الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أتعرض للظلم والقسوة وأفكر في الهروب من المنزل!

السؤال

السلام عليكم.

عمري 21 سنة، وأعيش مع أهلي وقد تعرضتُ لظلم، وقهر، وأذى نفسي، وجسدي على مدار الواحد والعشرين عاماً لا يتوقف؛ من منٍّ، وسبٍّ، وقذف، ومعايرة، وتحرش، وعبودية.

أخلف هذا أمراضاً نفسية وجسدية عدة، وتوقفاً كاملاً لحياتي؛ من عبادة ودراسة وعمل، وأقدمتُ عدة مرات على الانتحار -غفر الله لي-.

خشيتُ على نفسي فتركتُ البيت إلى مكان آمن، وظننتُ أنني أخيراً سأُعامل كإنسانة، تواصلتُ مع أمي لكي لا أُقلقها عليَّ فنهرتني وقالت: "ستجلبين لنا العار والفضيحة"، عاتبتُها فلم تأبه وقالت: "الفضيحة"، وهددتني بالقتل، وقالت: "عودي وسنحل كل شيء"، صدقتُها وعدتُ، فما وجدتُ غير قسوة وجحود وتحريض منها لإخوتي على إساءة معاملتي، وحبستني في الغرفة ومنعتني من الدراسة، أنا التي صدقتُها.

لجأتُ إلى أهلي فنهروني وقالوا: "أطيعي أمكِ وإن قتلتكِ"، الآن أسأل: هل هروبي من هذا الظلم والأذى -مخافةً على نفسي، وحفظاً لحياتي وكرامتي- جائز؟

مع العلم أنني سأذهب إلى مكان آمن، إلى أهل دين وصلاح (أهلي لا يأبهون لدينهم أصلاً، مجرد تدين ظاهري، وهم لا يصلون، ولطالما حرضوني على ما لا يرضي الله، كأكل الربا، والغيبة، وقطع صلة الرحم، وارتداء ما لا يرضي الله).

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ نورهان حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلاً بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يربط على قلبك، وأن يفرّج كربك، وأن يحفظك من كل أذى، وأن يقدّر لك الخير حيث كان، وبعد: فما ذكرته لا شك مؤلم، لكنه يحتاج إلى ميزان يجمع بين حفظ النفس، وبر الوالدين، والنظر في العواقب، ولذلك دعينا نجيبك من خلال ما يلي:

1- لا يخفاك أن البلاء سنّة ماضية لا ينجو منه أحد، فليس في هذه الدنيا من يسير بلا ابتلاء، ولكن تختلف صوره، فمن الناس من يُبتلى في بدنه بمرضٍ يلازمه، ومنهم من يبتلى في عقله بما يعكّر عليه صفو حياته، ومنهم من يبتلى في أهله، أو في رزقه، أو في بلده حيث الخوف والحروب، ومنهم من يبتلى في دينه، وكلٌّ من يحمل همًّا يراه ثقيلاً عليه؛ ذلك أن من آفات البلاء أن من يقع فيه يظن أنه أشد الناس معاناة، وأن غيره في عافية تامة، ولو انكشف له حال الناس لعلم أن وراء كل باب أنينًا، وأن في الأرض من يستيقظ على ألم لا ينقطع، كمريض أنهكه الفشل الكلوي يذهب ويعود بين الأجهزة، وآخر يقاوم السرطان يوما بعد يوم، وثالث لا يجد دواء أصلاً، ورابع فقد الأمن في بلده، ومع ذلك يصبرون ويحتسبون.

وهنا يتجلى معنى الصبر الذي عظّمه الله، فقال تعالى: (إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرونَ أَجرَهُم بِغَيرِ حِسابٍ) فليس الصبر مجرد احتمال، بل هو عبادة عظيمة ترفع الدرجات وتمحو السيئات، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما يُصيبُ المؤمنَ من همٍّ ولا حزنٍ ولا أذى إلا كفَّرَ اللهُ به من خطاياه» فكل لحظة صبر ليست ضياعًا، بل ادخار عند الله، وكل وجع يمر بك إن احتسبته صار طريقًا إلى رفعة لا تبصرينها الآن، ولكنك بعد حين ستعلمين ذلك، ثم يوم نلقى الله ستجدين الخير على الصبر.

2- كما أن الأصل الذي لا يجوز إغفاله أن بر الوالدين واجب عظيم، وقد قال تعالى: (وَبِالوالِدَينِ إِحسانًا)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أمك ثم أمك ثم أمك»، فهذا أصل ثابت لا يُهدم بسبب تقصير أو أذى، بل يراعى معه الصبر والحكمة، لكن الشريعة في الوقت نفسه لا تأمر الإنسان أن يهلك نفسه أو يعرّضها للأذى، وقد قال تعالى: (وَلا تَقتُلوا أَنفُسَكُم إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُم رَحيمًا) فحفظ النفس معتبر، لكن يُقدّر بقدره، ولا يُبنى على خوف أو شعور فقط، بل على تحقق الضرر.

3- ما ذكرته لا شك فيه جانب من الإيذاء، لكن ينبغي التنبيه على أن النفس إذا تراكم عليها الألم تُضخّم الصورة أكبر من اللازم، والشيطان يعمد إلى أمرين:
- إلى تقبيح كل جميل يأتي من الأهل.
- وإلى تضخيم أي أذى يصدر عنهم
والعاقل هو من يوزان بين الأمرين، ويعلم أن الأهل مهما أساءوا فهم مصدر الأمان عن غيرهم، وأنت أختنا قد صبرت 21 عامًا، وهذا يدل على وجود قدرة على التحمل وإن كانت قليلة إلا أنها متحملة، والعاقل لا ينقل نفسه إلى أقصى اليسار دون أن يعرف توابعه.

4- الخروج من البيت لا يجوز في حالتك شرعًا، فهو من حيث الأصل له قيود، ثم هو ليس حلاً سهلاً، ولا آمنًا في الغالب، بل قد يفتح أبوابًا أعظم من الأذى أقلها:
- تعرّضك لمخاطر خارجية.
- انقطاع الحماية الأسرية.
- تضاعف الضغط النفسي.
- الخوف والقلق الدائم المستمر.
- جعلك فريسة لأي ذئب عاد، والفتاة بطبعها ضعيفة.
- ثم قد يصعب -إن خرجت مرة أخرى- إمكانية الرجوع إلى البيت.

والشريعة أختنا تنظر إلى المآلات لا إلى اللحظة فقط، لذلك لا ننصحك بذلك.

5- كذلك خروجك قد يقطع بابًا مهمًا من أبواب مستقبلك، كفرصة الزواج والاستقرار؛ لأن وجودك في بيت أهلك –مع صعوبته– يبقي لك هذا الباب مفتوحًا غالبًا، بخلاف الخروج فإنه قد يصير معه مستحيلاً.

6- الأم بحكم فطرتها التي خلقها الله فيها تحب ابنتها، هذه فطرة لا يملك أحد قط أن يغيرها ولن يحبك أحد في الدنيا كحبها لك، ومع ذلك فإن طاعة الأم ليست مطلقة، فلا تُطاع في معصية، لكن تبقى المعاشرة بالمعروف واجبة، قال تعالى: (وَصاحِبهُما فِي الدُّنيا مَعروفًا) فحتى مع الأذى، لا يقابل بالقطيعة الكاملة.

7- الحل الأقرب للميزان، هو تخفيف الضرر لا القفز إلى القطيعة، ومن ذلك:
- تقليل الاحتكاك قدر الإمكان داخل البيت.
- الانشغال بالدراسة أو العمل خارج المنزل.
- قضاء وقت أطول في أماكن آمنة كالدورات، أو العمل.
- تقوية علاقاتك بأقارب أو نساء صالحات بشكل منضبط.
- اجتهدي في التقرب إلى والدتك، وأشعلي العاطفة القائمة فيها تجاهك، وحاولي فهمها، واصبري على ذلك، وستجدين الخير بعدها.
- حاولي إدخال طرف حكيم من العائلة له كلمة مسموعة، فقد يكون سببًا في تخفيف الأذى، فبعض البيوت لا تهدأ إلا بوسيط.
- اجعلي لك وردًا ثابتًا من الذكر والصلاة؛ لأن القلب إذا امتلأ بالله خف أثر الأذى، قال تعالى: (أَلا بِذِكرِ اللَّهِ تَطمَئِنُّ القُلوبُ).
- لا تجعلي كل حياتك دائرة حول الألم، بل ابني لنفسك مسارًا: تعلم، عمل، تطوير؛ فهذا يخرجك تدريجيًا من دائرة الأذى.
- إن تهيأت فرصة خروج منضبط وآمن تمامًا (كزواج صالح)، فهذا يختلف عن الخروج الفردي غير المنضبط.
- تذكري أن الصبر في مثل هذه البيئات من أعظم أبواب الأجر، وقد قال تعالى: (إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرونَ أَجرَهُم بِغَيرِ حِسابٍ) فصبرك ليس ضياعًا، بل ادخار عند الله.
- اجعلي قلبك مع الله دائمًا، ولا تجعلي الناس معيار قيمتك، فإن الله إذا علم صدقك؛ فتح لك من أبواب الفرج ما لا تتوقعين.

وفي الختام: نسأل الله أن يحفظك من كل سوء، وأن يفرّج همك، ويبدل حالك إلى أحسن حال، وأن يرزقك بيتًا آمنًا مستقرًا، وزوجًا صالحًا يكون لك عونًا، وأن يكتب لك السكينة والطمأنينة، والله ولي التوفيق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً