الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أمي تفتش في أشيائي ومن خلفي، فكيف أتصرف؟

السؤال

السلام عليكم

أمي تبحث وتفتش في أشيائي الخاصة؛ بحجة أنها لا تثق بي، أنا متخبطة، أفعل الصواب والخطأ، لكنها تبحث من ورائي، حتى ترى ما أخفيه إن كان ذنبًا، لتتأكد هل لا زلت أفعله حتى الآن، ولا أعلم ماذا أفعل؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ منى حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أشعر من كلماتك أنكِ عالقة بين أمرين مؤلمين: رغبتك في أن يكون لكِ قدر من الخصوصية، وفي المقابل شعورك بأن والدتك تفتش خلفك باستمرار؛ لأنها لا تثق بك، ومما يزيد الأمر صعوبة أنكِ تعترفين بأنكِ أخطأتِ في بعض الأمور سابقًا، أو ما زلتِ تتخبطين أحيانًا، ولذلك لا تعرفين كيف تتعاملين مع هذا الواقع.

أول ما ينبغي أن تفهميه هو أن تصرف والدتك لا يعني بالضرورة أنها تريد إيذاءك أو إذلالك، بل كثير من الأمهات يدفعهن الخوف أكثر مما تدفعهن الرغبة في السيطرة، فالأم ترى أبناءها أمانة، وتخاف عليهم من الانحراف أو العلاقات السيئة، أو الوقوع فيما يضر دينهم ودنياهم، فإذا رأت أمارات تقلقها، أو فقدت الثقة بسبب موقف سابق؛ فقد تتحول مراقبتها إلى تفتيش مستمر.

وهنا تأتي نقطة مهمة، هي أن الثقة لا تُستعاد بالكلام وحده، وإنما تتكون من تراكم المواقف، فإذا كانت الأم قد اكتشفت في السابق أمورًا أخفيتها عنها، فربما بقي أثر ذلك في نفسها، حتى لو كنتِ قد تبتِ منها أو تركتها، ولهذا فإن مطالبتها بالثقة الفورية قد لا تنجح، بينما الذي ينجح غالبًا هو بناء الثقة من جديد خطوة خطوة.

يبقى السؤال الآن كيف تفعلين ذلك؟
أقترح عليك بعض الخطوات العملية، منها:

• خصصي وقتًا للجلوس معها دون وجود مشكلة، أو نقاش حاد.
• تحدثي معها عن يومك وأخبارك، وبعض اهتماماتك من تلقاء نفسك.
• أخبريها ببعض الأمور قبل أن تسألك عنها.
• إذا أخطأتِ في أمر فاعترفي به بدل محاولة إخفائه.
• أظهري لها التزامك بالأمور التي تطمئنها وتهمها.

هذه التصرفات تحمل رسالة غير مباشرة لها نحوك تشعرها بالطمأنينة، وفي المقابل يمكنكِ أن تعبري عن مشاعرك بهدوء، بأن تظهري لها بأنها تخاف عليك وتريد مصلحتك، وأنك تقدرين ذلك كثيرًا، لكن أخبريها بلطفٍ أن كثرة التفتيش تؤلمك، وتشعركِ أن كل ما تفعلينه محل شك، واطلبي منها أن تساعدك على بناء الثقة بينكما، وطمئنيها أنك ستكونين أكثر وضوحًا معها، أنتِ بهذا لم تتهميها بالتجسس أو الظلم، بل اعترفتِ بدافعها أولًا، ثم أوصلتِ مشاعرك لها بكل هدوء، وهذا ما تحتاجينه، لا سيما في الفترة الأولى من إعادة بناء الثقة.

أختي الكريمة: من المهم أيضًا أن تسألي نفسك بصراحة: هل ما زال هناك ما يدعوها للقلق؟ فإن كان الجواب نعم، فاجعلي ترك الخطأ والتوبة منه جزءًا من الحل، فالأم قد تخطئ في أسلوبها أحيانًا، لكن بعض مخاوفها قد يكون لها سبب واقعي، يقول الله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23]، ومن القول الكريم أن نحاول فهم دوافع الوالدين قبل أن نحاكم تصرفاتهم، مع المحافظة في الوقت نفسه على حقنا في التعبير عن مشاعرنا بأدب واحترام.

لا تجعلي العلاقة بينك وبين والدتك تتحول إلى معركة "تفتيش وثقة"، حاولي أن تحوليها إلى رحلة طمأنة متدرجة، فكل موقف صادق، وكل حوار هادئ، وكل التزام ترينه منها أو تراه منكِ، هو لبنة جديدة في جسر الثقة الذي ربما تصدع، لكنه لم ينهدم بعد.

أسأل الله تعالى أن يؤلف بين قلبيكما، وأن يرزقكِ الصدق والاستقامة، ويرزق والدتكِ الطمأنينة وحسن الظن، ويجعل بيتكم قائمًا على المودة والثقة والرحمة.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً