الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف نتفاضل في الجنة مع اختلاف أحوالنا في الدنيا؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لدي سؤال: نحن جميعًا في الدنيا لنرضي الله وندخل الجنة ونرتقي في درجاتها، أليس من عدل الله أن يملك كل إنسان فرصة ليصل إلى أعلى درجة في الجنة؟

كيف يكون ذلك وقد وُلد بعضنا غنيًا والآخر فقيرًا، وبعضنا مُرفهًا ليس مطلوبًا منه شيء، والآخر يضطر للعمل اثنتي عشرة ساعة في اليوم؟

بعضنا وُلد في بيت علم، وما إن بلغ عمره عشرين عامًا وجد نفسه حافظًا للقرآن وقد قطع شوطًا في العلم الشرعي، بينما الآخر وُلد في بيئة بعيدة عن الدين، وصل إلى عمر الخامسة والعشرين وهو بصعوبة يحافظ على الصلاة، بالإضافة إلى غير العرب وما يواجهونه من تحديات.

أعلم أن كل إنسان مبتلى بما عنده من النعم، لكن أليس المفروض أن يكون الطريق الموصل إلى أعلى مراتب الجنة متاحًا للجميع باختلاف ظروفهم؟ فما هو هذا الطريق؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب.

نشكر لك تواصلك مع الموقع، ونسأل الله تعالى أن يفقهنا وإياك في الدِّين، وأن يرزقنا حسن الظن بالله سبحانه وتعالى وحسن المعرفة به جل شأنه.

سؤالك متضمّن لقدر من الحقيقة الصحيحة، وهي أن كل واحدٍ مِنَّا في هذه الحياة وُجد ليسعى في رضا الله -سبحانه وتعالى- ومن ثمَّ يجازيه الله تعالى بعمله فيدخله الجنة، ويرقِّيه في درجاتها، ولكنك في الوقت نفسه الذي أصبت فيه في هذه الجزئية، أخطأت في تصورك أن هذا الطريق مقتصر على مَن أعطاهم الله -سبحانه وتعالى- في هذه الدنيا غِنًى وسَعةً في الرزق، وأن مَن لم يكن كذلك محروم من هذه الفرصة، فهذا التصور الذي تصورته غير صحيح، وهو الذي أوقعك في هذه الحيرة التي عبّرت عنها بهذا السؤال.

والأمر -أيها الحبيب- سهل بسيط؛ فإن الله -سبحانه وتعالى- خلقنا جميعًا لعبادته، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾ [الذاريات:56]، وهذه العبادة هي الطاعة والخضوع له -سبحانه وتعالى- في حدود قُدراتنا، وفي متناول أيدينا وما نقدر عليه، ولذلك أخبرنا الله في كتابه في آيات كثيرة عن هذا المعنى، فقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَا﴾ [البقرة:286]، وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَا﴾ [الطلاق:7].

وأخبرتنا النصوص الشرعية -سواء من الآيات القرآنية أو من أحاديث الرسول ﷺ- عن قبول الله -سبحانه وتعالى- للعمل القليل من الإنسان الصادق في معاملته لله، والذي يعلم الله -سبحانه وتعالى- منه أنه لو قدر على أكثر من ذلك سيفعل، فإن هذا العمل القليل يُبلِّغُه الله -سبحانه وتعالى- به مرتبة الذين يعملون العمل الكثير، ومن ذلك قوله ﷺ: «سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ» (رواه النسائي وصححه الألباني)، ثم فسر هذا، فأخبر أن الدرهم الذي يسبق هو درهم لإنسان يملك درهمين فقط، فجادت نفسُه بأن يُنفق نصف ثروته لله -سبحانه وتعالى- وهذه الثروة قليلة جدًّا، بينما شخص آخر يملك ثروات كبيرة تصدق بمئة ألف درهم، لذلك هذا الدرهم الوحيد لذلك الإنسان الْمُقل الفقير يسبق في الثواب والأجر والمنزلة عند الله تعالى مئة ألف بذلها الآخر.

هذا مثال أحببنا أن نضعه بين يديك حتى تتضح لك الصورة، وأن العبادة إنما يكلفك الله تعالى فيها أن تفعل ما تقدر عليه، فإذا عزمت على أن تفعل على ما تقدر عليه، وأن تُرضي ربك، بلغك الله -سبحانه وتعالى- بهذه العزيمة وبهذه النية منازل العاملين الذين عملوا على الحقيقة.

ثم أنت غفلت أيضًا عن جزئية أخرى -أيها الحبيب- وهي أن مَن قَدَّر الله -سبحانه وتعالى- عليه فقرًا وضِيقًا في حياته، فإن معاناته هذه إذا قابلها بالصبر والاحتساب، فإنه مُشتغل بعبادات أخرى حُرم منها ذلك الإنسان الآخر الذي لم يُقدَّر الله تعالى عليه هذا المكروه.

فإذًا لبّ القضية -أيها الحبيب- وجوهرها هو أن يكون القلب معلّقًا بالله تعالى، وأن يكون الإنسان دائم الاتصال بالله تعالى، معلِّقًا قلبه به، مراقبًا له في حركاته وسكناته، راجيًا لثوابه، قاصدًا إيَّاه بما يفعل، فإذا كان هذا حاله فإن حياته كلها تنقلب إلى عبادة؛ فنومه عبادة، وعمله عبادة، وصبره عبادة، فيبلغ بهذه العبادات أعلى المراتب وأعلى المنازل عند الله سبحانه وتعالى.

وكذلك معاناته في تعلُّمه العلم الشرعي وطلبه لأسباب الهداية والصلاح، كلما اشتدت المشقة كلما عظم الأجر والثواب، وهذا عبّر عنه النبي ﷺ بقوله لزوجه عائشة -رضي الله عنها-: «أَجْرُكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ» (رواه مسلم).

بهذا نرجو -أيها الحبيب- أن تكون الصورة قد اتضحت لديك، وأن الخطأ إنما كان في تصورك أنت لحقيقة العبادة المطلوبة، وحقيقة الثواب المرتب على تلك العبادة.

نرجو الله -سبحانه وتعالى- أن يجعل في هذا الجواب ما يُبصّرك وينفعك، ونشكر لك تواصلك معنا وثقتك فينا وطرحك هذا الإشكال، ونسأله -سبحانه وتعالى- أن يزيدنا وإياك هدى وصلاحًا، ويشرح صدورنا لطاعته.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً