الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أقاوم الشهوة والمعصية في أوقات الوحدة؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شاب عانيت كثيراً ولسنين، من ذنوب الخلوات منذ بداية شبابي، تدفعني هذه الذنوب إلى ترك الصلاة أحياناً؛ لتعسر الغسل لدي لأسباب عديدة، منها الخوف من أن يُكتشف أمري، وغير ذلك، ولكني أعود وأتوب إلى الله فترة، ثم أنتكس من جديد.

أسأل سادتكم -بعد الله- أن تدعوا لي، وأن تقدموا لي حلولاً للإقلاع عنها؛ فوساوس هذه المعصية من نفسي ومن الشيطان تزداد بشدة بعد التوبة، خاصة لأني وحيد معظم الوقت.

حفظكم الله، وجزاكم خيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عمر حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

حيّاك الله، وثبّتك على طاعته، وأعانك على نفسك، وفتح لك أبواب التوبة والثبات.

من أجمل ما في سؤالك -أخي الكريم- أنك لم تستسلم للذنب، بل كلما وقعت عدت إلى الله تعالى، وهذه علامة خير ينبغي أن تتمسك بها، لا أن تجعل الانتكاس سببًا لليأس.

يبدو أن المشكلة عندك ليست في الذنب وحده، وإنما في دائرة تتكرر: وحدة وفراغ، ثم وسوسة ومعصية، ثم ندم وخوف، ثم صعوبة في الغسل، ثم ترك للصلاة، فيزداد الشعور بالذنب والضعف؛ ولذلك فالعلاج يحتاج إلى كسر هذه الدائرة من أكثر من جهة.

أولًا: لا تيأس من رحمة الله تعالى: قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:53]، وقال النبي ﷺ: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» رواه الترمذي وابن ماجه. فإذا تبت توبة صادقة، ثم ضعفت بعد ذلك، فلا تقل: فشلت وانتهى الأمر؛ بل تب من جديد، وتعلّم من سبب الانتكاسة، الثبات لا يعني ألا تسقط، وإنما ألا تجعل سقوطك نهاية الطريق.

ثانيًا: اقطع الطريق على المعصية قبل بدايتها: بما أنك ذكرت أن الوحدة من أكبر أسباب ضعفك، فلا تعتمد على قوة إرادتك وأنت في نفس الظروف التي اعتدت أن تقع فيها، لذا:
• قلّل الخلوة الطويلة، وخاصة في الأوقات التي تعرف أنك تضعف فيها.
• أبعد الهاتف عن غرفتك وقت النوم.
• لا تستخدم الإنترنت وأنت وحدك بلا حاجة.
• املأ وقت الفراغ بالرياضة، والعمل، والدراسة، والصحبة الصالحة.
• إذا بدأت الوسوسة غيّر المكان فورًا، توضأ، اخرج للمشي، واجلس مع الناس؛ ولا تدخل في حوار طويل مع الفكرة، وتذكر قول الله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:76]؛ لكن من الحكمة ألا نعرّض أنفسنا للفتنة ثم نعتمد على المقاومة وحدها.

ثالثًا: لا تسمح للذنب أن يجرّك إلى ترك الصلاة: هذه من أخطر النقاط في رسالتك؛ المعصية لا تبرر ترك الصلاة، فإذا وقعت في الجنابة، فالأصل الاغتسال، وإن كان استعمال الماء متعذرًا حقيقةً، أو يترتب عليه ضرر معتبر، فقد شرع الله تعالى التيمم عند العجز، قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:43]، أما الخوف من انكشاف الأمر وحده فلا ينبغي أن يتحول إلى ترك للصلاة، ولأن تفاصيل الغسل والتيمم تختلف باختلاف حالتك، فاسأل عالمًا موثوقًا عن وضعك تحديدًا دون حرج، واجعل هذه قاعدة ثابتة: مهما حصل، لن أترك الصلاة.

رابعًا: عالج الشهوة بالأسباب لا بمجرد المقاومة: عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال النبي ﷺ: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء"، متفق عليه. فإن كنت لا تستطيع الزواج حاليًا، فاجعل الصيام، والرياضة، وتقليل العزلة، وغض البصر، والابتعاد عن المثيرات جزءًا من خطة واحدة، ولا تنتظر أن تختفي الشهوة تمامًا؛ المطلوب أن تتعلم كيف تمر بك دون أن تستجيب لها.

خامسًا: عالج الانتكاسة ببعض الممارسات التي تعينك على تجاوز فوران الشهوة؛ فإذا بدأت الرغبة والتفكير لديك فاترك المكان فورًا، وأبعد الهاتف، وتوضأ، ثم اخرج من العزلة، وتحرك أو مارس الرياضة، تواصل مع شخص صالح إن احتجت، وإن وقعت، فتب مباشرة ولا تترك الصلاة ولا تستسلم، وإذا وجدت أن الأمر أصبح قهريًا ومتكررًا رغم محاولات جادة، فاستعن بمعالج نفسي موثوق لديه خبرة في السلوكيات القهرية؛ فهذا من الأخذ بالأسباب، ولا يتعارض مع التوكل على الله تعالى.

أخي الكريم، لا تنظر إلى نفسك على أنك شخص فاسد؛ بل انظر إلى نفسك على أنك عبد يجاهد نفسه، وكلما تعثّر عاد إلى ربه تبارك وتعالى، وربما كان أكثر ما يحتاجه قلبك الآن ليس جلد الذات، وإنما بيئة جديدة، وصحبة، وتنظيم للوقت، وإغلاق للأبواب التي تقودك إلى الذنب.

أسأل الله تعالى أن يسترك، ويطهّر قلبك، ويحصّن فرجك، ويقوّي إرادتك، ويصرف عنك وساوس الشيطان، ويعينك على غض بصرك وحفظ نفسك، ويجعل الصلاة أحبّ إليك من كل شهوة، ويرزقك توبة نصوحًا وثباتًا لا انتكاس بعده، وأن يفتح لك أبواب الحلال والسكينة والعافية، آمين.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً