الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

انتكاساتي المتكررة جعلتني أفكر أن الله لا يحبني!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة، عمري ستة عشر عامًا، ذُقتُ حلاوةَ الالتزامِ قبلَ سنةٍ وبضعة أشهرٍ من الآن، لكنَّ انتكاساتي المتكرّرة جعلتني أشعرُ أنَّ اللهَ لا يحبُّني ولا يقبلُني، فضاعت كلُّ عباداتي.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ميرا .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، نشكر لكِ تواصلكِ بالموقع، ونسأل الله تعالى أن يشرح صدركِ للطاعات، ويسهل لكِ أنواع الخيرات.

وبدايةً نقول -ابنتنا الكريمة-: إن توفيق الله تعالى لكِ بالالتزام والرجوع إليه -سبحانه وتعالى- نعمةٌ كبيرة، ينبغي أن تكثري من شكرها لله تعالى؛ فإن الله تعالى لا يعطي الدين إلَّا من يحب، فإذا وفقكِ للطاعات فهذا فضلٌ عظيم، وعلامة على أنه يريد بكِ الخير سبحانه وتعالى.

وأمَّا ما يحصل لكِ من انتكاساتٍ كما وصفتِها أنتِ، فهذا أمرٌ طبيعيٌّ يحصل لكثيرٍ من الناس؛ فالإنسان بطبيعته التي خلقه الله تعالى عليها يخطئ وينسى، كما قال الرسول ﷺ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»، وقال: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ ‌خُلِقَ ‌مُفَتَّنًا تَوَّابًا نَسَّاءً، إِذَا ذُكِّرَ ذَكَرَ»؛ فهو مفتنٌ، أي: مختبر، يقع في الذنب، ولكن الواجب عليه إذا وقع في الذنب أن يسارع بالتوبة، وأن يعود إلى الله تعالى.

والتوبة الصحيحة هي التي تستوفي وتستكمل أركانها، ومن أركانها: الندم على فعل الذنب، والعزم على عدم الرجوع إليه في المستقبل، فإذا كان الإنسان يندم على فعله المعصية، ويعزم على عدم الرجوع إليها، ويقلع عنها في وقته الحاضر؛ إذا فعل هذا؛ فهذه التوبة تمحو الذنب السابق وتفتح له صفحةً جديدة.

ولا يضره -ما دام عازمًا على أنه لن يرجع إلى الذنب في المستقبل- لا يضره بعد ذلك إذا ضعف وأغوته نفسه والشيطان فوقع في الذنب مرةً ثانية؛ فإن المطلوب منه أن يُجدِّد توبةً جديدةً لهذا الذنب الجديد، وهكذا يستمر في هذا الطريق حتى يلقى الله سبحانه وتعالى.

إذا علمتِ هذا -أيتها الكريمة- سَهُلَ عليكِ أن تفهمي ما قد يحدث لكِ، فاحذري كل الحذر من أن يتخذ الشيطان خطأكِ الذي تقعين فيه وسيلةً لقطعكِ عن طريق الله تعالى بالكُلِّية؛ فهو حريصٌ على أن يصرفكِ عن طريق الله تعالى ويَصُدَّكِ عن الطاعات، فهو كما أخبر عنه الرسول ﷺ حين قال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ كُلِّهَا».

فانتكاساتكِ المتكررة تستوجب عليكِ توبة، والتوبة في حد ذاتها عبادةٌ محبوبةٌ يحبها الله ويحب أهلها، فقد قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ}، وأخبر -سبحانه وتعالى- أنه يبدل سيئات التائب حسنات، وأخبرنا الرسول ﷺ أن الله تعالى يفرح بتوبة عبده.

فإذا وقعتِ في الذنب فبادري إلى التوبة، واعلمي حينها أنكِ بهذه التوبة تُصبحين من أحباب الله ومن المقربين إليه، وعباداتكِ السابقة لا تضيع؛ فإن الله تعالى لا يُضيع أجر من أحسن عملًا، كما أخبر بذلك في كتابه الكريم.

ووقوع الإنسان في الذنب ليس دليلًا على أن الله تعالى لا يحبه، ما دام يُوفِّقه للتوبة بعد ذلك؛ فإن الله تعالى خلق الإنسان بهذه الكيفية، كما قال الرسول ﷺ: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ»، إنما المقياس الحقيقي هو التوفيق للتوبة، والرجوع إلى الله تعالى، وإصلاح الخلل، فهذه علامة محبة الله كما قال الله في كتابه: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}.

فإذا زلَّت قدمكِ فبادري إلى التوبة، وبذلك تصبحين من أحباب الله تعالى وتُكفِّرين ذنوبكِ؛ فإن الله تعالى يعفو عنكِ ويتجاوز، كما قال الله في كتابه: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ}، وقال عنهم: {أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ ‌أَحْسَنَ ‌مَا ‌عَمِلُوا ‌وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ}.

وخير ما نوصيكِ به -ابنتنا الكريمة- الرفقة الصالحة؛ فحاولي أن تتعرفي على الفتيات الطيبات والنساء الصالحات، وتكثري من التواصل معهنَّ والاستفادة منهنَّ؛ فهنَّ خير من يعينكِ على الثبات على الأعمال الصالحة والاستقامة بعد التوبة.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً