السؤال
أسأل عن قسمة التراضي للتركة. معلوم أن هناك إجماعًا على جوازها ما دام الورثة راضين بذلك، ولم يكن هناك ظلم أو جور أو تعدٍّ، والورثة بالغون راشدون.
غير أن الآيات التي في سورة النساء الخاصة بوصية الله في التركة ختمها الله سبحانه بقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، وأيضًا نجد قوله سبحانه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، وأيضًا قول الله سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.
فالأمر فعلًا جلل وخطير، وقسمة التراضي ظاهرها مخالف لهذه النصوص.
فهل هناك أدلة صريحة صحيحة على جواز قسمة التراضي؟ لأن قلبي لا أجده مطمئنًا لهذا الأمر. وهل إذا أمضينا (عائلتي) هذه القسمة في حالة عدم جوازها، كيف بعد ذلك التوبة منها؟ وهل هذا (يعني في حالة عدم جوازها) يدخل في شرك الطاعة (طاعة العلماء في أمر ليس عليه دليل قطعي وظاهره مخالف للنص) انطلاقًا من الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾؟
أرجو أن تفيدونا بفتوى يكون فيها الشفاء؛ لأن الأمر جلل في نفسي.
جزاكم الله خير الجزاء.
الإجابــة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فمن المعلوم أن البالغ الرشيد له التصرف في ماله بما يشاء، مما أذن الله تعالى فيه، ولا يحتاج هذا إلى دليل.
وقسمة التراضي هي من جملة تصرف الملاك في أملاكهم، وما هي إلا أداة ووسيلة من وسائل تحقيق القسمة، وتوزيع التركة حسب الأنصبة والسهام المذكورة في الشرع، وهي من باب البيع والمقايضة، ولذلك لا يجبر عليها من أباها من الشركاء، وإنما تكون عن تراض تام من الشركاء.
قال الباجي في المنتقى، وهو من أئمة المالكية: وأما قسمة المراضاة بغير تقويم ولا تعديل، فهو أن يتراضى الشركاء على أن يأخذ كل واحد منهم ما عُين له، ويتراضوا به من غير تقويم ولا تعديل، فهذه القسمة أيضاً تجوز في المختلف من الأجناس ... وهذا الضرب أقرب إلى أنه بيع من البيوع. انتهى.
وقال الإمام زكريا الأنصاري في أسنى المطالب، وهو من أئمة الشافعية: (وتصح) القسمة (من الشركاء) بأنفسهم ومنصوبهم (بالتراضي)؛ لأن الحق لهم. انتهى.
وليست معارضة لقسمة الله تعالى للتركة، أو مجاوزة لحدوده، أو داخلة في الحكم بغير ما أنزل الله، أو تقليدًا للأحبار والرهبان -كما ألمح السائل-، كما أن الآية الكريمة: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ... وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ .. واردة فيمن لا يؤمنون بقسمة المواريث الإلهية، ولا يذعنون لها، فلا يورثون من ورثهم القرآن من النساء والصبيان.
فقد ذكر ابن أبي حاتم في تفسيره عن سعيد بن جبير، وابن جريج، وابن عباس، فقال سعيد بن جبير: ومن يعص الله ورسوله يعني: ومن يكفر بقسمة المواريث، وهم المنافقون، كانوا لا يَعُدُّونَ بأن للنساء والصبيان الصغار من الميراث نصيبًا..
وعن ابن جريج: ومن يعص الله ورسوله، قال: من لا يؤمن بالله...
وعن ابن عباس قوله: ويتعد حدوده يعني: من لم يرض بقسم الله، وتعدى ما قال. انتهى.
أما قسمة التراضي فهي تصرف من الوارث في نصيبه المقدر له شرعًا، مقابل تصرف الوارث الآخر في نصيبه، فأين هذا من الكفر بقسمة الرحمن وعدم الرضا بها؟
والله أعلم.