الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أمي كثيرة المشاكل وتحثني على طلاق زوجتي لخلافها معها، فما رأيكم؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أمي كثيرة المشكلات دائمًا مع أخواتها، أو مع أبي، أو مع إخوتي، أو معي، وكثيرة الخطأ في حق الآخرين.

وعندما عرفت زوجتي بسبِّ أمي لها ولأهلها، عن طريق المحادثة التي جرت بيني وبينها عندما أمسكت زوجتي هاتفي أثناء غيابي، عاتبت أمي بكل أدب، لكن رد أمي كان غليظًا، وكثرت إساءتها إليها، فردت زوجتي قائلةً: "نرجو احترام أنفسنا، وأنا لن أسكت عن أي سبٍّ لي أو لعائلتي".

والآن تريد أمي أن أطلق زوجتي، وتقول إن زوجتي تجاوزت، ولا تريد أن تقر بأنها أخطأت، فما العمل؟ والآن هي لا تريدني أن أخاطبها أو أزورها.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمود حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكَ -أستاذنا الكريم وابننا الفاضل- في الموقع، ونشكر لكَ الاهتمام وحسن العرض للسؤال، ونسأل الله أن يوفقكَ، وأن يصلح الأحوال، وأن يهدي الوالدة لأحسن الأخلاق والأعمال؛ فإنه لا يهدي لأحسنها إلَّا هو، وأن يصرف عنها سيئ الأخلاق والأعمال؛ لا يصرف سيئها إلَّا هو، ونسأل الله أن يعينكَ على الصبر على هذه الوالدة؛ فإن الصبر على الوالد أو الوالدة من أعلى أنواع البر، وإذا لم يصبر الإنسان على أمه فعلامَ يكون الصبر؟

ولكن من المهم جدًّا أن تفرق بين الصبر على الوالدة واحتمال ما يأتيكَ من أذاها أو كلامها، وبين حق الزوجة؛ فللوالدة حقٌّ عظيمٌ في البر، لا بد أن تقوم به، وتصبر عليها، وتحتمل منها، وللزوجة حقٌّ عظيمٌ، وهو حُسن المعاشرة، ولذلك عليكَ أن تطيع الوالدة ببرّها، لكن ليس من بر الوالدة طلاق الزوجة، خاصةً إذا لم يكن هناك أسباب شرعية، إذا كان مجرد مزاج ورغبة وعناد، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وكان رجلٌ قد قال لعمر -رضي الله عنه-: "عندي امرأة وأنا أحبها، وأمي تأمرني بطلاقها"، فقال له: "لا تفعل، إنما الطاعة في المعروف"، والوالد والوالدة لا يطاعان في مثل هذه الأمور إلَّا إذا كان هناك اعتبار شرعي.

ومع ذلك فنتمنى أن تعتذر زوجتكَ للوالدة، وأن تحاول أن تُبعد أي فرصة لاحتكاك بينهما، وتطلب من زوجتكَ أن تصبر عليها، وأن تحتمل منها كما يحتمل منها الوالد وإخوانها والأخوات والجميع ومن حولها.

نحن لا نستطيع أن نقول لوالدة كبيرة في السن: تغيري، بل ينبغي أن نتسلح بالصبر، ونسأل الله لها الهداية، وإذا كانت هناك فرصة للتذكير بالله فليكن بعيدًا عن هذه المشاكل، في أوقات مناسبة يكون فيها صفاء مع الوالدة، تُذكّرها بهذه المعاني.

ونحب أن نؤكد لكَ أن هذا الرفض من الوالدة سيكون مؤقتًا، وأنتَ الآن أولًا لا تُثنِ على الزوجة أمامها، ولا تُكرم الزوجة أمامها، ولكن إذا كانت في بيتكَ فأكرمها وأعطها حقها.

الأمر الثاني: إذا تكلمت عنها، ليس من الضروري أن تدافع عنها، ولكن بمنتهى البساطة يمكن أن تقول: "لا تعطي الناس حسناتكِ يا والدتي؛ فإن الكلام في الناس يجعل الإنسان مفلسًا بين يدي الله تبارك وتعالى"، هذا نوعٌ من التذكير بالله تبارك وتعالى، والتخويف بعواقب الإساءة للآخرين.

لكن لا نريد أن تقف أمام الوالدة وتجادلها وتناقشها؛ لأن هذا لن يزيد الأمور إلَّا سوءًا، ولن يزيد الأمور إلَّا شدةً، واطلب من زوجتكَ أيضًا أن تتجنب الرد على الوالدة، وأن تحتمل منها إكرامًا لكَ؛ فمن أجل عينٍ تُكرم ألف عين، وإذا صبرت زوجتكَ على الوالدة وأذاها، فأنتَ ينبغي أن تُكرم هذه الزوجة.

ودائمًا نحب أن نقول في مثل هذه الأحوال: ليس من المصلحة أن يعلم الأهل ماذا قالت والدتكَ، وليس من المصلحة أن تعلم الوالدة ماذا قالت الزوجة؛ لأن المؤمن لا ينقل الكلام الذي يُسيء للناس؛ فهذا فعل النمام.

بل المؤمن إذا وجد خيرًا نشره ونقله، وإذا وجد شرًّا دفنه في مكانه، وإذا استطاع أن ينصح هذا الذي يتفوَّه بالسوء أو تكلَّم بكلام لا يُرضي الله، فينبغي أن ينصحه، لكن ما ينبغي أن ننقل هذا إلى الآخرين.

وعلى الزوجة، وعلى كل إنسان يتعرض لإساءة، أو يتعرض أهله لإساءة، أن يتذكر أن هذا المسيء يُعطي الناس من حسناته، وأن هذه الإساءة إنما تضر من يقوم بها ومن يتكلم بها، ويظل الإنسان مفلسًا يوم القيامة؛ يأتي وقد شتم هذا، واغتاب هذا، وتكلم في هذا، فيُعطى هذا من حسناته، ويُعطى هذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه، أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار.

ويبقى دورك كمسلم أيضًا أن تنقل أحسن عبارات الوالدة إلى الزوجة، وأحسن عبارات الزوجة إلى الوالدة، وتدفن العبارات التي فيها إساءة لأي طرف من الطرفين، فلا تنقلها ولا تخبر بها، ونسأل الله أن يعينك على تجاوز هذه الصعاب.

ولكن ليس لكَ أن تطلق الزوجة، وعليها أيضًا ألَّا تكرر هذه الإساءة والجدال والكلام مع الوالدة، وهي تعلم أن الوالدة تُؤذي الناس، فلذلك ما ينبغي أن تُدخل نفسها في مثل هذه الأمور، وكان ينبغي أيضًا ألَّا تَردَّ ردًّا بهذه الطريقة؛ فالوالدة فهمت أنها تجادلها، وأنها تضع رأسها برأسها، وتجادلها كأنها زميلة لها.

نحن بحاجة إلى أن نصبر على كبار السن: أمهات، آباء، جدات، خالات، عمَّات، كل كبير في السن نحتاج إلى أن نصبر عليه، ونسأل الله أن يعينكم على الخير، وأن يؤلف القلوب، وأن يغفر الزلات والذنوب.

إذًا: ليس في الشرع ما يدعوكَ إلى طلاق الزوجة، ولكن الشرع يدعوكَ إلى استرضاء الوالدة، وإدخال الوسطاء، وإدخال الأخوال، وكل من يمكن أن يُؤثِّر عليها، وسيتغير رأيها بإذن الله، وإن لم تفعل، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والإنسان إنما يطلق زوجته إذا أساءت له، أو إذا قصَّرت في أشياء شرعية، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً