الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أتضايق من مساعدة زوجي لأهله، فهل أنا أنانيةٌ؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا متزوجة منذ 11 عامًا، وزوجي ابن عمي، لكني لستُ محبوبة لديهم إطلاقًا، وكانت حالة زوجي المادية جيدة، وكان يساعد أهله دون مانع، ثم شاء الله أن تنقلب الأحوال، فتدهورت حالته المادية وأصبحت سيئة، بينما إخوته -ما شاء الله تبارك الرحمن- حالتهم ميسورة.

والدته مريضة، لكنهم لا يقدمون لها أي مساعدة، بينما زوجي هو من يتحمل مسؤوليتها وحده، رغم أن الدخل أصبح قليلًا، والأسعار باتت باهظة، ولا يكاد يكفي لقوت يومنا، ولله الحمد على كل حال.

أنا حامل، ولدي تكاليف ولادة، فهل انزعاجي من استمرار زوجي في مساعدة أهله -رغم تحسن حالتهم المادية- نابعٌ من أنانية في طبعي، أم أن كثرة الضغوط والمشاكل هي التي جعلتني أشعر بهذا الضيق وأتصرف بهذه الطريقة؟ هل أنا أنانيةٌ في طبعي أم أصبحتُ لئيمةً؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ هيا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -أختنا الكريمة- في موقعكِ إسلام ويب، وردًّا على استشارتكِ أقول مستعينًا بالله تعالى:

أنتِ صاحبة ضميرٍ حيٍّ، ويظهر ذلك من قولكِ: «هل أنا أنانيةٌ في طبعي أم أصبحتُ لئيمةً»، إذ إن من يغلب عليه الفساد القلبي لا يُكثر من محاسبة نفسه بهذا الشكل، وإنما الذي يسأل ويخشى ويراجع نفسه هو في الغالب صاحب قلبٍ يقظ.

ومن خلال كلامكِ لا يظهر أنكِ ترفضين برَّ زوجكِ لوالدته، ولا أنكِ تكرهين الخير لها، وإنما الذي يظهر أنكِ تعيشين ضغطًا ماليًّا حقيقيًّا، وتخافين على بيتكِ وأولادكِ، وأنتِ مقبلة على الولادة، وفي الوقت نفسه ترين أن بعض إخوته المقتدرين لا يقومون بما ينبغي عليهم تجاه أمهم، فاجتمع عليكِ ثِقَلُ الحاجة مع شعورٍ بعدم عدالة توزيع المسؤولية.

أولًا: برُّ الوالدين والإحسان إليهما من أعظم الواجبات، قال الله تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}، وقال سبحانه: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}، فقيام زوجكِ بخدمة أمه أو مساعدتها أمرٌ مأجورٌ عليه، ولا ينبغي أن يكون محل تضجرٍ من حيث الأصل؛ لأن برَّ الوالدة من أسباب البركة في العمر والرزق، وقد قال النبي ﷺ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، وَيُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».

ثانيًا: للزوجة والأولاد حقٌّ واجب في النفقة، كما أن برَّ الوالدة واجب، فإن النفقة على الزوجة والأولاد كذلك واجبة، قال الله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ}، وقال النبي ﷺ: «أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ» وثبت في الصحيحين أن هند بنت عتبة شكت شحَّ زوجها، فأذن لها النبي ﷺ أن تأخذ من ماله ما يكفيها وولدها بالمعروف، وهذا يدل على أن الشريعة راعت حق الزوجة والأولاد، وجعلت نفقتهم من الواجبات المؤكدة.

ثالثًا: لا يلزمكِ الرضا بتقصير إخوته، فإذا كان إخوته قادرين على خدمة أمهم أو الإنفاق عليها ثم يتركون العبء كله على أخيهم محدود الدخل، فمن الطبيعي أن تشعري بعدم ارتياح تجاه هذا الواقع، لكن المهم أن تفرقي بين أمرين:
• عدم الرضا بتقصير الإخوة.
• وعدم الاعتراض على برِّ الزوج لأمه.
فالأول مفهوم، أما الثاني فلا يصح أن يكون محل إنكارٍ أو تضجر.

رابعًا: لا تحكمي على نفسكِ بالقسوة أو الأنانية؛ فالحمل في ذاته يُرهق المرأة جسديًّا ونفسيًّا، ومع الضيق المالي يزداد القلق على المستقبل ومتطلبات البيت والمولود، ولذلك فقد يكون جزءٌ من مشاعركِ ناتجًا عن الضغط والخوف أكثر من كونه أنانيةً أو سوء طبع، فلا تقولي عن نفسكِ: "أصبحت لئيمة"، بل قولي: "أنا مرهقة ومهمومة وأحتاج إلى من يفهم ضغطي"، فهذا أقرب إلى الواقع وأرفق بالنفس.

خامسًا: التعامل مع الأمر يكون بالحوار الهادئ مع زوجكِ، لا بأسلوب اللوم أو الاعتراض، بل قولي مثلًا: "أنا أقدّر برَّك بوالدتك، لكني أشعر بقلق من متطلبات الولادة والبيت، فكيف نرتب أولوياتنا في هذه المرحلة؟"، فمثل هذا الأسلوب يخفف التوتر ويجعل الحوار أقرب إلى التفاهم لا الخصومة.

وأخيرًا نوصيكِ بتقوى الله تعالى، والمحافظة على الصلوات في أوقاتها، والإكثار من الاستغفار وأذكار اليوم والليلة والصلاة على النبي ﷺ، فإن ذلك من أعظم أسباب تفريج الهموم وجلب البركة.

ونسأل الله أن يفرج كربكم، وأن يوسع عليكم رزقه، ويجعل لكم من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، إنه سميع مجيب.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً