الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أحمي صحتي النفسية في ظل ضغط والدتي عليّ في أمور الدراسة؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا طالبة متفوقة -والحمد لله- طوال سنواتي الدراسية، وأحفظ قدرًا من القرآن، وأحاول أن أتقرب إلى الله حيثما استطعت، ولكن المشكلة أن أمي تضغط عليَّ بشكل كبير، وهي تقول إن هذا لمصلحتي.

ومن كثرة الضغط، أصبحت لديَّ بعض المشكلات الصحية والجسدية، وأصبحتُ أدعو على نفسي في بعض الأحيان، ويأتي ضغطها بهذه الطريقة، فإذا حصلتُ على (99) تقول لي: لماذا لم تحصلي على (100)؟ ولا تقول ذلك بطريقة عادية، بل تصرخ، وتشعرني بأن الدرجة سيئة جدًّا، مع أنني أعلم أنها ليست كذلك.

وعندما أنقص ثلاث درجات فأكثر، تُسمعني ما لا أطيق حرفيًّا، حتى إن كنتُ الأولى على صفي، ثم عندما أبكي وأحزن، تقول إنها تفعل ذلك خوفًا على مصلحتي، لكنها تكرر الأمر كثيرًا، لدرجة أنني أصبحتُ أكره الحديث معها عن مشاعري.

وعندما أُفاتحها في موضوع الضغط الدراسي، وأخبرها بأنها سببت لي عقدة نفسية منه، لدرجة أنني أصبحتُ أفتح الكتاب، ولا أستطيع الحفظ أو القراءة أو الحل، تقول إنني أنا من جلبتُ ذلك على نفسي، وإذا أصلحنا علاقتنا، تهدأ يومًا واحدًا، ثم يتكرر الأمر نفسه.

مشكلتي أنني الآن في مرحلة التوجيهي، ومن شدة الاكتئاب والحزن، لم أعد قادرة على الدراسة، حتى أصبحتُ أحصل في جميع الاختبارات التجريبية على أقل من نصف العلامة، ولم أعد قادرة على حفظ القرآن أو الدروس، أو حتى قراءة الأذكار وأداء الصلوات، واختباراتي بعد أقل من شهر.

وطبعًا، تعيد أمي التصرف نفسه، وأنا أصبحتُ لا أطيق حياتي إطلاقًا، وأصبح لديَّ توتر مزمن، لدرجة أنني أنام وأنا متوترة، وآكل وأنا متوترة، وأتكلم وأنا متوترة، وأشعر بالخوف دائمًا، ولستُ قادرة على فعل أي شيء أحبه؛ لأنني أسمع صوتها دائمًا وهي تقول لي: لماذا لا تدرسين؟ أنت تضيعين وقتك.

حتى عند ممارستي للرياضة، أصبحتُ أكره الدراسة والتعليم بصفة عامة، وأشعر بأنني لا أطيق أمي في بعض الأحيان، وأرجوكم ألَّا تنصحوني بأن أتحدث إلى أصدقائي أو أهلي أو والدي؛ لينصحوها أو يهوّنوا عليَّ، أو بأن أراجع طبيبًا نفسيًّا، فهذا أمر مستحيل جدًّا.

لا يمكنني تغيير أمي، وعلى الرغم من اختلافنا في هذه النقطة، فإنني أحبها كثيرًا، فهي التي تنفق عليَّ، ولم تُقصِّر معي ماديًّا أو معنويًّا في أي أمور أخرى، لكن موضوع الدراسة زاد عن حدّه، وتراكمت الصدمات والأزمات النفسية الناتجة عنه خلال السنوات الماضية، حتى وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم.

أنا أريد أن أتفوق، ولكن ليس على حساب صحتي النفسية والجسدية.

شكرًا لكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ن حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكرك لتواصلك معنا وثقتك بنا، وجزاك الله خيرًا على صدقك في وصف ما تمرين به؛ فهذا الصدق هو أول خطوةٍ نحو الفرج -بإذن الله-.

فهمنا من رسالتكِ -ابنتي الكريمة- أنك طالبةٌ متفوقةٌ، وحافظةٌ لقدرٍ من كتاب الله، وحريصةٌ على التقرب من ربك، ومع كل هذا التميز تعانين منذ سنواتٍ من ضغطٍ دراسيٍّ شديدٍ من والدتك؛ حتى تحول هذا الضغط إلى توترٍ مزمنٍ أثر في صحتك النفسية والجسدية، وفي علاقتك بالدراسة والعبادة على حدٍّ سواءٍ، وهذا شعورٌ مؤلمٌ حقًّا، ولا نستغرب أبدًا أن تصلي إلى ما وصلت إليه بعد هذا التراكم الطويل من السنين.

ويمكن أن ننظر إلى ما تعانينه من زاويتين:
• الأولى: هي نية والدتك، وهي على الأغلب نيةٌ طيبةٌ تريد لك بها الخير والتفوق والمستقبل الأفضل، وقد ذكرتِ أنتِ نفسكِ أنها لم تقصر معكِ في شيءٍ، وهذا فضلٌ لا يُنكر؛ يقول الله -عز وجل-: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}.

• الثانية: هي أسلوبها في التعبير عن هذه النية، وهو أسلوبٌ يحمل قسوةً وصراخًا وتوبيخًا متكررًا، حتى إنكِ حين تحصلين على تسعٍ وتسعين من مئةٍ تعاملين وكأنكِ أخفقتِ. وهذا الأسلوب -وإن كان صادرًا عن حبٍّ- له أثرٌ مدمرٌ على النفس لا يقل خطورةً عن أي إهمالٍ آخر؛ فالإسلام حين أمر ببر الوالدين لم يبح لأي والدٍ أن يلحق بولده ضررًا نفسيا أو جسديًّا، وقد قال النبي ﷺ: «لَا ضَرَر وَلَا ضِرَارَ»، وهذا أصلٌ عظيمٌ ينطبق على كل علاقةٍ حتى بين الوالد وولده.

ومن المهم جدًّا أن تدركي أن ما تشعرين به من توترٍ، وحزنٍ، وضعفٍ في التركيز، ليس ضعفًا في إيمانكِ ولا تقصيرًا منكِ، بل هو استجابةٌ طبيعيةٌ جدًّا لضغطٍ استمر سنواتٍ طويلةً، وانقطاعكِ عن حفظ القرآن أو الأذكار في هذه الفترة ليس عقوبةً ولا مؤشرًا على بعدكِ عن الله؛ يقول تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، وأنتِ الآن في حال إنهاكٍ حقيقيٍّ يستدعي أن ترحمي نفسكِ قبل كل شيءٍ.

ومن الأمور التي ستعينكِ -بإذن الله-:

• أن تفرقي أولًا بين حبكِ لوالدتكِ وبين موافقتكِ على أسلوبها؛ فيمكنكِ أن تحبيها وتقدري تعبها معكِ، وفي الوقت نفسه ترفضي بداخلكِ أن يكون هذا الأسلوب هو الصواب، دون أن يتحول هذا الرفض إلى كراهيةٍ لها أو لذاتكِ.
• ثم أن تعودي إلى الله في أوقات الضيق ولو بأيسر الذكر؛ فحتى ركعتان خفيفتان أو استغفارٌ متقطعٌ خيرٌ من الانقطاع الكامل، وسيعود الانتظام تدريجيًّا حين تخف حدة التوتر.
• ثم تنظمي وقت المذاكرة بطريقةٍ تحميكِ من الانهيار؛ كأن تقسمي المنهج إلى أجزاءٍ صغيرةٍ جدًّا، وتمنحي نفسكِ فترات راحةٍ قصيرةٍ بينها؛ فالتوتر الشديد يعطل الذاكرة والفهم أكثر مما يعطلهما نقص المذاكرة نفسه.
• ثم تحاولي -إن أمكن- أن تكتبي لوالدتكِ في لحظة هدوءٍ -لا في لحظة خلافٍ- كلماتٍ تشرحين فيها أن الذي يؤلمكِ ليس حرصها بل طريقة توبيخها، وأنكِ تحتاجين أن تسمعي منها كلمةً تطمئنكِ حتى في نتيجةٍ أقل مما تتمنيان؛ فقد لا تدرك حجم الأثر الذي تتركه كلماتها.
• ثم أن تخصصي لنفسكِ مساحةً صغيرةً يوميًّا لما تحبينه بعيدًا عن الدراسة تمامًا ولو دقائق معدودةً؛ فهذا ليس تضييعًا للوقت كما توحي لكِ الأصوات من حولكِ، بل هو ما يعيد لكِ طاقتكِ لتكملي الطريق.

ونحن نتفهم تمامًا رغبتكِ في عدم إشراك أحدٍ من محيطكِ في هذا الأمر، ونحترم ظرفكِ، ولكن لا بد أن نذكركِ أن ما تصفينه من أرقٍ مستمرٍ، وتوترٍ أثناء الأكل، والنوم، والكلام، واستمرار الحزن لهذه الدرجة أمرٌ يستحق عنايةً أكبر ممَّا يمكن أن تقدمه رسالةٌ مكتوبة؛ فإن وجدتِ في مدرستكِ مرشدةً تربويةً أو معلمةً تثقين بها؛ يمكنكِ أن تشاركيها ولو جزءًا بسيطًا مما تشعرين به دون أن يصل الأمر إلى والدتكِ، فهذا قد يكون بابًا أخف وطأةً مما تتخيلين، وطلب المساعدة ليس ضعفًا، بل هو من الحكمة التي أمرنا الله بها.

وتذكري أن الامتحانات -مهما بدت اليوم عظيمة الأثر- لن تحدد قيمتكِ عند الله ولا قيمتكِ الحقيقية؛ فأنتِ لستِ رقمًا في كشف درجاتٍ، وقد اجتهدتِ سنواتٍ طويلةً، وهذا الاجتهاد لا يضيع -بإذن الله-، وقد قال الشاعر:
اصْبِرْ لِكُلِّ مُصِيبَةٍ وَتَجَلَّدِ *** وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْمَرْءَ غَيْرُ مُخَلَّدِ

فالأيام دولٌ، وما تعانينه اليوم من ضيقٍ سيعقبه -بإذن الله- فرجٌ؛ يقول تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}.

نسأل الله أن يشرح صدركِ، وأن يلطف بكِ وبوالدتكِ، وأن يصلح ما بينكما، وأن يعينكِ على دراستكِ، وأن يجعل هذا الضيق سببًا في قربكِ منه -سبحانه- لا بعدكِ عنه.

هذا، وبالله التوفيق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً