القرآن أو بعده ونسبه إلى فرقة منهم من غير مسألة دل على أنه لا فرق بين من انتحل ذلك قبل نزول القرآن أو بعده ؛ والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية