الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ضيق نفسي وتيه ذهني مع تعثر الدراسة وصعوبة إيجاد عمل، فما الحل؟

السؤال

السلام عليكم.

أشعر بضيق شديد في صدري، وتوهان شديد في دماغي؛ فأنا أشعر بأن دماغي مبعثر، وتائه، وجميع من حولي لاحظ ذلك، أموري متعثرة في إيجاد عمل قريب من أهل بيتي، فأنا مغتربة، وأموري متعثرة أيضاً في رسالة الماجستير، وقد حاولت التظاهر أمام أهلي بأن أموري طيبة، ولكن منذ فترة لم أعد أستطع، وانهرت أمامهم.

أقرأ القرآن كل يوم -بفضل الله-، وأحاول الحفاظ على الأذكار.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أمل حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلاً بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، ويجمع شتات قلبك، ويفتح لك أبواب الفرج، والرزق، والتوفيق، ويردك إلى أهلك ردًا جميلا، وبعد:

فما تمرين به لا شك مؤلم: غربة، وتعثر في العمل، وتأخر في رسالة الماجستير، ومحاولة مستمرة لإخفاء ما في داخلك، حتى لم تعودي قادرة على ذلك.

وليس غريبًا أن يضعف الإنسان تحت اجتماع هذه الضغوط، ولكن المهم ألا تحولي مرحلة متعثرة من حياتك إلى حكم على حياتك كلها، ولا تأخذي تأخر بعض ما تتمنين دليلاً على أن الأبواب قد أغلقت في وجهك؛ ففي هذه المرحلة أنت بحاجة إلى أن تجمعي بين حسن الصلة بالله، وترتيب حياتك، والرفق بنفسك، وسنوضح ذلك في الأمور الآتية:

أولاً: لا إثم عليك في انهيارك أمام أهلك، ولا في بكائك، وشكواك لهم، ما دمت لم تتسخطي على قدر الله، أو تتكلمي بما لا يرضيه؛ فالإنسان يحزن ويضعف، وقد قال يعقوب -عليه السلام-: ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾، وبكى النبي -صلى الله عليه وسلم- عند موت ابنه إبراهيم وقال: «إن العين تدمع والقلب يحزن»، فلا تلومي نفسك لأن أهلك رأوا ضعفك؛ فهم أهلك، ومن حقك أن تجدي عندهم سندًا، وليس مطلوبًا منك أن تمثلي أمامهم القوة كل يوم حتى تنهاري وحدك.

ثانيًا: لا تجمعي كل ملفات حياتك في كلمة واحدة: «أموري متعسرة»! العمل ملف، والماجستير ملف آخر، والغربة أمر ثالث، وما تشعرين به من ضيق وتشتت أمر رابع، فإذا اجتمعت في ذهنك صارت الحياة كلها مظلمة، أما إذا فصلتها أمكن التعامل مع كل واحدة منها.

لذا رتبي لكل أسبوع خطوات محددة: عددًا من فرص العمل تتقدمين إليها، ومقدارًا معين تنجزينه في الرسالة، ووقتًا ثابت للتواصل مع أهلك، والراحة، والعبادة، ولا تطالبي نفسك بحل حياتك كلها دفعة واحدة.

ثالثًا: لا تجعلي القرآن والأذكار مجرد وسيلة حتى يأتي العمل وتنتهي الرسالة؛ بل اقرئي القرآن؛ لأنه حياة لقلبك في الشدة والرخاء، وأكثري من الدعاء، لكن لا تقيسي قرب الله منك بسرعة الإجابة؛ فقد يتأخر المطلوب ولا يتأخر لطف الله، وقد يفتح لك بابًا لم يكن في حسابك، قال تعالى: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾.

رابعًا: ومن أجمل ما تدعين به في حالك دعاء موسى -عليه السلام-: ﴿رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير﴾، ودعاء ذي النون: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾، وقولي: «اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً»، و«اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل»، وأكثري من «حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم»، وادعي بلسانك أيضًا: يا رب، قد ضاق صدري وتفرقت بي الأسباب، فاجمع قلبي عليك، ويسر لي عملي ودراستي، واختر لي ما هو خير، وافتح لي من حيث لا أحتسب، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين.

خامسًا: أما الصبر فلا يعني ألا تحزني أو تبكي، وإنما أن يبقى قلبك متعلقًا بالله وأنت حزينة، وأن تواصلي السير وأنت متعبة، وألا يحملك تأخر الفرج على اليأس أو ترك الواجبات، قال تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾، فإذا اشتد عليك الأمر، فلا تسألي نفسك كل يوم: متى ستنتهي هذه المرحلة؟ بل اسألي: ما الذي أستطيع فعله اليوم؟ ثم افعليه، واتركي غدك لله.

سادسًا: ابتعدي عن الفراغ الطويل والعزلة؛ فهما يتركان مساحة واسعة للتفكير المتكرر، اجعلي ليومك نظامًا: صلاةً وقرآنًا، ساعات محددة للرسالة، وقتًا للبحث عن العمل، حركة وخروجًا، تواصلاً مع أهلك وصحبة صالحة، ونومًا منتظمًا، وإذا تعثرت الرسالة فلا تهجريها أيامًا؛ اكتبي ولو قليلاً، فإن الإنجاز الصغير المتواصل يخرج النفس من الشعور بالعجز.

سابعًا: لا تخفي عن أهلك كل شيء بعد اليوم بدعوى أنك لا تريدين تحميلهم همك، فلا يلزم أن تنقلي إليهم كل مخاوفك في كل وقت، لكن اسمحي لهم أن يكونوا أهلك حقيقة؛ أخبريهم بما تحتاجينه من دعم ودعاء، ثم طمئنيهم بأنك تأخذين بالأسباب؛ فالمشاركة المعتدلة تخفف الحمل، أمّا كتمان كل شيء حتى الانهيار فليس قوة.

وتذكري أن تعثر الطريق لا يعني فساد الوجهة، وأن تأخر الوظيفة لا يعني ضياع رزقك، وتأخر الرسالة لا يعني فشلك، والغربة ليست قدرك الدائم؛ فأنت في فصل صعب من حياتك، فلا تقرئي منه نهاية القصة كلها، بل خذي يومك بيومه، وأصلحي ما تستطيعين، واستعيني بالله فيما لا تستطيعين، وأبقي باب الرجاء مفتوحًا؛ فإن الله يقول: ﴿فإن مع العسر يسرًا إن مع العسر يسرًا﴾.

نسأل الله أن يفرج كربك، ويشرح صدرك، ويجمع شتات قلبك وفكرك، ويفتح لك باب عمل طيب قريبًا من أهلك، وييسر لك رسالة الماجستير، ويتمها عليك بخير، ويؤنس غربتك، ويبدل حيرتك هداية، وضيقك سعة، وتعبك سكينة، ويرزقك من حيث لا تحتسبين، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً