الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              2151 [ ص: 53 ] 10 - باب: الإجارة من العصر إلى الليل

                                                                                                                                                                                                                              2271 - حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا يوما إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا له إلى نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا، وما عملنا باطل، فقال لهم: لا تفعلوا، أكملوا بقية عملكم، وخذوا أجركم كاملا، فأبوا وتركوا، واستأجر أجيرين بعدهم فقال لهما: أكملا بقية يومكما هذا، ولكما الذي شرطت لهم من الأجر. فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالا: لك ما عملنا باطل، ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه. فقال لهما: أكملا بقية عملكما، فإن ما بقي من النهار شيء يسير. فأبيا، واستأجر قوما أن يعملوا له بقية يومهم، فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس، واستكملوا أجر الفريقين كليهما، فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور". [انظر: 558 - فتح: 4 \ 447]

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              وساق فيه حديث أبي موسى مثله: وراجع ذلك من ثم.

                                                                                                                                                                                                                              ولنذكر هنا بعض فوائد لطول العهد به فنقول:

                                                                                                                                                                                                                              فيه: ذكر الإجارة الصحيحة بالأجر المعلوم إلى الوقت المعلوم، ولولا جوازه ما ضرب به الشارع المثل.

                                                                                                                                                                                                                              وقال المهلب : إنما هو مثل ضربه الشارع لمن خلق لعبادته، فشرع له دين موسى؛ ليعملوا الدهر كله بما يأمرهم به وينهاهم عنه، فعملوا إلى بعث عيسى، فأمرهم باتباعه، فأبوا وتبرءوا مما جاء به عيسى، وعمل آخرون به على أن يعملوا باقي الدهر بما يؤمرون به وينهون عنه، فعملوا حتى بعث الله نبينا، فدعاهم إلى العمل بما جاء فعصوا وأبوا وقطعوا العمل، فعمل المسلمون بما جاء به، ويعملون به إلى يوم [ ص: 54 ] القيامة، فلهم أجر عمل الدهر كله؛ لأنهم أتموه بالعبادة كإتمام النهار الذي كان استؤجر عليه كله أول طبقة.

                                                                                                                                                                                                                              وقوله: ("من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار") قدر لهم مدة إعمال اليهود، ولهم أجرهم عليه إلى أن نسخ الله شريعتهم بعيسى، ثم قدر عمل مدة هذا الشرع، وله أجر قيراط، فعملت إلى أن نسخ نبينا، فتفضل على المسلمين فقال: "من يعمل بقية النهار إلى الليل، وله قيراطان" فقال المسلمون: نحن نعمل إلى انقطاع الدهر بشريعة محمد، فهذا الحديث وجه العمل بمدد الشرائع، والحديث الثاني وجه العمل الدهر كله.

                                                                                                                                                                                                                              وبقي أن من عمل [من] اليهود إلى أن نسخ دين موسى، ثم انتقل وآمن بعيسى، وعمل بشريعته أن له أجره مرتين، وكذلك من عمل من النصارى بدين عيسى مدة شرعه، ثم آمن بمحمد وعمل بشريعته كان له أجره مرتين كما أن للمسلمين أجرهم مرتين، يعني: كأجر اليهود والنصارى قبلهم؛ لأنهم أعطوا قيراطين على أجر النهار، كما أعطي اليهود والنصارى قيراطين على أكثره، وإنما ذلك من أجل إيمان المسلمين بموسى وعيسى، وإن لم يعملوا بشريعتهما؛ لأن التصديق عمل.

                                                                                                                                                                                                                              (فإن قلت): فما معنى قول اليهود والنصارى: "نحن أكثر عملا وأقل عطاء"، وبين نصف النهار إلى العصر ثلاث ساعات، كما بين العصر إلى الغروب، وإنما كان يكون معنى الحديث ظاهرا لو قال ذلك اليهود خاصة؛ لأنهم عملوا نصف النهار على قيراط، وذلك ست ساعات، [ ص: 55 ] وعملت النصارى ثلاثا على قيراط.

                                                                                                                                                                                                                              قلت: فيه أجوبة:

                                                                                                                                                                                                                              أحدها: أن يكون قوله: "نحن أكثر عملا وأقل عطاء" من قول اليهود خاصة، ويكون من قول النصارى: "نحن أقل عطاء"، وإن كانوا متقاربين مع المسلمين في العمل، فيكون الحديث على العموم في اليهود، وعلى الخصوص في النصارى.

                                                                                                                                                                                                                              وقد يأتي في الكلام إخبار عن جملة، والمراد بعضها، كقوله تعالى: يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان [الرحمن: 22] وإنما يخرج من الملح خاصة، ومثله: فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما [الكهف: 61]، والناسي كان يوشع وحده، يدل على ذلك قوله لموسى: فإني نسيت الحوت [الكهف: 63]

                                                                                                                                                                                                                              ثانيهما: أنه عام فيهما على أن كل طائفة منهما أكثر عملا وأقل عطاء، فعملت النصارى إلى صلاة العصر، وليس فيه أنه إلى أول وقته، فنحمله على أنها عملت إلى آخر وقته، قاله ابن القصار.

                                                                                                                                                                                                                              ثالثها: أن نصف النهار وقت الزوال، وهو في آخر السادسة، والعصر في أول العاشرة، بعد مضي شيء يسير منها، فزادت المدة التي بين الظهر إلى العصر على المدة التي بين العصر إلى الليل بمقدار ما بين آخر الساعة التاسعة وأول العاشرة، وإن كان ذلك القدر لا يتبينه كثير من الناس، وهي زيادة معلومة بالعمل.

                                                                                                                                                                                                                              واستدل به أبو حنيفة على أن آخر وقت الظهر يمتد إلى مصير الظل مثليه؛ لأنه جعل زمننا قدر ما بين العصر إلى الغروب، وهو أقل من الربع؛ لأنه لم يبق من الدين ربع الزمان، وقد قال - عليه السلام -: "بعثت أنا [ ص: 56 ] والساعة كهاتين" وأشار بالسبابة والوسطى، والتفاوت بينهما أقل من الربع، وأيضا فقد عملت النصارى الربع، وكانوا أكثر عملا، فاقتضى أن يكون ذلك أكثر زمنا؛ لأن كثرة العمل تقتضي طول الزمن.

                                                                                                                                                                                                                              وأجاب أصحابنا بأن الحديث إنما قصد به بيان ذكر الأعمال لا الأوقات، وحديث الوقتين قصد به بيان الأوقات، وما قصد به بيان الحكم مقدم، وأيضا فالمراد: أن هذه الأمة تلي قيام الساعة، ولا نبي بعد نبيها، فهي تليها كما تلي صلاة العصر الغروب، وكما تلي السبابة الوسطى، ولم يرد بيان ما بقي من الدنيا؛ لأن الله تعالى قد استأثر بعلم ذلك، وما بين السبابة والوسطى نصف سبع.

                                                                                                                                                                                                                              وقوله في حديث أبي موسى: ("قالوا لك: ما عملنا باطل") هو في حق من بدل، وحديث ابن عمر فيمن لم يبدل.

                                                                                                                                                                                                                              وقوله: ("فغضبت اليهود والنصارى") يعني: كفارهم؛ لأن مؤمنهم لا يغضب من حكم الله.

                                                                                                                                                                                                                              قال الداودي : وحديث أبي موسى أبين وأوضح في المعنى.

                                                                                                                                                                                                                              وقوله: ("إنما مثلكم واليهود والنصارى") كذا هو بالعطف على المضمر المخفوض بغير إعادة.

                                                                                                                                                                                                                              وقوله: ("واستكملوا أجر الفريقين كلاهما"). قال ابن التين : صوابه كليهما؛ لأنه تأكيد لمجرور.




                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية