وجعل لكم سرابيل جمع سربال وهو كل ما يلبس أي جعل لكم لباسا من القطن والكتان والصوف وغيرها تقيكم الحر خصه بالذكر كما قال اكتفاء بذكر أحد الضدين عن الآخر أعني البرد، ولم يخص هو بالذكر اكتفاء لأن وقاية الحر أهم عندهم لما مر آنفا. المبرد
وقال بعضهم: من الرأس خص الحر بالذكر لأن وقايته أهم. وتعقب دعوى الأهمية بأنه يبعدها ذكر وقاية البرد سابقا في قوله تعالى: لكم فيها دفء ثم قيل: وهذا وجه الاقتصار على الحر هنا لتقدم ذكر خلافه ثمت.
واعترض بأنا لا نسلم أن إثبات الدفء هناك يبعد دعوى الأهمية بل في تغاير الأسلوبين ما يشعر بهذه الأهمية، وقال : خص الحر بالذكر لأن ما يقي من الحر يقي من البرد، وذكر ذلك الزجاج بعد ذكر الأهمية، وقال في الكشف: هو الوجه، وتخصيص الحر بالذكر لما قدمه في الوجه الأول يعني الأهمية، وما قيل: من أولوية الأول لقوله تعالى: الزمخشري مما خلق ظلالا فليس بشيء لأنه تعالى عقبه بقوله سبحانه من الجبال أكنانا كيف وهو في مقام الاستيعاب اه، وصاحب القيل هو ابن المنير ، وقد اعترض أيضا على قوله: إن ما يقي من الحر يقي من البرد بأنه خلاف المعروف فإن المعروف أن وقاية الحر رقيق القمصان ورفيعها ووقاية البرد ضده ولو لبس الإنسان في كل واحد من الفصلين القيظ والشتاء لباس الآخر لعد من الثقلاء اه فتدبر.
وسرابيل من الجواشن والدروع تقيكم بأسكم أي البأس الذي يصل من بعضكم إلى بعض في الحروب من الضرب والطعن، وقال بعضهم: أصل البأس الشدة وأريد به هنا الحرب، والكلام على حذف مضاف أي أذى بأسكم، وعلى الأول لا حاجة إليه وقد رجح لذلك كذلك أي مثل ذلك الإتمام للنعمة في الماضي يتم نعمته عليكم في المستقبل، ومن هنا قيل:
كما أحسن الله فيما مضى كذلك يحسن فيما بقي
أو مثل هذا الإتمام البالغ يتم نعمته عليكم، وإفراد النعمة إما لأن المراد بها المصدر أو لإظهار أن ذلك بالنسبة إلى جناب الكبرياء شيء قليل. وقرأ «تتم» بتاء مفتوحة و «نعمته» الرفع على الفاعلية وإسناد التمام إليها على الاتساع، وعنه أيضا رضي الله تعالى عنه «نعمه» بصيغة الجمع ابن عباس لعلكم تسلمون أي إرادة أن تنظروا فيما أسبغ عليكم من النعم فتعرفوا حق منعمها فتؤمنوا به تعالى وحده وتذروا ما كنتم به تشركون على أن الإسلام بمعناه المعروف أي رديف الإيمان، ويجوز أن يكون بمعناه اللغوي وهو الاستسلام والانقياد أي لعلكم تستسلمون له سبحانه وتنقادون لأمره عز وجل، وأيا ما كان فهو موضوع موضع سببه كما أشير إليه أو مكنى به عنه.
[ ص: 206 ] وقرأ رضي الله تعالى عنهما «تسلمون» بفتح التاء واللام من السلامة أي تشكرون فتسلمون من العذاب أو تنظرون فيها فتسلمون من الشرك، وقيل: تسلمون من الجراح بلبس تلك السرابيل، ولا بأس أن يفسر ذلك بالسلامة من الآفات مطلقا ليشمل آفة الحر والبرد، والأقرب إلى معنى قراءة الجمهور التفسير الثاني. ابن عباس
هذا وفي بعض الآثار أن أعرابيا سمع قوله تعالى: والله جعل لكم من بيوتكم سكنا إلى آخر الآيتين فقال عند كل نعمة: اللهم نعم فلما سمع قوله سبحانه: لعلكم تسلمون اللهم هذا فلا فنزلت