الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        السبب السادس : إلقاء الجبيرة . وهي تكون لكسر ، أو انخلاع . وتارة يحتاج إلى الجبيرة على الكسر أو الانخلاع ، وتارة لا يحتاج ، ويعتبر في الحاجة ما تقدم في المرض .

                                                                                                                                                                        فالحالة الأولى : إذا احتاج ، ووضع الجبيرة ، فإما أن يقدر على نزعها عند الطهارة من غير ضرر من الأمور المتقدمة في المرض ، وإما أن لا يقدر ، فإن لم يقدر ، لم يكلف النزع . ويراعي في طهارته أمورا .

                                                                                                                                                                        الأول : غسل الصحيح . وهو واجب على المذهب . وقيل : قولان . فعلى المذهب : يجب غسل ما يمكن حتى ما تحت أطراف الجبيرة من الصحيح ، بأن يضع خرقة مبلولة عليها ، ويعصرها لتغسل تلك المواضع بالمتقاطر .

                                                                                                                                                                        الثاني : مسح الجبيرة بالماء ، وهو واجب على الصحيح المشهور . وحكي قول ووجه : أنه لا يجب ، بل يكفي الغسل مع التيمم . فعلى الصحيح : إن كان جنبا ، مسح متى شاء ، وإن كان محدثا ، مسح إذا وصل إلى غسل العضو [ ص: 105 ] الذي عليه الجبيرة . ويجب استيعاب الجبيرة بالمسح على الأصح ، كالوجه في التيمم . وعلى الثاني : يكفي ما يقع عليه الاسم : كمسح الرأس ، والخف ، ولا تتقدر مدة المسح على الصحيح . وعلى الثاني : تتقدر ثلاثة أيام للمسافر ، وبيوم وليلة للحاضر . والخلاف فيما إذا تأتى النزع بعد المدة المقدرة بلا ضرر . فإن حصل ضرر ، لم يجب قطعا . وإن تأتى في كل طهارة ، وجب النزع قطعا .

                                                                                                                                                                        الثالث : التيمم في الوجه واليدين . ففيه طريقان . أصحهما : على قولين . أظهرهما : يجب . والثاني : لا . والطريق الثاني : إن كان ما تحت الجبيرة عليلا ، بحيث لا يجب غسله لو ظهر ، لم يجب التيمم ، وإلا وجب . وإذا وجب ، فلو كانت الجبيرة على موضع التيمم ، لم يجب مسحها بالتراب على الأصح . ثم إن كان جنبا ، فالأصح أنه مخير ، إن شاء قدم غسل الصحيح على التيمم ، وإن شاء أخره . وعلى الثاني : يتعين تقديم الغسل . وإن كان محدثا ، فثلاثة أوجه . هذان الوجهان في الجنب . والثالث : وهو الأصح ، أنه لا ينتقل من عضو حتى يتم طهارته . فعلى هذا ، إن كانت الجبيرة على الوجه ، وجب تقديم التيمم على غسل اليدين . فإن شاء غسل صحيح الوجه ، ثم تيمم عن عليله ، وإن شاء عكس . وإن كانت على اليدين ، وجب تقديم التيمم على مسح الرأس ، وتأخيره عن غسل الوجه . ولو كان على عضوين أو ثلاثة جبائر ، تعدد التيمم . فإن كانت على الوجه جبيرة ، وعلى اليد جبيرة ، غسل صحيح الوجه ، وتيمم عن عليله . ثم اليد كذلك . وعلى الوجه الأول والثاني ، يكفي تيمم واحد وإن تعددت الجبائر .

                                                                                                                                                                        قلت : ولو عمت الجراحات أعضاءه الأربعة . قال القاضي أبو الطيب والأصحاب : يكفيه تيمم واحد عن الجميع ، لأنه سقط الترتيب لسقوط الغسل . قالوا : ولو عمت الرأس ، ولم تعم الأعضاء الثلاثة ، وجب غسل صحيح الأعضاء ، وأربع تيممات على ما ذكرنا . قال صاحب ( البحر ) : فإذا تيمم في هذه الصورة [ ص: 106 ] أربع تيممات ، وصلى ، ثم حضرت فريضة أخرى ، أعاد التيممات الأربعة ، فلا يلزمه غسل صحيح الوجه ، ويعيد ما بعده . وهذا الذي ذكره في الغسل ، فيه خلاف سيأتي قريبا ، إن شاء الله تعالى .

                                                                                                                                                                        قال صاحب ( البيان ) : وإذا كانت الجراحة في يديه ، استحب أن تجعل كل يد كعضو ، فيغسل وجهه ، ثم صحيح اليمنى ، وتيمم عن جريحها ، ثم يطهر اليسرى غسلا وتيمما ، وكذا الرجلان . وهذا حسن ، لأن تقديم اليمنى سنة ، فإذا اقتصر على تيمم ، فقد طهرهما دفعة . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        ثم ما ذكرناه الأمور الثلاثة ، إنما يكفي بشرطين . أحدهما : أن لا يأخذ تحت الجبيرة من الصحيح ، إلا ما لا بد منه للاستمساك . والثاني : أن يضعها على طهر . وفي وجه : لا يشترط الوضع على طهر ، والصحيح اشتراطه . فيجب النزع ، واستئناف الوضع على طهر إن أمكن ، وإلا فيترك ، ويجب القضاء بعد البرء على المذهب ، بخلاف الوضع على طهر على الأظهر ، هذا كله إذا لم يقدر على نزع الجبيرة عند الطهر ، فإن قدر بلا ضرر ، وجب النزع ، وغسل الصحيح إن أمكن ، ومسحه بالتيمم إن كان في موضع التيمم ولم يمكن غسله .

                                                                                                                                                                        الحالة الثانية : أن لا يحتاج إلى الجبيرة ، ويخاف من إيصال الماء ، فيغسل الصحيح بقدر الإمكان ، ويتلطف بوضع خرقة مبلولة ، ويتحامل عليها ، ليغسل بالمتقاطر باقي الصحيح . ويلزمه ذلك بنفسه ، أو بأجرة ، كالأقطع . وفي افتقاره إلى التيمم الخلاف السابق في الحالة الأولى . ولا يجب مسح موضع العلة بالماء وإن كان لا يخاف منه . كذا قاله الأصحاب . وللشافعي - رضي الله عنه - نص سياقه يقتضي الوجوب . وإذا أوجبنا التيمم ، والعلة في محل التيمم ، أمر التراب عليه . وكذا لو كان للجراحة أفواه منفتحة ، وأمكن إمرار التراب عليها ، وجب .

                                                                                                                                                                        قلت : هذا الذي ذكره الرافعي من ثبوت خلاف في وجوب التيمم غلط . [ ص: 107 ] ولم أره لأحد من أصحابنا ، فكأنه اشتبه عليه . فالصواب : الجزم بوجوب التيمم في هذه الصورة ، لئلا يبقى موضع الكسر بلا طهارة . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية