الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تركتُ علاقة حب لله.. لكن قلبي ما زال معلقًا بها

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شاب أحببت فتاة من دولة أخرى، وتعرّفنا إلى بعضنا بعضًا بالصدفة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بطريقة غير منطقية، حتى بالنسبة إلى خوارزميات المواقع نفسها.

استمررنا في الحديث لأكثر من سنة، وخلال هذه الفترة جعلنا الله سببًا في هداية بعضنا بعضًا في نواحٍ كثيرة، مثل الإكثار من الاستماع إلى القرآن الكريم، وتجنب كثير من المعاصي التي اعتدنا عليها.

ثم في ليلة عرفة أو الليلة التي سبقتها، ألهمنا الله التوبة، وبدأت تظهر أمامي مقاطع كثيرة تتحدث عن قول: «من ترك شيئًا لله عوّضه الله خيرًا منه»، وبالفعل بدأنا نقلل الحديث تدريجيًا، ثم بدأنا نحظر بعضنا بعضًا على مواقع التواصل الاجتماعي شيئًا فشيئًا.

لن أكذب، فلم تكن نيتي خالصة لله تمامًا، بل كان فيها أيضًا طمع في العوض من الله، وأمل في أن يعوّضنا الله بعضنا ببعض، وهذا ما بنينا عليه قرار التوبة.

حاليًا، أشعر بالتيه، ولا أعرف ماذا أفعل، فأنا لستُ مرتاحًا للبعد عنها، فقد كنت أعشقها، وكانت نيتي الزواج منها فعلًا، وكنت قد بدأت أركز على دراستي، وأحاول العمل سعيًا وأخذًا بالأسباب، وفي الوقت نفسه، لستُ مرتاحًا للقرب منها؛ لأنني أصبحت أخاف الله، وأخشى أن أعود إلى العلاقة، فيحرمني الله منها أو من خير كان ينتظرني.

وعندما أفكر في الأمر بعقلانية، أشعر أن هذه العلاقة لن تنجح بسبب صعوبة الظروف، وأظل أتساءل عن السبب والحكمة من لقائنا، فهل كان ذلك اختبارًا لنا وقد فشلنا فيه، وهل ما أعانيه الآن من عواقب أفعالنا؟ أم أن الأمر كان مجرد سبب لهدايتنا، خاصة أن هذا الموقف كان سببًا في هدايتنا وتقربنا إلى الله، أملًا في أن يستجيب دعواتنا؟

وفي أوقات أخرى، أحسن الظن بالله، وأقول إن الله هو الذي قدّر لنا اللقاء، وهو الذي قدّر لنا الهداية دون اجتهاد منا، بل إن الأمر ربما بدأ في يوم عرفة، والله قادر على أن يجمعنا مرة أخرى إن شاء.

لكن عدم اليقين هذا يدمرني نفسيًا، ولا أعرف كيف أتعامل معه، فهل أبني حياتي على أنها من نصيبي وأطمئن، أم أبنيها على أن ما حدث كان مجرد درس عابر وانتهى الأمر عند هذا الحد؟

هذا الموضوع يتعبني كثيرًا، فنيتي فعلًا هي الزواج منها، لكنني لا أعرف كيف أمضي قدمًا، ولا في أي اتجاه أسعى.

وفي أوقات كثيرة، أفكر في العودة إليها، وأقول إنني كنت على الأقل أشعر بالراحة، وإن لم تكن من نصيبي، فربما ينتهي الأمر بمشكلة تجعلني أتيقن أن الباب قد أُغلق، وأتخلص من هذه الحيرة، وفي أوقات أخرى، أقول لنفسي: اصبر، فلعل سبب عدم إغلاق هذا الباب هو أنها من نصيبك، لكنني أعود مرة أخرى إلى التفكير في الأمر بعقلانية، فأشعر باليأس من جديد.

وبالمناسبة، ما زلت أُبقي على حساباتها، بنية الأخذ بالأسباب، حتى إذا أذن الله بالزواج، أتمكن من التواصل معها والوصول إلى أهلها.

أعتذر عن الإطالة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ عمر حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بك في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى أن يثبت قلبك، ويعوضك خيرًا، ويكتب لك من هذه القصة خير دينك ودنياك.

أخي الكريم، من الجميل في كلامك أنك لم تجعل الحب ذريعةً للاستمرار في علاقةٍ لا ترضي الله تعالى، بل عندما استيقظ في قلبك خوف الله تعالى حاولت أن تتوقف، كما أنك تريد الزواج فعلًا وتسعى للدراسة والعمل وتحمل المسؤولية؛ وهذه معانٍ طيبةٌ.

أخي الكريم، أظن أن أكثر ما يتعبك الآن ليس الفتاة نفسها فقط، وإنما محاولتك معرفة الغيب: هل كانت من نصيبي؟ لماذا جمعنا الله تعالى؟ هل كانت اختبارًا أم هدايةً؟ وهل عدم إغلاق الباب علامةٌ على الزواج؟

وهذه الأسئلة لن تستطيع أن تصل فيها إلى يقينٍ؛ لأن الغيب عند الله تعالى، قال تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ}، فلا تقل: "لا بد أنها كانت من نصيبي؛ لأن لقاءنا كان عجيبًا"، ولا تقل أيضًا: "بما أنني ابتعدت عنها؛ فلا بد أنها كانت مجرد درسٍ".

قد تكون القصة سببًا في هدايتكما، وقد يكون فيها خيرٌ آخر لم تعرفه بعدُ، وقد تكون انتهت عند هذا الحد؛ أنت لا تعلم، ولا تحتاج إلى أن تعلم الآن، والأهم أن تصحح مفهومك عن التوبة؛ فكونك كنت تتمنى أن يعوضك الله تعالى بها لا يجعل توبتك باطلةً بالضرورة؛ فالإنسان قد يجتمع في قلبه حب الله تعالى، ورجاء ثوابه، ورغبةٌ في شيءٍ مباحٍ.

لكن لا تجعل عبادتك لله تعالى صفقةً: "سأتركها؛ حتى يعيدها الله تعالى إليّ"، بل قل: سأترك ما لا يرضي الله تعالى؛ لأنه يستحق أن أطيعه، فإن كتبها لي بعد ذلك فذلك فضلٌ منه، وإن لم يكتبها؛ فثقتي بالله تعالى لا تتغير.

وحديث: «مَنْ تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ» لا ينبغي أن تفهم العوض فيه على أنه يجب أن يكون نفس الشيء الذي تركته أو الشخص الذي تحبه؛ فقد يكون العوض زوجةً أخرى، أو صلاحًا في دينك، أو راحة قلبٍ، أو مستقبلًا أفضل، أو أجرًا في الآخرة.

أمَّا سؤالك: هل تعود إليها لتُنهي الحيرة؟ فلا أنصحك بذلك، العودة لمجرد اختبار النهاية قد تعيدكما إلى نفس الدائرة التي خرجتما منها، ثم يصبح التعلق أشد، وإذا كان الزواج ممكنًا فعلًا، فليس الحل أن تعودا إلى علاقةٍ عاطفيةٍ طويلةٍ، وإنما أن تنتقل المسألة من "نتكلم وننتظر" إلى طريقٍ رسميٍّ واضحٍ.

وهنا أمامك طريقٌ عمليٌّ:

1. لا تبحث عن علامةٍ في الأحداث الماضية؛ فكون اللقاء كان في يوم عرفة أو بطريقةٍ غريبةٍ لا يعني بالضرورة أنه إشارةٌ إلى الزواج.

2. ابنِ نفسك الآن؛ أكمل دراستك، واسْعَ في عملك، وادخر، وتعلم مسؤوليات الزواج. هذا ليس انتظارًا لها، بل إعدادٌ لحياتك سواء كانت هي زوجتك أم لم تكن.

3. اترك حساباتها كما تركتها، دون مراقبةٍ أو انتظارٍ يوميٍّ، ووجود وسيلةٍ للوصول إليها مستقبلاً، لا يعني أن تعيش معلقًا بها.

4. إذا أصبحت مستعدًا للزواج، ورأيت أن الظروف الواقعية تسمح، فاسأل عن إمكانية التقدم إليها رسميًا والوصول إلى أهلها، عندها تعرف الحقيقة بدل أن تعيش سنواتٍ في التخمين: إما يحصل قبولٌ وتبدآن بالطريق الصحيح، أو لا يحصل، فتغلق الباب باحترامٍ وتمضي.

5. إذا كانت الظروف حاليًا تجعل الزواج غير ممكنٍ، فلا تجعل هذا سببًا لاستمرار التواصل العاطفي، اشتغل على تغيير الظروف التي تستطيع تغييرها، واترك ما لا تستطيع لله تعالى.

وأحب أن أصحح فكرةً تؤلمك: عدم إغلاق الباب ليس دليلًا على أنها من نصيبك، كما أن وجود صعوباتٍ ليس دليلًا على أنها ليست من نصيبك، النصيب يُعرف عندما يقع، لا قبل وقوعه، وقد يكون من حكمة الله تعالى أن جمعكما فانتفع كلٌ منكما بالآخر ثم افترقتما، وقد يجمعكما بعد ذلك بالحلال، وقد لا يجمعكما.

وفي جميع الأحوال لا يلزم أن يكون اللقاء "فشلًا"؛ فقد يكون الإنسان سببًا في خيرٍ عظيمٍ لشخصٍ آخر ثم لا يكون شريك حياته، قال تعالى: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.

لذلك لا تبنِ حياتك على أنها زوجتك، ولا تبنها على أنها لن تكون زوجتك، ابنِ حياتك على أن الله تعالى هو ربك، وأنك ستسعى في الحلال، وما كتبه الله تعالى لك سيأتيك.

وإذا كانت لك فيها قسمةٌ، فلن تحتاج إلى معصيةٍ حتى تصل إليها؛ سيهيئ الله تعالى لك الطريق الحلال في الوقت المناسب، وإن لم تكن لك، فلن تستطيع كثرة التفكير ولا العودة ولا مراقبة الحسابات أن تجعلها نصيبك.

وأنت الآن بحاجةٍ إلى أن تنقل مركز حياتك من سؤال: هل سأحصل عليها؟ إلى سؤال: كيف أصبح الرجل الذي يرضى الله تعالى عنه، سواء تزوجتها أو لم أتزوجها؟ فإذا جاء وقت القدرة والاستعداد، فاسعَ إليها من باب أهلها، واستخِر واستشر، ثم اقبل النتيجة، أمَّا الآن فلا تعذب نفسك بمحاولة فك وتفسير أسرار القدر، فذلك مما اختص المولى تعالى بعلمه.

أسأل الله تعالى أن يثبتك على توبتك، وأن يطهر قلبك من التعلق المؤذي، وأن يرزقك زوجةً صالحةً تقر بها عينك، وإن كانت هذه الفتاة خيرًا لك في دينك ودنياك أن ييسرها لك بالحلال، وإن لم تكن خيرًا لك أن يصرفها عنك ويصرف قلبك عنها، ويعوضك خيرًا منها، ويرضيك بما قسم لك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً