الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تحريم أخذ الأجرة على عملية الضمان والتوسط فيها

السؤال

يوجد لديّ صديق يعمل كوسيط في صفقات يسمّونها تجاريًّا (Monetization of SBLC)، وأرغب في معرفة الحكم الشرعي في أصل هذه المعاملة، وحكم العمولة التي قد يحصل عليها منها.
وصف مختصر للمعاملة:
مرسِل (Provider) يصدر خطاب ضمان بنكي (SBLC) لمدة سنة من بنك قوي، بصيغة تُمكِّن المستفيد من طلب الصرف عند تاريخ الاستحقاق. يتم تعيين مستفيد يُسمّى Monetizer، ويُبرَم بين المرسل والمستفيد عقد جانبي (DOA) مضمونه أن المرسل يرسل SBLC لمدة سنة لصالح المونيتيزر.
المونيتيزر يدفع للمرسل مبلغًا مقطوعًا يعادل تقريبًا 50% من قيمة الضمان، ويسمّون ذلك: “تأجير الضمان لمدة سنة”.
يتعهّد المونيتيزر في عقد الـ DOA بألا يَصرف الضمان، وأن يتركه منتهي الصلاحية أو يعيده كما هو عند انتهاء السنة، مع أن صيغة الـ SBLC البنكية تتيح له نظريًا حقّ الطلب عند الاستحقاق.
المونيتيزر يستفيد من وجود هذا الضمان باسمه عند بنكه، عبر برامج أو تسهيلات يزعم أنها غير ربوية، ثم يدفع من أرباحه المبلغ المتفق عليه للمرسل.
صديقي يقوم بالوساطة بين الطرفين، ويتفق على عمولة (مثلاً نسبة من قيمة الصفقة) إذا تمت.
عندما ناقشته، قلت: هذا الضمان في حقيقته إمّا مغطّى من مال المرسل، أو قائم على تسهيلات من البنك (Credit Line)، فيبدو أنه التزام مالي/ضمان (كفالة) وليس “منفعة عين” تؤجَّر كالعقار أو السيارة.
هو يردّ بأن الـ SBLC ليس مالًا ولا ذمّة مالية، بل “قوّة ضمان” يجوز تأجيرها، وأن نيتهم تأجير هذه القوة فقط، ويستدل بحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، ويقول: لا ننوي قرضًا ولا ربًا، ولا يقع صرف فعلي للضمان، والجميع يستفيد ولا يتضرر أحد.
فما الحكم الشرعي في أصل هذه المعاملة؟ هل يجوز اعتبار الـ SBLC هنا “منفعة تؤجَّر” مقابل نسبة من قيمته، أم إن حقيقته التزام/ذمة مالية لا يجوز جعلها محل أجرة بهذه الصورة، مع العلم أنني قرأت أن بعض قرارات المجامع (كمجمع الفقه وأيوفي) تمنع أخذ الأجر على نفس الضمان (على قيمته ومدته) إلا في حدود المصاريف الفعلية؟ أرجو توضيح انطباق ذلك على هذه الحالة.
وما حكم عمولة الوسيط على ترتيب هذه الصفقة إذا كان أصل المعاملة غير جائز؟
لو كان الجواب بعدم الجواز، وتمّت الصفقة، وقبض الوسيط عمولته، فما حكم هذا المال؟ وهل يجب عليه التخلّص منه، أم يمكنه الاحتفاظ به لحاجته الشديدة (إيجار، دراسة أولاد) مع التوبة وترك تكرار هذه الصفقات مستقبلًا؟
شكرًا لكم.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي، المتعلق بشأن خطاب الضمان: بعد النظر فيما أعد في خطاب الضمان من بحوث ودراسات، وبعد المداولات والمناقشات المستفيضة التي تبين منها...
ثانيًا: إن الكفالة هي عقد تبرع يقصد به الإرفاق والإحسان، وقد قرر الفقهاء عدم جواز أخذ العوض على الكفالة؛ لأنه في حالة أداء الكفيل مبلغ الضمان يشبه القرض الذي جرّ نفعًا على المقروض، وذلك ممنوع شرعاً.
قرر ما يلي:
أولاً: إن خطاب الضمان لا يجوز أخذ الأجر عليه لقاء عملية الضمان -والتي يراعي فيها عادة مبلغ الضمان ومدته- سواء أكان بغطاء أم بدونه
. اهـ.

وجاء نحو ذلك أيضا في المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المراجعة والمحاسبة الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية، وقد سبق نقله في الفتوى: 434737.

وإذا حرم الاعتياض عن الضمان نفسه، فبطريق الأولى ينسحب هذا الحكم على (قوة الضمان)، كما سماه صديق السائل، حتى ولو لم يصرف المسيِّل (المونيتيزر) الضمان، وتركه دون استخدام إلى نهاية مدته.

وإذا حرمت المعاملة، فلا يجوز التوسط في إتمامها ولا أخذ عمولة عليها، لما في ذلك من الإعانة على الإثم، وقد قال تعالى: وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة: 2].

قال ابن بطال في «شرح صحيح البخاري»: المعونة على معاصي الله، وما يكرهه الله، للمعين عليها من الوزر، والإثم مثل ما لعاملها، ولذلك نهى الرسول عن بيع السيوف في الفتنة، ولعن عاصر الخمر، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وكذلك سائر أعمال الفجور. اهـ.

وقال المازري في المعلم بفوائد مسلم: المعونة على ما لا يحل لا تحل، وقال الله تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}، وقد جعل الدال على الخير كفاعله، وهكذا الدال على الشر كفاعله. اهـ. وانظر الفتوى: 411019.

والقاعدة: أن ما حرم فعله، حرمت أجرته وثمنه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله عزّ وجلّ إذا حرم أكل شيء، حرم ثمنه. رواه أحمد، وأبو داود، وصححه الألباني.

قال ابن عقيل في «كتاب الفنون»: لا شك أن من مذهب أحمد تحريم عوض كل محرم ...
واستدل في تحريم عوض الحرام بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لعن الله اليهود! حرمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها، إن الله إذا حرّم شيئًا حرم ثمنه
. اهـ.

وقال القرافي في الذخيرة: المنافع المحرمة لا تقابل بالأعواض. اهـ.

وقال ابن رشد في «بداية المجتهد»: أما المنفعة: فينبغي أن تكون من جنس ما لم ينه الشرع عنه، وفي كل هذه مسائل اتفقوا عليها واختلفوا فيها، فما اجتمعوا على إبطال إجارته: كل منفعة كانت لشيء محرم العين، كذلك كل منفعة كانت محرمة بالشرع. اهـ.

وعلى ذلك؛ فهذه العمولة لا تحل لآخذها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى): ما في الوجود من الأموال المغصوبة والمقبوضة بعقود لا تباح بالقبض، إن عرفه المسلم اجتنبه. اهـ.

وعليه أن يتخلص منها بإنفاقها في أبواب الخير، أو إعطائها للفقراء والمساكين، وإن كان هو فقيرًا، ولا يجد غيرها لنفقته اللازمة، جاز له عندئذ أن يأخذ ما يكفي حاجته منها؛ أسوة ببقية الفقراء، وراجع في ذلك الفتاوى: 66661، 41720، 55328.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني