الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أجد صعوبة في التعامل مع والديّ، وأخشى أن أقع في العقوق

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أواجه صعوبة في التعامل مع والديَّ يوميًّا، وذلك لاختلاف الآراء والأعمار، ممَّا يؤدي إلى اختلاف دائم، ولا أريد أن أقع في العقوق، ولا أدري ماذا أفعل، وأنا أشهد بأنهما أحسنا تربيتنا، ولم يقصرا في حقنا، ولا أريد أن أكون أنا المقصرة.

وعلى الرغم من محاولاتي المتكررة في برهما، فإنهما يريانني على غير ذلك، ممَّا أدى إلى أن أشعرُ بأن الأمر فوق طاقتي، وأريد أن أعلم: هل أنا عاقة أم لا؟

ولا أنكر أنني -في بعض المواقف- أُستفزُّ وأرفع صوتي، وذلك لأن ما يحدث يؤثر في نفسي، خاصة عندما يقولان لي: ما فائدة التزامكِ وأنتِ لا تبريننا؟ علمًا بأن كل المواقف التي أرفع فيها صوتي -والله- أشعر بأنها فوق طاقتي.

وقد أصبح يراودني بسبب ذلك التفكير في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وترك حفظ القرآن؛ لأن ذلك يكثر الحجج عليَّ، فكيف أتعامل مع والديَّ بطريقة ترضيهما ولا أقع معها في العقوق؟ وكيف أتصرف في المواقف التي أشعر فيها بأن الأمر فوق طاقتي؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ملاك، حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، ونشكر لكِ حرصكِ على بر والديكِ، وخوفكِ من الوقوع في العقوق، ونسأل الله -تعالى- أن يعينكِ على برهما والإحسان إليهما، وأن يرزقكِ الحكمة وحسن التعامل معهما، وأن يؤلف بين قلوبكم، وأن يجعل بيتكم عامرًا بالمودة والسكينة.

بدايةً -ابنتنا الفاضلة- نود أن نضع بين يديكِ أصلًا مهمًّا يعينكِ على النظر إلى هذه المسألة والتعامل معها على الوجه الصحيح؛ وهو أن بر الوالدين من أعظم العبادات أجرًا عند الله، بينما العقوق من أعظمها وزرًا؛ ولذلك فإن استحضار هذا المعنى لدينا يجعلنا نتعامل مع هذا الأمر بجدية بالغة، لا نقبل فيها بالهزيمة.

فالانكسار أو التقصير في تحقيق هذه العبادة الجليلة يعني الخسارة في الآخرة، بل وفي الدنيا كذلك، فقد جاء عنه ﷺ أنه قال: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ»، وبر الوالدين من أعلى مراتب صلة الرحم.

ولعلي ألخص لكِ بقية النقاط المتعلقة بسؤالكِ من خلال الآتي:

• أولًا: جعل الله حياتنا الدنيا قائمة على الابتلاء، وجعل تجاوز الابتلاء معقد الفلاح أو الخسارة في الآخرة، ومن أعظم الابتلاء أن يبتلينا بالاختلاف الحاد في الطباع وطريقة التفكير بيننا وبين آبائنا، ولكن هذا الاختلاف لا يبرر لنا الاستسلام له أو التعلل به، بل هو حقيقة الابتلاء الذي أراد الله به معرفة صلابة برنا وصدق أخلاقنا.

• ثانيًا: الدخول مع الوالدين في نقاشات متكررة هو من مسببات العقوق، ومن دواعي الانفعال والوقوع في الخطأ، بينما يكون الأفضل لنا هو سياسة التجنب بلطف، أو الصمت وعدم التعليق السلبي، ففي أحيان كثيرة نقع في فخ محاولة الدفاع عن أفكارنا بحجة أنها صحيحة؛ مما يوقعنا في العقوق دون أن نشعر، فليس كل ما يقوله الوالدان يحتاج منا إلى أن نعلق عليه، حتى وإن لم يعجبنا.

• ثالثًا: نحتاج أحيانًا إلى أن نرفع مستوى ثقتنا بأنفسنا؛ فالشخصية الضعيفة تسارع إلى الدفاع عن نفسها عند كل تهمة أو لوم أو تقريع، وغالبًا ما تكون نتيجة ذلك الاحتدام من الطرفين -نحن ووالدينا-، فما المشكلة في أن نستمع إلى نقد أو لوم من والدينا دون أن ندافع عن أنفسنا أو نبرئها؟! إن هذا يعطي حالة من الرضا عند الوالدين، بينما قد يفهمان دفاعنا المستمر على أنه نوع من التأبي عن قبول التوجيه منهما.

• رابعًا: رفع الصوت أو التأفف غير مقبول إطلاقًا، وهو -لا شك- لون من ألوان العقوق، والتعلل بعدم القدرة، وأنه فوق الطاقة غير دقيق، وإذا أردتِ أن تتأكدي من ذلك، فانظري في نفسكِ: هل فعلًا تفقدين القدرة على ضبط نفسكِ مع مدرستكِ أو مديرتكِ أو غيرهما ممن تهابين إظهار مخالفتهم، ممن هم دون والديكِ حقًّا وقدرًا؟!

• خامسًا: ما تفضلتِ به من ترك بعض الطاعات لكونكِ تقعين في بعض العقوق؛ فإن هذا -لا شك- من عمل الشيطان، وحسب الشيطان أن يغنم منكِ بهذا، ومن الذي قال إن من شرط حفظ القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عدم الوقوع في المعاصي مطلقًا؟! فما يزال الواحد منا يقع في الذنب ويزاحمه بالكثير من الطاعات، ويعاهد الله على التوبة، ويجاهد نفسه على القيام من بعد التعثر، أما الاستسلام لذنب بسبب ذنب آخر قبله؛ فإنه سيقود إلى سلسلة لا منتهية من الذنوب والمعاصي، التي قد لا تنتهي إلا بالكفر -والعياذ بالله-، وكما ورد في الأثر: «إِنَّ الطَّاعَةَ تَقُولُ: أُخْتِي أُخْتِي، وَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ تَقُولُ: أُخْتِي أُخْتِي».

• سادسًا: محاولاتكِ المتكررة لبر أهلكِ هي من أعظم الأعمال الصالحة، فلا تجعلي إخفاقكِ أحيانًا عائقًا لكِ عن الاستمرار في هذه المحاولات، وتأكدي أن الله سيجازيكِ على هذه المجاهدة بالتوفيق في الدنيا وحسن الجزاء في الآخرة؛ قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}.

• سابعًا: لا تفكري ولا تسألي: «هل وقعتُ في العقوق أم لا؟»، بل اسألي نفسكِ: «في أي مراتب البر أنا؟»، واجعلي همكِ أن تصلي إلى أعلى درجات البر، لا أن تدوري حول حافة البر لتسألي: «هل وقعتُ في العقوق أم لا؟».

ختاماً، نسأل الله أن يجعلكِ من البارات بأهلهن، وأن يرزقكِ لذة الأنس بوالديكِ، وأن يعينكِ على برهما والإحسان إليهما.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً