الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فقدت الخشوع والشغف الدراسي بعد أن مررت بفترة توبة استشعرت لذتها!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

أنا فتاة أبلغ من العمر 17 عامًا، نشأتُ في عائلة ملتزمة، وبدأتُ حفظ القرآن الكريم في صغري، حتى أتممتُ ختمه بفضل الله في سن الخامسة عشرة.

خلال فترة مراهقتي، مررتُ بمرحلة سادها الفراغ والرغبة في الشعور بالقبول، فملتُ إلى بعض الذنوب، وقصّرتُ في صلاتي، لكن بعد إتمام الختمة استشعرتُ الذنب، وضاقت عليَّ الأرض، فعدتُ إلى الله تائبةً، عاقدةً العزم على عدم العودة، وأكرمني الله بعدها بلذة الخشوع والقرب.

ومع عودتي إلى الدراسة في البيئة المختلطة، عاد هذا الشعور يخيّم عليَّ، فأصبحتُ أعاني من فراغ شديد، وفقدان للمعنى والشغف، وأشعر كأنني أعيش الروتين نفسه دائمًا، فقد اندثر حماسي ورغبتي في الحياة كليًّا، حتى إن رغبتي في الدراسة غابت، وتراجع معدلي الدراسي بشكل كبير جدًّا.

شاهدتُ العديد من مقاطع الفيديو على اليوتيوب، وأظن أنني أعاني من حالة تُسمّى «الاحتراق النفسي»، لكنني لم أجد أي فيديو يشرح حالتي تمامًا، وأنا أساسًا لا أعرف ما الذي أعاني منه، فأحيانًا أشعر كأن عقلي منفصل عن جسمي، وكأنني لستُ إنسانة، وأشعر بأنني لا أشعر بشيء.

ألوم ظروفي كثيرًا، وأعاني من غياب الأصدقاء، والشعور بأنني غير مرغوب فيَّ، ولا أعرف كيف أصف حالتي بدقة، فعندما أكون مع الناس أضحك وأشارك، لكنني أشعر بأنني أزيّف هذه المشاعر، وأنها ليست نابعةً من قلبي، والمشاعر الحقيقية الوحيدة التي أعيشها هي الرغبة الدائمة في البكاء، والغضب، والانفعال.

حتى عندما أحاول تشجيع نفسي على النهوض، أجد أنني لا أهتم بحياتي ولا بمستقبلي، ورغم محافظتي على صلواتي، وتوقفي عن الذنوب، وابتعادي سابقًا عن الموسيقى، فإنني حاليًّا لا أشعر بأي خشوع في الصلاة أو في قراءة القرآن، وقد فقدتُ تلك اللذة تمامًا.

وعندما أُصارح نفسي، أشعر وكأن حالي قبل التوبة وبعدها لم يتغير، وأخذت تجول في خاطري تساؤلات تؤرقني، وأخشى كثيرًا أن تكون الآية: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} قد طُبِّقت عليَّ.

أنا لا أعرف لماذا أنا هنا، كما أنني لم أعرف كيف أشرح حالتي بالكامل، لكنني أظن أنكم قد مررتم بحالات مماثلة لحالتي، ولذلك أود أن تنصحوني وتوجّهوني بما يعيد إليَّ سكينتي وفهمي لنفسي.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أثر حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

حيّاكِ الله، وشرح صدركِ، وجبر خاطركِ، وثبّتكِ على طاعته؛ فما أجمل أن تكوني قد أتممتِ حفظ كتاب الله تعالى في الخامسة عشرة من عمركِ، ثم عدتِ إلى الله بعد فترةٍ من التقصير، واستشعرتِ لذة القرب منه؛ هذه نعمةٌ عظيمةٌ، ودليلٌ على أن في قلبكِ خيرًا وحرصًا على رضا الله تعالى، فلا تجعلي ما تمرين به الآن يمحو من ذاكرتكِ كل ما أنعم الله سبحانه به عليكِ.

أختي الفاضلة، يبدو أنكِ تعيشين حالةً من الإنهاك النفسي، وفقدان الدافعية، والشعور بالفراغ، وربما يصاحبها نوعٌ من الانفصال عن المشاعر أو عن الإحساس بالذات، ولكن لا يمكن الجزم من خلال رسالةٍ وحدها بأنها احتراقٌ نفسيٌّ أو اكتئابٌ أو غير ذلكَ؛ فهذه الأعراض تحتاج إلى تقييمٍ متخصصٍ، ولا يصح أن تحمّلي نفسكِ تشخيصًا قرأتِ عنه في مقطعٍ على الإنترنت، والأهم أن ما تمرين به ليس دليلًا على فسادكِ أو نفاقكِ، أو أن توبتكِ لم تكن صادقةً.

أولًا: لا تفسري فقدان الخشوع بأنه عقوبةٌ حتمية:
أختي العزيزة، لا تربطي فقدان اللذة في العبادة بقوله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا}؛ فليس كل من ضاق صدره، أو فقد شغفه، أو ضعف خشوعه، يكون قد أعرض عن ذكر الله تعالى أو استحق العقوبة؛ فقد يمر المؤمن بمرضٍ، أو إرهاقٍ، أو حزنٍ، أو اضطرابٍ نفسيٍّ يؤثر في مشاعره وتركيزه وعبادته.

والخشوع ليس شعورًا ثابتًا لا يتغير؛ فقد يقوى ويضعف، وقد يعبد الإنسان ربه تعالى في بعض الأيام بقلبٍ حاضرٍ، وفي أيامٍ أخرى يؤدي العبادة وهو مجاهدٌ لنفسه، وكلاهما لا يعني بالضرورة أنه فقد علاقته بالله تعالى؛ قال النبي ﷺ: «إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ كَانَتْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ»، وقد تمرين بفترة فتورٍ، ولكن المطلوب ألا تتحول إلى ترك الصلاة أو الاستسلام لليأس.

ثانيًا: لا تجعلي علاقتكِ بالله تعالى قائمةً على الإحساس وحده:
أختي الكريمة، قد تعودين إلى الصلاة ولا تجدين اللذة التي كنتِ تشعرين بها سابقًا، فتظنين أن الله تعالى لم يعد يحبكِ، أو أن توبتكِ لم تعد مقبولةً، وهذا استنتاجٌ قاسٍ على نفسكِ، وليس لازمًا من فقدان الشعور.

العبادة ليست مرتبطةً دائمًا بوجود إحساسٍ جميلٍ؛ فقد تكون أعظم عبادتكِ في هذه المرحلة أن تصلي وأنتِ متعبةٌ، وتقرئي القرآن وأنتِ لا تجدين النشاط السابق، وتستمري في طاعة الله تعالى رغم ثقل النفس؛ قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.

فلا تطلبي من نفسكِ أن تعودي فورًا إلى المستوى الروحي الذي كنتِ عليه، ولا تجعلي كل صلاةٍ اختبارًا لمقدار خشوعكِ؛ فيكفي الآن أن تحافظي على الفرائض، وتقرئي من القرآن بقدر ما تستطيعين، وتدعي الله تعالى بصدقٍ ولو بكلماتٍ قليلةٍ.

ثالثًا: لا تهملي الجانب النفسي:
ما ذكرتِه من فقدان الشغف، وتراجع الدراسة، والرغبة الدائمة في البكاء، والغضب، والشعور بأنكِ منفصلةٌ عن نفسكِ أو عن جسدكِ، وعدم الاهتمام بالمستقبل؛ يستحق اهتمامًا جادًا؛ فقد تكون هذه الأعراض مرتبطةً بالضغط النفسي، أو الوحدة، أو اضطراب المزاج، أو القلق، أو غير ذلكَ، ولا يمكن معرفة السبب بدقةٍ دون تقييمٍ.

لذلك أنصحكِ بأن تخبري والدتكِ أو والدكِ أو شخصًا بالغًا تثقين به، وتطلبي مساعدته في الوصول إلى أخصائيةٍ نفسيةٍ أو طبيبةٍ مختصةٍ بالمراهقات، ولا تنتظري حتى تتفاقم الأعراض أو يتراجع مستواكِ الدراسي أكثر.

وإذا كان شعوركِ بأنكِ منفصلةٌ عن جسدكِ شديدًا أو متكررًا، أو يصاحبه خوفٌ شديدٌ أو فقدانٌ للسيطرة؛ فأخبِري المختصة بذلكَ بوضوحٍ؛ فهو عرضٌ مهمٌّ ينبغي فهمه، وليس شيئاً ينبغي تجاهله.

رابعًا: عالجي الفراغ والوحدة بخطواتٍ صغيرةٍ:
لا تحاولي إصلاح حياتكِ كلها في يومٍ واحدٍ، بل ابدئي بخطواتٍ بسيطةٍ قابلةٍ للتنفيذ:
• نظمي نومكِ، وحاولي الحصول على قدرٍ كافٍ من الراحة.
• ابدئي الدراسة بمدةٍ قصيرةٍ، مثل عشرين دقيقةً، ثم استراحةٍ، بدل انتظار الحماس.
• اختاري مادةً واحدةً أو مهمةً صغيرةً تنجزينها كل يومٍ، ولا تجعلي انخفاض معدلكِ سببًا لاحتقار نفسكِ.
• ابحثي عن صديقةٍ صالحةٍ أو مجموعةٍ دراسيةٍ تشعرين معها بالأمان، ولو بدأتِ بالتقرب تدريجيًا.
• مارسي المشي أو نشاطًا تحبينه، ولو لمدةٍ قصيرةٍ يوميًا.
• خصصي وقتًا بعيدًا عن الهاتف والمقاطع التي تشخص حالتكِ باستمرارٍ؛ فكثرة البحث عن الأعراض قد تزيد القلق والانشغال بالنفس.
• تحدثي مع أهلكِ عن شعوركِ بالفراغ والوحدة، ولا تكتفي بإظهار أنكِ بخيرٍ أمامهم.

وتذكري أن الضحك مع الناس رغم الحزن الداخلي لا يعني بالضرورة أنكِ تزيفين مشاعركِ؛ فقد يستطيع الإنسان التفاعل اجتماعيًا، مع بقاء معاناةٍ نفسيةٍ لا تظهر للآخرين.

خامسًا: لا تعاقبي نفسكِ على الماضي:
أختي الفاضلة، لقد تبتِ إلى الله، وندمتِ، وتركتِ ما كنتِ عليه، فلا تعودي كل يومٍ إلى محاكمة نفسكِ من جديدٍ؛ قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}، وقال سبحانه: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}.

فلا تقيسي صدق توبتكِ بمدى شعوركِ بالخشوع اليوم، ولا تظني أن الله تعالى يعاقبكِ لمجرد أنكِ تمرين بمرحلةٍ نفسيةٍ صعبة، وإذا جاءتكِ أفكارٌ مثل: "أنا لا أشعر بشيءٍ، إذن أنا بعيدةٌ عن الله"، فقولي لنفسكِ: "قد أكون متعبةً نفسيًّا، ولكنني ما زلت أستطيع أن أعبد الله تعالى وأطلب عونه، ولن أحكم على علاقتي به من خلال شعورٍ عابرٍ".

سادسًا: متى تحتاجين إلى مساعدةٍ عاجلةٍ؟
إذا شعرتِ أنكِ لا تريدين الاستمرار في الحياة، أو راودتكِ أفكار إيذاء نفسكِ، أو أصبحتِ غير قادرةٍ على أداء مهامكِ الأساسية؛ فأخبِري شخصًا بالغًا تثقين به فورًا، واطلبي مساعدةً طبيةً عاجلةً، ولا تحملي هذا وحدكِ.

أختي الكريمة، أنتِ لستِ مطالبةً بأن تكوني دائمًا الفتاة الحافظة للقرآن، الخاشعة، المتفوقة، القوية، التي لا تتعب ولا تحزن؛ فأنتِ إنسانةٌ تمر بمرحلةٍ تحتاج فيها إلى الرحمة والرعاية والمساندة، وقد يكون طريق عودتكِ إلى السكينة هذه المرة عبر العبادة، وعبر الراحة، وعبر صحبةٍ طيبةٍ، وعبر مساعدةٍ نفسيةٍ متخصصةٍ أيضًا.

أسأل الله أن يشرح صدركِ، ويطمئن قلبكِ، ويجبر كسركِ، ويرد إليكِ عافيتكِ وشغفكِ، ويجعل القرآن ربيع قلبكِ، وأن يرزقكِ صحبةً صالحةً، ويعينكِ على دراستكِ، ويصرف عنكِ الحزن والقلق، ويجعلكِ من أهل قوله تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً