الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أشعر أنني بلا قيمة بسبب طريقة تعامل زوجي معي، فما نصيحتكم؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سألتُ زوجي عن رصيده في البنك بدافع الفضول فقط، فقال لي: "ما شأنكِ؟ المهم أنّكِ تأكلين وتلبسين"، فانزعجتُ منه كثيرًا، مع أنّني امرأة صالحة ودائمًا أغفر له.

أنا لا أريده أن يتعامل معي ماديًّا فحسب، بل أريده أن يتعامل معي أيضًا معنويًّا؛ لأنّ كلّ ما أطلبه يلبّيه لي، لكنّني غير سعيدة معه، إذ أشعر أنّني بلا قيمة، مع أنّني صبرت عليه كثيرًا.

وقد خانني في الهاتف مع فتاة، ومع ذلك سامحته، لكن في الحقيقة أنا غير سعيدة بهذه المعاملة، وكان في بعض الأحيان يهدّدني بالطلاق، ثم يعود ويطلب السماح، أمّا الآن فهو غاضب منّي لأنّني اتّخذت موقفًا ولم أقبل جوابه ذلك.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سائلة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -أختي الكريمة- في شبكة إسلام ويب، أسأل الله أن يصلح حالكِ، ويؤلِّف بين قلبكِ وقلب زوجكِ، ويكتب لكما السكينة والمودة والرحمة.

وردًّا على استشارتك أقول مستعينًا بالله تعالى:

أولًا: من الناحية الشرعية.
الأصل أن مال الزوج ملكٌ له، وليس من الواجب عليه شرعًا أن يُطلع زوجته على مقدار رصيده أو تفاصيل حسابه، ما دام قائمًا بالنفقة الواجبة عليكِ من طعام وكسوة ومسكن وعلاج؛ لقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.

حسن العشرة من أعظم ما أمر به الشرع، والرد على الزوجة لا بد أن يكون بأسلوب حسن لا يجرح مشاعرها؛ قال تعالى: ﴿وَعاشِرُوهُنَّ بِالمَعروفِ﴾.

لقد كانت طريقة رد زوجكِ غليظةً شديدةً وجافةً، فقوله: "ما شأنكِ؟ المهم أنكِ تأكلين وتلبسين" ليست من حسن المعاشرة، حتى لو كان السؤال بدافع الفضول، كان يمكنه أن يعتذر بلطف، أو يوضح برفق أن الأمر خاص، دون أن يُشعركِ بأنكِ بلا قيمة.

ثانيًا: من الناحية النفسية والأسرية.
أنا لا أشكّ في أنّ مشكلتكِ الحقيقية ليست في عدم إفصاحه عن مقدار رصيده البنكي، بل إنّها تكمن في الشعور بعدم التقدير، إذ إنكِ تقولين بوضوح: "لا أريده أن يتعامل معي ماديًّا فقط، أريده أن يتعامل معي معنويًّا"، وهذا بلا شكّ من حقكِ، وهو أمر مهم جدًّا؛ لأنّ المرأة بطبيعتها كتلة من المشاعر، وهي تحتاج إلى الاحترام والتقدير، كما تحتاج إلى الأمان العاطفي والإحساس بالمكانة.

ثالثًا: مسألة الخيانة والتهديد بالطلاق.
تهديد الرجل لزوجته بالطلاق على أتفه الأمور في ساعة غضب، أو سبق أنها اكتشفت أنه يحادث نساء عبر الهاتف، ثم يتعامل مع زوجته بشيء من الجفاء؛ فإن ذلك يزعزع الأمان الداخلي لدى الزوجة، حتى لو كان يلبي جميع طلباتها المادية.

الخيانة، ولو كانت بالمحادثة، تورث جرحًا عميقًا، وتجاوز الزوجة وغضُّ طرفها فضلٌ منها، لكن الجرح قد لا يلتئم إذا لم يُرمَّم بالاعتذار الصادق، وتغيير السلوك، وبناء الثقة من جديد.

كثرة التهديد بالطلاق سلوكٌ مؤذٍ نفسيًا، حتى لو لم يُقصد به التنفيذ؛ فبعض الأزواج يستخدمونه للضغط، لكنه يخلق خوفًا داخليًا دائمًا لدى الزوجة، ويُشعرها بعدم الاستقرار.

رابعًا: ماذا تفعلين عمليًا؟
لا تجعلي موضوع عدم إفصاحه عن حسابه أو ردِّه الجافي الغليظ معركةَ كرامة؛ فأنتِ معرضةٌ عنه وهو معرضٌ عنك، وكلاكما مغضب، فليس الهدف إثبات المصيب من المخطئ في هذه المشكلة، ولكن الهدف الحقيقي هو أن تصلح العلاقة بينكِ وبين زوجكِ.

فإذا كان النبي ﷺ قد قال: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ»، فهذا الحديث عام ولكنه يشمل الزوجين، بل هما أحقُّ بهذا الحديث، والذي أنصحكِ به أن تبادري بالتصالح مع زوجكِ لتكوني أفضل منه، ولو أن تعتذري له؛ لقوله ﷺ: «وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ».

ينبغي أن تختاري الوقت المناسب؛ حيث يكون زوجكِ هادئًا ومستعدًا للحوار، وعليكِ أن تكوني هادئةً متخيرةً لأحسن العبارات، فلا تقولي له: أنت وأنت، بل قولي له: أنا أفرح وأُسرُّ بما حباك الله من سعة الرزق، وأنت لم تقصر معنا أبدًا، وأسأل الله أن يوسع لك في رزقك ويرزقك من حيث لا تحتسب، ولكني أحببت أن أشعر أن لي مكانة عندك، وأن كلامي مسموع عندك، فليس كل شيء الطعام والشراب، بل أريد أن أشعر أني أشاركك في فرحك وهمك، وأشعر أنك تراعي مشاعري، والحقيقة أني شعرت بالحزن العميق حين سمعت كلماتك.

قولي له برفق ولين: "التهديد بالطلاق يؤلمني جدًّا، ويجعلني غير آمنة، وأتمنى ألَّا تُكرِّر مثل هذا التهديد، حتى في لحظات غضبكَ".

خامسًا: هل أنتِ مخطئة في غضبكِ؟
الغضب صفة مذمومة؛ لذلك لما قال رجل للنبي ﷺ: أوصني، قال له: «لَا تَغْضَبْ»، فردد مرارًا، فقال: «لَا تَغْضَبْ»، فإذا غضب الإنسان بسبب جرح مشاعره، فالواجب أن يُحسن إدارة تلك المشاعر، فاتخاذ موقف الصمت حال الغضب ممدوح، وأما الذي يستمر لأيام فيزيد الفجوة بين الطرفين، والحل هو السكوت حتى يذهب الغضب، ثم يأتي الحوار الهادئ، وبه ينفتح باب الصلح والإصلاح.

سادسًا: نقطة مهمة جدًّا:
وهي أنكِ صبرتِ، وسامحتِ، وتغافلتِ، وهذا خلق كريم منكِ، ولكن احرصي ألّا يتحول الصبر إلى كبتٍ دائم يجعلكِ تعيشين غير سعيدة؛ فمن أهداف الزواج الحصول على السكن النفسي والمودة والرحمة، وذلك لا يتأتى إلَّا بالتسامح والتنازل وغض الطرف عن الأخطاء والبدء بالاعتذار، ولو لم تكوني مخطئة؛ فالحياة لا تسير إلا بهذا، وبعكس ذلك تفسد الحياة وتنهدم البيوت.

المعيار الحقيقي في الزوج ليس في النفقة فقط، بل بحسن العشرة؛ فقد قال النبي ﷺ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ»، وهذه الخيرية يدخل فيها الإنفاق، وحسن المنطق، والمعاملة، ومراعاة المشاعر.

أذكركِ أيتها المباركة بأن حق الزوج عظيم، وهذا لا يعني أنه ليس لكِ حق، بل لكِ حق وعليكِ حق، ولعلكِ تدركين هذا. ودونكِ بعض الأحاديث الواردة في حق الزوج، أرجو أن تقرئيها بتمعن:

يقول ﷺ: «لَوْ تَعْلَمُ الْمَرْأَةُ حَقَّ الزَّوْجِ، لَمْ تَقْعُدْ مَا حَضَرَ غَدَاؤُهُ وَعَشَاؤُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ»، ويقول ﷺ: «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللهِ؛ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ رَبِّهَا حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا كُلَّهُ، حَتَّى لَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا وَهِيَ عَلَى قَتَبٍ، لَمْ تَمْنَعْهُ».

ويقول ﷺ: «لَا يَصْلُحُ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ، وَلَوْ صَلُحَ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ، لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ كَانَ مِنْ قَدَمِهِ إِلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ قَرْحَةٌ تَنْبَجِسُ بِالْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْهُ تَلْحَسُهُ، مَا أَدَّتْ حَقَّهُ».

وقد أتى رجل بابنته إلى النبي ﷺ فقال: إن ابنتي هذه أبت أن تتزوج، فقال لها: «أَطِيعِي أَبَاكِ»، فقالت: والذي بعثك بالحق، لا أتزوج حتى تخبرني ما حق الزوج على زوجته؟ فقال ﷺ: «حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنْ لَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ فَلَحَسَتْهَا، أَوْ انْتَثَرَ مَنْخِرَاهُ صَدِيدًا أَوْ دَمًا، ثُمَّ ابْتَلَعَتْهُ، مَا أَدَّتْ حَقَّهُ».

ويقول ﷺ: «إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا، قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ».

أنا لا أشك أن زوجكِ متعلق بكِ ويحبكِ ويعزكِ، وأنتِ كذلك، ولكن الشيطان دخل بينكما في هذه المشكلة فكبرها، وأنا على يقين أنكِ وزوجكِ ستصلان إلى حل، وتعود المياه إلى مجاريها.

ركزي مع زوجكِ على تقوية إيمانكما من خلال الأعمال الصالحة المتنوعة؛ يقول ربنا في كتابه العزيز: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أَو أُنثى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَلَنُحيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجزِيَنَّهُم أَجرَهُم بِأَحسَنِ ما كانوا يَعمَلونَ﴾.

أكثري من التضرع بالدعاء بين يدي الله تعالى، مع تحين أوقات الإجابة كالثلث الأخير من الليل، وأثناء السجود، وما بين الأذان والإقامة، وسلي الله تعالى لكِ ولزوجكِ الصلاح، وأن يؤلف بين القلوب، ويلين طباعه، ويحسن أخلاقه، وليكن قلبكِ حاضرًا أثناء الدعاء.

الزمي الاستغفار، وأكثري من الصلاة على النبي ﷺ؛ فذلك من أسباب تفريج الهموم وتنفيس الكروب؛ ففي الحديث: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ»، وقال ﷺ لمن قال له: أَجَعَلُ لَكَ صَلاتِي كُلَّهَا؟ قال: «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ».

أسأل الله تعالى لكِ السعادة، وأن يصلح شأنكِ، ويبصر زوجكِ بعيوبه، إنه سميع مجيب.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً