الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أشكو من قلة الصحبة الصالحة وبعض العادات الخاطئة.. أرشدوني

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أحبكم في الله عز وجل.

سؤالي هو: أريد من حضراتكم أرقام هواتف لبعض "الصحبة الصالحة"، فأنا أشتكي من قلة الصحبة الصالحة، وعدم القدرة على الجهر بالقرآن، والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلاً ونهاراً، كما أشعر بالفتور عن السنن والنوافل.

وأشتكي أيضاً من السمعة السيئة، وكثرة التنمر، والفشل الدراسي، وضعف التخزين في الذاكرة، وكثرة الشراء بلا فائدة؛ كشراء "الشيبسي" كل يوم، والمثلجات، و"الإندومي"، والمواد الغازية والمشروبات.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا، وأحبك الله الذي أحببتنا فيه.

فهمنا من رسالتك -أخي الكريم- أنك تمر بعدة تحديات في آنٍ واحد، وقد أحسست من كلماتك بقلب يحمل شوقاً صادقاً إلى الخير والصلاح، وهذا وحده نعمة عظيمة يغفل عنها كثيرون، فاحمد الله عليها، لذا دعني أتحدث معك بصراحة عن كل ما ذكرت.

أولاً: أرقام الهواتف لن تصنع لك صديقاً صالحاً؛ لأن الصداقة الحقيقية تُبنى في الميادين لا عبر الأرقام، والميدان الأول والأضمن في سنك هو المسجد، فالمداومة على صلاة الجماعة تجمعك بإخوة يربطك بهم حب الله تلقائياً، وكذلك حلقات تحفيظ القرآن الكريم والدروس العلمية في المساجد، فهي بيئة خصبة للصحبة الصالحة الناضجة التي تناسب مرحلتك، يقول الله عز وجل: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف: 67)، وقد قال الشاعر:
عَنِ المَرءِ لا تَسأَل وَسَل عَن قَرينِهِ *** فَكُلُّ قَرينٍ بِالمُقارَنِ يَقتَدي

ثانياً: في شعورك أنك مقيَّد عن الجهر بالقرآن، والصلاة على النبي والسنن، هذا الشعور يخبرنا أن بيئتك المحيطة ليست دائماً مشجعة على الظهور بمظهر الملتزم، وهذا ابتلاء يمر به كثير من الرجال الصالحين، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم هذا بقوله: (القابض على دينه كالقابض على الجمر)، مما يعني أن ما تعيشه ليس ضعفاً منك، بل هو جهاد حقيقي يستحق الأجر العظيم.

نصيحتنا لك ألا تواجه هذا الضغط بالصدام، بل بالثبات الهادئ والحكمة، فأكثر من الذكر الخفي حين لا تستطيع الجهر، فهو أحياناً أعظم أجراً، ثم ابحث عن بيئة تعبدية موازية، كمجالس الذكر والدروس في المسجد، ستجد فيها متنفساً لهذا الشوق.

ثالثاً: أخي الكريم، أنت في الخامسة والثلاثين، وهذا يجعل هذه المسألة أكثر أهمية مما قد تبدو عليه، إذ إن التنمر في هذه المرحلة من العمر، غالباً ما يكون في بيئة العمل أو الحي أو دائرة الأقارب، والسمعة السيئة تُبنى أحياناً من سوء فهم الآخرين لشخصيتك، أو من بعض تصرفات سابقة تسعى الآن للتخلص منها.

من الأمور التي ستعينك بإذن الله: أن تعمل على إصلاح علاقتك بمن حولك تدريجياً، بالإحسان والكلمة الطيبة، وأن تُكثر من الدعاء بأن يصلح الله سريرتك وعلانيتك، وأن تتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)، فمع الزمن والمثابرة تتغير الصور في أعين الناس.

رابعاً: ضعف الذاكرة والتركيز في هذه المرحلة العمرية له أسباب متعددة تستحق الانتباه، فمن أبرزها: الضغط النفسي المزمن الذي تحدثت عنه، واضطراب النوم، وشُح التغذية الصحية، وقلة النشاط البدني، وهنا نصل إلى النقطة التالية.

خامساً: ذكرت شراءك للشيبسي، والآيس كريم، والإندومي، والمشروبات الغازية يومياً، وهذا يلفت الانتباه إلى أمر مهم، فهذه العادة في الغالب ليست مجرد شراء، بل هي وسيلة لا شعورية، لتهدئة مشاعر الضغط والوحدة والتوتر الداخلي، كأن النفس تبحث عن لحظة متعة سريعة تعوّض بها ما تفتقده، وهذه المواد تحديداً تُضعف الذاكرة، وتُثقل الجسد وتؤثر على المزاج، مما يُغذي دائرة مفرغة من التعب والإحباط.

من الأمور التي ستعينك بإذن الله: أن تستبدل هذه العادة تدريجياً ببدائل صحية، كالتمر والمكسرات والفاكهة، وأن تشرب الماء بكميات وفيرة، وأن تمارس المشي يومياً ولو ثلاثين دقيقة، فهو يُنشط الذاكرة، ويُخفف الضغط النفسي بشكل ملحوظ.

خلاصة ما نقوله لك -أخي الكريم- إن مشكلاتك كلها مترابطة، وهي في جوهرها تعبير عن روح تبحث عن معنى واستقرار، وبيئة تحتضنها، وهذا الشعور في مثل سنك يستدعي وقفة جادة مع النفس؛ لأنك في مرحلة تأسيسية مهمة من حياتك، ابدأ بخطوة واحدة: التزم بصلاة الجماعة في المسجد، خمس مرات في اليوم، لمدة شهر كامل، وسترى كيف تبدأ الأمور الأخرى في الانتظام من حولها.

وإذا أحسست أن الضغوط النفسية أثقل مما تحتمل، فلا تتردد في زيارة أخصائي نفسي، فطلب المساعدة شجاعة لا ضعف.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل، وأن يرزقك الصحبة الصالحة التي تُعينك على أمر الدنيا والآخرة.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً