الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أتعرض للإهانة والافتراء من أم زوجي وبناتها..فكيف أتجنب أذيتهن؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنا متزوجة منذ (11) سنة، والحمد لله، أنا وزوجي متفاهمان، مع أنه عصبي قليلًا، وبين منزلي ومنزل أم زوجي حديقة، وفي الأشهر الأولى من زواجي، كانت أم زوجي تفتعل لي كثيرًا من المشاكل؛ حيث كان زوجي يخرج من منزله فرحًا مسرورًا، ثم يرجع إليَّ عابسًا وعصبيًا بعد زيارته لأمه.

والحمد لله، أنجبتُ ابنتي، وبعد عامين أنجبتُ ابني، وفي كل حمل كانت تفتعل لي المشاكل، فهي تحب السيطرة، وقوية، وأنا لا أستطيع مواجهتها، وبعد مرور سنوات تغيرت معي، وأصبحتُ أشعر بأنها طيبة وحنونة، ولكنني أشعر أيضًا بأنها تستغلني؛ لكي أساعدها في المنزل، وتفرض رأيها عليَّ، وأنا ضعيفة، وفي كل مرة أبقى أشعر بالقهر؛ لأنني لا أستطيع أن أقول لها: لا.

لكنها في هذه المدة ظلمتني كثيرًا، فهي تقول لابنتيها ولزوجي أشياء لم أفعلها ولم أقلها، وتفترِي عليَّ، وتكذب عليهم، ثم تقول إنني أنا التي أكذب، مع أنها صوَّامة قوَّامة، وتعلِّم القرآن للناس، وتقرأ القرآن دائمًا، وذهبت إلى العمرة مرات عدة، وذهبت إلى الحج، ومع ذلك ظلمتني هي وابنتاها، وأنا لم أفعل لها شيئًا، وقهرتني، وأقسم بالله العلي العظيم أنني لم أضرها يومًا، ثم قالت لي: "أنا لستُ ابنة أصل".

أهانتني هي وابنتاها، وأنا تعبت، وزوجي يدافع عني، لكن أمه قوية جدًّا، وتُميِّز زوجة ابنها الأخرى عليَّ، مع أن زوجة ابنها الأخرى قوية في تعاملها مع حماتي.

والآن أنا في مرحلة نوبات الهلع، فعندما أتذكرهن أشعر بارتفاع ضربات قلبي، وضيق في التنفس، ومغص في المعدة، وخوف شديد، ولم أعد أحتمل؛ لأنني لا أستطيع الدفاع عن نفسي، وقد تعبتُ كثيرًا، ولم تجف دموعي، ولم أعد أنم، ودعوتُ كثيرًا عليهن، ولكني أرى العكس تمامًا دائمًا، فهنَّ فرحات، وواحدة من أخوات زوجي ذاهبة إلى العمرة، وأشعر أن الله كافأها، ولم يأخذ حقي، وأشعر بالقهر، فأنا المظلومة، وهنَّ السعيدات، ويتكافأن، وأنا أشعر بالذل.

شكرًا على استماعكم، وسامحوني، فقد أطلتُ عليكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مريم حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -بنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لكِ الاهتمام، والحِرص على السؤال، ونسأل الله أن يعينكِ على الصبر على الحماوات، وهذا تحدٍّ كبيرٌ، ولكن أرجو أن تجعلي همكِ إرضاء الله -تبارك وتعالى-، وثقي أن الله يمهل ولكنه لا يهمل.

والخوف ليس على المظلوم، ولكن على الظالم؛ لأن المظلوم ينتظر تأييد الله -تبارك وتعالى-، والظالم موعودٌ بالانتقام -عياذًا بالله تبارك وتعالى-.

ولاحظنا أن زوجكِ يدافع عنكِ وهذا يكفيكِ؛ فأنتِ متزوجةٌ من هذا الرجل، ولذلك أرجو أن تحافظي عليه، وأن تقومي بواجبه تجاهه، وبعد ذلكَ أيضًا لا تُقصِّري مع والدته وإن قصرت، واعلمي أن العاقبة للمتقين.

ولا تغيري أخلاقكِ لأجل أخلاقهم؛ فاستمري على ما أنتِ عليه، وقومي بما عليكِ، وهوني على نفسكِ، وإذا كنتِ -ولله الحمد- بريئةً، وواثقةً أنكِ لم تفعلي، وأنهم يكذبون عليكِ؛ فالخوف على الكذاب، الخوف على الذي يفتعل المشاكل، والعظيم هو الذي يقول: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}.

وكوننا نرى الناس فرحانين، أو يسافرون، أو يعتمرون؛ فهذا لا يعني أنهم في رضًا من الله -تبارك وتعالى-؛ لأن الإنسان أحيانًا يعصي الله -تبارك وتعالى-، ويتجاوز حدوده، ومع ذلكَ يعطيه ويعطيه، قال الحسن البصري: "إذا رأيتَ الله يعطي الإنسان على معاصيه؛ فاعلم أنه مستدرجٌ"، {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ}.

كما أن الدعاء ليس من الضروري أن تأتي الإجابة مباشرةً، ولكن الدعاء صاحبه مأجورٌ؛ فإمَّا أن يستجيب الله الدعاء، وإمَّا أن يكتب لكِ الأجر، وإمَّا أن يرفع عنكِ من البلاء والمصائب النازلة بفضل هذا الدعاء.

فلا تتوقفي عن الرجوع إلى الله -تبارك وتعالى-، وقومي بما عليكِ، واهتمي بأطفالكِ، وإذا طلبت مساعدةً فقومي بما تستطيعين، وكما قالوا: "من أجل عينٍ تكرم ألف عينٍ"، فأنتِ تكرمين هذه الأم -رغم قسوتها- من أجل هذا الزوج الذي يُقدّركِ.

ونتمنى أن تشجعي زوجكِ أيضًا على التواصل؛ حتى نعطيه وصفةً يتعامل فيها مع والدته ولها عليه حقٌّ، ومع أخته ولها عليه حقٌّ، ولكن كل ذلكَ ليس على حسابكِ أيضًا، فإذا قصَّر في حقكِ فهذا أمرٌ خطيرٌ، وإذا قصَّر في حق أمه أو أخته فهذا أمرٌ خطيرٌ.

إذا استوعبت الزوجة هذا المعنى العظيم، وحرصت على أن تتعامل مع والدته، وحرص الزوج على أن يعطيكِ الخصوصية، ويعطيكِ الدعم المعنوي، ويعترف لكِ بفضل هذا الصبر، ويعترف بأن أهله لهم مواقف لا تسر، فيقول: "أنا عندي زوجةٌ أفاخر بها؛ هي صبرت على أمي، وصبرت على كذا"، والحمد لله أنتِ أيضًا لاحظتِ أن صبركِ الأول أثمر؛ حتى قلتِ: "أحس أنها طيبةٌ وحنونةٌ".

هذا المعنى الجميل، وهذا الشعور الجميل لا بد أن تقفي عنده أيضًا؛ لأن الإنسان بإحسانه وعندما يصبر ولا يرد السيئة؛ هذا فيه قهرٌ للشر، وفيه ربحٌ عند الله -تبارك وتعالى-.

إذًا نحن لا بد أن نفرق بين زوجٍ يُقدِّركِ، ويهتم بكِ، ويدافع عنكِ عند أهله، وهذا يستحق أن تصبري معه، وبين أمٍّ تبالغ في الأذية، وهذه تصبرين عليها؛ لأنها في مقام الأم، ونحن لا نستطيع أن نغيِّر الكبار، ولكن نحن الذين ينبغي -بعد هذا العمر الطويل- أن نصبر، ونجتهد، ونسأل الله أن يُؤيدنا، وأن يُصبِّرُنا، وهذه الدنيا قصيرةٌ؛ يعني غدًا سيأتي الموت ليفرِّق الناس، المهم هو أن نكون نحن في هذه الدنيا مُطيعين لله -تبارك وتعالى-، صابرين على الأذى من أجل مرضات الله -تبارك وتعالى-.

ولا تقارني نفسكِ مع الأخرى، ولا تحاولي أن تواجهيها بقوةٍ وبإساءة أدبٍ كما تفعل الأخرى؛ لا تُغيِّري ما عندكِ من أخلاقٍ جميلةٍ من أجل أخلاق الآخرين، ونسأل الله لنا ولكِ التوفيق والسداد.

ولا تضغطي على نفسكِ، ولا تؤنبيها، وإذا حاول الشيطان أن يذكركِ الماضي؛ فاشغلي نفسكِ بالاستغفار والذكر حتى ينصرف الشيطان؛ لأن هم هذا العدو أن يحزن أهل الإيمان {لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا}، فهمه أن يضيق علينا.

نسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً