الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                        552 513 - عن عبد الله بن جابر بن عتيك عن عتيك بن الحارث ، وهو جد عبد الله بن عبد الله بن جابر أبو أمه ، أنه أخبره أن جابر بن عتيك أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يعود عبد الله بن ثابت ، فوجده قد غلب عليه ، فصاح به فلم يجبه ، فاسترجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : غلبنا عليك يا أبا الربيع ، فصاح النسوة وبكين فجعل جابر يسكتهن ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعهن فإذا وجب فلا تبكين باكية ، قالوا يا رسول الله : وما الوجوب ؟ قال إذا مات ، فقالت ابنته : والله إن كنت لأرجو أن تكون شهيدا فإنك كنت قد قضيت جهازك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله قد أوقع أجره على قدر نيته ، وما تعدون الشهادة ؟ قالوا : القتل في سبيل الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الشهداء سبعة سوى القتل في [ ص: 311 ] سبيل الله : المطعون شهيد ، والغرق شهيد ، وصاحب ذات الجنب شهيد ، والمبطون شهيد ، والحرق شهيد ، والذي يموت تحت الهدم شهيد ، والمرأة تموت بجمع شهيد .

                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                        11636 - ولم يختلف الرواة للموطأ فيما علمت في إسناد هذا الحديث ولا في متنه إلا أن غير مالك يقول فيه : دعهن يبكين ما دام عندهن .

                                                                                                                        11637 - وفي حديث مالك من الفقه معان حسنة منها .

                                                                                                                        11638 - عيادة الفضلاء من الخلفاء وغيرهم المرضى تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                        11639 - وفي فضل عيادة المرضى أحاديث كثيرة حسان ، وهي سنة مسنونة مندوب إليها لا خلاف عن العلماء فيها .

                                                                                                                        11640 - وفيه جواز مناداة العليل ليجيب عن حاله فإن لم يقدر على الإجابة فلا بأس بالاسترجاع عليه حينئذ وإن كان يسمع بدليل هذا الحديث .

                                                                                                                        11641 - والاسترجاع على المصيبة سنة .

                                                                                                                        11642 - قال الله عز وجل : " الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون " البقرة 156 .

                                                                                                                        11643 - وفيه تكنية الرئيس الكبير لمن دونه ، ألا ترى قوله عليه السلام : " غلبنا عليك يا أبا الربيع " ولم يستكبر عن ذلك من الخلفاء والأمراء إلا من حرم التقوى .

                                                                                                                        [ ص: 312 ] 11644 - وفيه إباحة البكاء على المريض بالصياح وغير الصياح عند حضور وفاته .

                                                                                                                        11645 - ألا ترى إلى قوله فصاح النسوة وبكين ، فجعل جابر يسكتهن .

                                                                                                                        11646 - وتسكيت جابر لهن والله أعلم ، لأنه كان قد سمع النهي عن البكاء على الموتى ، فاستعمل ذلك على عمومه ، حتى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دعهن يبكين حتى يموت ، فإذا مات فلا تبكين باكية " .

                                                                                                                        11647 - وهذا معنى قوله " فإذا أوجب فلا تبكين باكية " يريد لا ترفع صوتها بالبكاء باكية ، وذلك مفسر في الحديث .

                                                                                                                        11648 - وهذا دليل على جواز البكاء على الموتى في تلك الحال وإن النهي عن البكاء عليهم هذا معناه والله أعلم .

                                                                                                                        11649 - حدثنا سعيد قال : حدثنا قاسم قال : حدثنا محمد قال : حدثنا أبو بكر قال : حدثنا الفضل بن دكين قال : حدثني إسرائيل عن عبد الله بن عيسى عن جابر بن عتيك عن عمه قال : دخلت مع النبي صلى الله عليه وسلم على ميت من الأنصار وأهله يبكون عليه ، فقلت : أتبكون عليه وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : دعهن ما دام عندهن ، فإذا وجب فلا يبكين .

                                                                                                                        11650 - وقوله عليه السلام : " فإذا وجب فلا تبكين باكية " يعني بالوجوب الموت ، فإن المعنى والله أعلم أن الصياح والنياح لا يجوز شيء منه بعد الموت ، وأما دمع العين وحزن القلب فالسنة ثابتة بإباحته وعليه جماعة العلماء .

                                                                                                                        [ ص: 313 ] 11651 - بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم على إبراهيم ابنه ، وقال : " إنها رحمة " من حديث جابر ، وحديث أنس .

                                                                                                                        11652 - وبكى على زينب ابنته ، فقيل له : تبكي ؟ فقال : إنما هي رحمة جعلها الله في قلوب عباده " من حديث أسامة بن زيد .

                                                                                                                        [ ص: 314 ] 11653 - وروى أبو إسحاق السبيعي عن عامر بن سعد البجلي عن أبي مسعود الأنصاري ، وثابت بن زيد ، وقرظة بن كعب ، قالوا : رخص لنا في البكاء على الميت من غير نوح .

                                                                                                                        11654 - وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النوح من حديث عمر ، وحديث علي ، وحديث المغيرة ، وحديث أم عطية ، وحديث أم سلمة ، وحديث أبي مالك الأشعري ، وحديث أبي هريرة ، وغيرهم .

                                                                                                                        11655 - وأجمع العلماء على أن النياحة لا تجوز للرجال ولا للنساء .

                                                                                                                        11656 - ورخص الجمهور في بكاء العين في كل وقت .

                                                                                                                        11657 - وجاء في حديث ابن عمر : " لكن حمزة لا بواكي له " .

                                                                                                                        11658 - وروى هشام بن عروة عن وهب بن كيسان عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سلمة بن الأزرق عن أبي هريرة قال : مر على النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة يبكي عليها وأنا معه وعمر بن الخطاب فانتهر اللاتي يبكين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دعهن يابن الخطاب ، فإن النفس مصابة ، والعين دامعة ، والعهد قريب " .

                                                                                                                        11659 - وفيه أن المتجهز للغزو إذا حيل بينه وبينه يكتب له أجر الغازي ويقع أجره على قدر نيته .

                                                                                                                        11660 - والآثار بهذا المعنى متواترة صحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم منها :

                                                                                                                        [ ص: 315 ] 11661 - " من كانت له صلاة بالليل فغلبه عليها نوم كتب له أجر صلاته ، وكان نومه عليه صدقة " .

                                                                                                                        11662 - ومنها حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في غزوة تبوك أو غيرها : " لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه ، قالوا : يا رسول الله ، كيف يكونون معنا وهم بالمدينة ؟ قال : حبسهم العذر " .

                                                                                                                        11663 - وقد زدنا هذا المعنى بيانا بالآثار في كتاب الصلاة والحمد لله .

                                                                                                                        11664 - وفيه طرح العالم على المتعلم لقوله : " وما تعدون الشهادة " ثم أجابهم بخلاف ما عندهم وقال لهم : الشهداء سبعة سوى القتيل في سبيل الله ثم ذكرهم .

                                                                                                                        11665 - وأما قوله " المطعون شهيد " فهو الذي يموت في الطاعون .

                                                                                                                        11666 - وقد جاء تفسير الطاعون في حديث عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن فناء أمتي بالطعن والطاعون ، قالت : أما الطعن فقد عرفناه ، فما الطاعون ؟ [ ص: 316 ] قال : غدة كغدة البعير ، تخرج في المراق والآباط ، من مات منه مات شهيدا " .

                                                                                                                        11667 - وقد ذكرنا هذا الحديث بإسناده في ( التمهيد ) ، وذكرنا هناك ما كان في معناه من الأحاديث المرفوعة والحمد لله .

                                                                                                                        11668 - وأما المبطون ، فقيل المحبوق ، وقيل صاحب انخراق البطن بالإسهال .

                                                                                                                        11669 - وأما الغرق فمعروف ، وهو الذي يموت في الماء .

                                                                                                                        11670 - وذات الجنب ، قيل هي الشوصة ، وقيل إنها في الجانب الآخر من موضع الشوصة وذلك معروف أنها تكون منها المنية في الأغلب ، وصاحبها شهيد على ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                        [ ص: 317 ] 11671 - وفي بعض الآثار المجنوب شهيد ، يريد صاحب ذات الجنب يقال له : رجل جنب ( بكسر النون وفتح الجيم ) إذا كانت به ذات الجنب .

                                                                                                                        11672 - وأما الحرق ، فالذي يموت في النار محترقا من النار .

                                                                                                                        11673 - والذي يموت تحت الهدم لا يحتاج إلى تفسير .

                                                                                                                        11674 - وأما قوله " المرأة تموت بجمع شهيد " ففيه قولان لكل واحد منهما وجهان .

                                                                                                                        11675 - أحدهما : المرأة تموت من الولادة وولدها في بطنها قد تم خلقه .

                                                                                                                        11676 - وقد ذكرنا الشواهد بذلك في ( التمهيد ) .

                                                                                                                        11677 - وقيل إذا ماتت من النفاس فهي شهيدة ، سواء ألقت ولدها أو مات وهو في بطنها .

                                                                                                                        11678 - والقول الآخر : هي المرأة تموت قبل أن تحيض وتطمث ، وقيل بل هي المرأة تموت عذراء لم يمسها الرجال .

                                                                                                                        11679 - والقول الأول أشهر في اللغة وأكثر عند العلماء .

                                                                                                                        11680 - وفي جمع لغتان الضم والكسر في العذراء والنفساء معا قيل تموت بجمع وشواهد ذلك في ( التمهيد ) أيضا .

                                                                                                                        11681 - وقد ذكرنا في الشهادة والشهداء آثارا كثيرة في ( التمهيد ) فيها بيان وشفاء والحمد لله .

                                                                                                                        [ ص: 318 ] 11682 - وفي هذا الباب أيضا .




                                                                                                                        الخدمات العلمية