الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

لدي مشاكل نفسية وتتحسن صحتي بعد الرقية، فما تفسير ذلك؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كما تعلمون، أعاني من اضطراباتٍ نفسيةٍ، واكتئابٍ ووساوسَ، والأدوية النفسية أحيانًا تفيدني وأحيانًا لا، ومؤخرًا أصبحت أضع يدي على رأسي وأقرأ الرقية الشرعية فيحدث الآتي:

- أتوقف فجأةً عن التلاوة، ويثقل لساني.
- أحيانًا أفقد الوعي أو أنام.
- تتحسن حالتي النفسية بعد الرقية الشرعية.

فما هو تفسير ذلك؟

لقد أصابتني عينٌ شديدةٌ؛ حيث كنتُ طفلاً جميلاً وذكيًا ومتفوقًا، وكنتُ أسكن في منطقةٍ عشوائيةٍ، فحسدني جيران السوء، وصدمتني سيارةٌ ومكثتُ في غيبوبةٍ 4 أيامٍ، وكُسرت ساقي كسرًا مضاعفًا، وتشوه جفن عيني اليسرى حتى الآن، فهل تبقى طاقة الحسد أو شيطانها في الجسد؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Selim حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أخي الكريم- في استشارات إسلام ويب، وردًّا على استشارتك أقول، مستعينًا بالله:

لقد قرأت استشارتك بتمعن، وأتفهم ما عانيته منذ طفولتك، ولا سيما ما تعرضت له من حادث شديد وغيبوبة وإصابات مؤلمة، ثم ما ابتليت به بعد ذلك من اكتئاب، ووساوس واضطرابات نفسية، وأسأل الله تعالى أن يشفيك ويعافيك، وأن يبدل خوفك طمأنينة، وألمك عافية.

كن على يقين أن ما يحدث لك أثناء الرقية لا يدل بمجرده على وجود مس أو بقاء عين في جسدك؛ فتوقفك عن القراءة، أو ثقل لسانك، أو نومك، أو تغير شعورك أثناء الرقية ليست علامات تشخيصية يمكن الجزم من خلالها بسبب ما تعانيه، فقد يكون للنوم أثناء الرقية أسباب طبيعية أو نفسية متعددة، كما أن التشخيص الدقيق لمثل هذه الحالات يحتاج إلى النظر في الجوانب الطبية والنفسية أيضًا.

العين حق، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «العين حق»، لكن إثبات العين شرعًا لا يعني أن كل حادث، أو مرض، أو اضطراب نفسي سببه العين؛ ولذلك لا نستطيع الجزم ولا النفي بأن الحادث الذي وقع لك في طفولتك كان بسبب حسد جيرانك، ولا أن ما تعانيه اليوم هو أثر لذلك الحسد، فكل ذلك يمكن أن يكون بسبب العين أو الحسد، ويمكن أن يكون ذلك مكتوبًا عليك ومقدرًا، وإن كان وقوع العين والحسد كذلك مكتوبًا ومقدرًا، يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.

قولك: هل تبقى «طاقة الحسد» أو «شيطان الحسد» في الجسد؟ فلا نعلم دليلًا صحيحًا يثبت هذه الصورة، فلا ينبغي أن تجعلها اعتقادًا يشغلك أو أساسًا لعلاجك، فالعلامة ابن القيم ذكر أن العين عبارة عن شرر غير مرئي يخرج من نفس خبيثة بواسطة عينيه، فتصيب المعيون أو المحسود، وإذا وقعت العين فهي سبب من الأسباب، ولم يذكر أن للعين والحسد شيطانًا، وإنما ذلك في السحر، واعلم أنه لا يقع شيء إلا بقدر الله تعالى، قال سبحانه: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.

لا تبحث عن بقايا الحسد في جسدك، ولا تحاول تحديد من حسدك؛ لأن هذا النوع من الانشغال قد يتحول، مع وجود الوسواس، إلى دائرة لا تنتهي من المراقبة والخوف.

لا يصلح أن تشخص نفسك بأنك محسود، أو مصاب بالعين، أو الوسوسة بمجرد الأعراض، ولا مانع من أن ترقي نفسك بنفسك، لا على أنك مصاب، بل بنية الشفاء من كل داء والتحصين؛ فالرقية عبادة وسبب مشروع للاستشفاء، قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا»، فارقِ نفسك بما تيسر من القرآن والأدعية الصحيحة، بهدوء واعتدال، ولا تجعل الرقية امتحانًا لجسدك تبحث من خلاله عن أعراض المس أو العين؛ فالرقية لا يشترط لنفعها أن يحدث لك نوم أو ثقل أو بكاء أو تغير في الصوت أو غير ذلك.

التحسن الذي تشعر به بعد الرقية أمر طيب، فاستفد منه واستمر في الرقية، ولكن لا تجعل هذا التحسن دليلًا على أن سبب مرضك هو العين أو المس؛ فالقرآن ذكر وشفاء ورحمة، وقد يجد الإنسان فيه سكينة وراحة، كما قد يستفيد من الدعاء والعبادة في تخفيف القلق والاضطراب.

ننصحك كذلك بألا تترك علاجك النفسي بسبب الرقية، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء»، وبما أنك ذكرت وجود اكتئاب ووساوس، وأن الأدوية تفيدك أحيانًا ولا تفيدك أحيانًا أخرى، فالأفضل أن تراجع طبيبك النفسي وتخبره بذلك؛ فقد يحتاج العلاج إلى تعديل أو تبديل أو متابعة أدق، ولا توقف الدواء ولا تغير جرعته بنفسك.

فقدان الوعي الذي يحدث لك أحيانًا أمر مختلف ينبغي ألا نغفل عنه؛ فلا تفسره مباشرة بالمس أو الجن، بل أخبر طبيبًا مختصًّا به، ولا سيما مع تاريخك السابق في الغيبوبة والإصابة الشديدة، حتى تُستبعد الأسباب الطبية أو العصبية المحتملة، وإذا تكرر فقدان الوعي، أو صاحبه تشنج أو إصابة أو ارتباك شديد بعد الإفاقة، فلا تؤخر التقييم الطبي.

لا تجعل الرقية نفسها سببًا لمراقبة نفسك، ولا تسأل في كل مرة: لماذا ثقل لساني؟ لماذا نمت؟ لماذا شعرت بكذا؟ هل خرج شيء؟ هل هذه علامة مس؟ هل الحسد يتحرك في جسدي؟ ثم تبحث عن الإجابة في المواقع والمقاطع، فهذا الأسلوب قد يعطي الوسواس مادة جديدة يستمر بها؛ والأولى أن تقرأ القرآن تعبّدًا واستشفاءً، ثم تمضي في حياتك دون فحص مستمر للأعراض؛ لأن كثرة تفسير الأعراض على أنها مس أو عين قد تزيد المشكلة، والجمع بين الأسباب الشرعية والطبية هو الطريق الأسلم.

لا تجعل ما مررت به في طفولتك حكمًا على مستقبلك؛ فقد وقع الحادث وانتهى، وما بقي من آثاره الجسدية أو النفسية يعالج بالأسباب المناسبة، وأنت اليوم لست مطالبًا بأن تعرف لماذا وقع كل شيء، وإنما المطلوب أن تتعامل مع واقعك بما ينفعك.

نوصيك بأن تجمع بين الرقية الشرعية، والمحافظة على الصلاة والأذكار، والدعاء، والاستمرار في العلاج النفسي والطبي، وعدم الاسترسال مع الوساوس، وحسن التوكل على الله، ولا تحتاج إلى معرفة هل بقيت عين في جسدك أم لا؛ فهذا السؤال نفسه ليس هو الطريق إلى الشفاء، بل الطريق الصحيح أن تأخذ بالأسباب المشروعة، وتدع ما وراء ذلك لله تعالى.

أسأل الله تعالى أن يشفيك شفاءً تامًّا، وأن يذهب عنك الاكتئاب والوساوس، وأن يجعل القرآن نورًا وشفاءً ورحمة لك، وأن يرزقك العافية في دينك ونفسك وبدنك، ونسعد بتواصلك.

وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً