الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

رُفِعَ الستر عني، فماذا أفعل لكي يحفظ الله لي زوجي وبيتي؟

السؤال

السلام عليكم.

كنت على ذنب عظيمٍ خلال وقت طويل، وتبت منذ ستِّ سنوات، وتزوجت ورزقت بطفل منذ أربع سنوات، والآن رفع الله الستر عني أمام زوجي؛ فلا أعلم ماذا أفعل، ولماذا رُفع الستر عني مع أني تبت والتزمت بتوبتي؟

فماذا أفعل؟ وبماذا أدعو الله كي يحفظ زواجي وبيتي؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ رشا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -ابنتنا العزيزة- في استشارات إسلام ويب.

أولًا: نهنئكِ بتوبة الله تعالى عليك، وتوفيقه لك أن تتوبي، وتُقلعي عن هذا الذنب، وكوني على ثقةٍ تامةٍ –أيتها البنت الكريمة– من أن التوبة رزق عظيم، وأن الله تعالى لا يُوفّق الإنسان إليها إلَّا لأنه أراد به الخير؛ فتوبة الإنسان إنما تصدر منه بعد أن يكون الله تعالى قد تاب عليه ووفقه لأن يقوم هو بهذه التوبة، كما قال الله في كتابه الكريم: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا}، وقال سبحانه: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ}.

والتائب محبوب يحبه الله تعالى كما أخبر في كتابه: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ}، والله تعالى وعده بأن يبدل سيئاته حسناتٍ، وهذا لعظم منزلته ومكانته عند الله، قال -سبحانه وتعالى-: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}، وهذه التوبة جعلها الله تعالى سببًا لمحوه الذنب؛ فقد قال الرسول ﷺ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ».

فينبغي أن تدركي –أيتها البنت الكريمة– منزلة هذه التوبة، رفيع قدرها، وأن الله -سبحانه وتعالى- أعطاكِ شيئًا عظيمًا، فاشكري هذه النعمة، ومن شكر هذه النعمة أن تدومي وتثبتي على هذه التوبة، وتتخذي الأسباب التي تثبتك عليها.

والتوبة تعني: الندم على فعل الذنب، والعزم على عدم الرجوع إليه في المستقبل مع الإقلاع عنه في الوقت الحاضر، فإذا استوفت التوبة هذه الأركان فإن الله يقبلها، وقد قال سبحانه في كتابه الكريم: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ}.

فأحسني ظنكِ بالله -سبحانه وتعالى- واعلمي أنه لن يضيع عملكِ سدًى؛ فإنه أخبر في كتابه بأنه لا يضيع أجر المحسنين، فقال: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا}، وقال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}.

وأمَّا ما سألتِ عنه بشأن كشف الستر، وإبداء هذا الفعل لزوجكِ:
فنرجو أولًا أن تتعاملي مع الأمر بهدوءٍ، دون اضطرابٍ وانزعاجٍ شديدٍ يُخرجكِ عن اتخاذ القرارات الصحيحة؛ فلا يسيطر عليكِ القلق والخوف؛ بحيث تفقدين توازنكِ الذي ينبغي أن يعينكِ على اتخاذ قرارٍ صائبٍ، ومقابلة الزوج بما ينبغي أن يقابل به هذا الموقف العظيم.

كوني واثقةً من أن كل شيءٍ بقضاء الله تعالى وقدره، وأنه -سبحانه وتعالى- لن يُقدِّرَ لكِ إلَّا الخير، وأنه إذا قدَّر لكِ ما تحبين وأنتِ مقيمةٌ على معصية الله، فإنه لن يخذلك بعدما أطعت الله، وهذا التوازن والثبات سيجعلك تتصرفين تصرفًا مقبولًا لدى الزوج، فلا تضطربي، ولا تخافي خوفًا يُخرجكِ عن السكينة والهدوء.

لكن ينبغي أن تكوني واضحةً أمام زوجك، وأن يَفهم منك أن هذه مرحلة مضت، وأنها قد صارت في الماضي ولم تعُد، ولن تعود، فإذا خاطبك الزوج، أو عاتبك، فبادري بالاعتذار أن هذا ممَّا يجري على الإنسان بطبيعته الضعيفة التي قال عنها النبي ﷺ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ».

وأظهري له صدقكِ في الندم عمَّا كان قد حصل، وأنكِ صادقةٌ في توبتكِ، وأظهري له ما يطمئنه، ويُزيل من قلبه الشكوك التي ربما يقذفها الشيطان في قلبه، فأظهري له كل تعاونكِ بفعل ما يحب أن يفعله من الاطلاع على خفايا أَمْرِكِ، وتمكينه من مراقبة كل شيءٍ في يدكِ؛ مثل الهاتف وغيره؛ حتى يزول عنه كل شكٍّ يمكن أن يستعمله الشيطان للتفريق بينكما.

وذكّريه بأن الستر على الإنسان المسلم عبادةٌ جليلةٌ؛ فقد قال الرسول ﷺ: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وأخبريه أن الله -سبحانه وتعالى- يعفو ويصفح ويقبل توبة التائب، ويُثيبه بأعظم الهدايا والعطايا والأمنيات، ويدخله الجنة، كلُّ ذلكَ لأنه -سبحانه وتعالى- كريمٌ يحب العفو والصفح عن الماضي، ويقبل من الإنسان توبته ورجوعه إلى الحق والخير، فذكّري زوجكِ بهذه المعاني، وأنه إن عفا عنكِ وستر عليكِ فهذه عبادةٌ جليلةٌ لن تضيع عند الله تعالى.

وأحسني ظنكِ بالله أنه سيُكمِّل لكِ ما أنتِ عليه من النعمة، ولن تري من ربكِ إلَّا الشيء الجميل؛ فإنه -سبحانه وتعالى- من أسمائه: الجميل، وقد قال في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ»، فظُنِّي بالله تعالى خيرًا، وأكثري من دعائه، والزمي طاعته؛ فحافظي على أداء الفرائض التي كلفكِ الله بها وعلى رأسها الصلاة، واجتني المحرمات.

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يُديم عليكِ ستره الجميل، وأن يجنبك كل سوء ومكروه.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً