الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
( القسم الرابع ) من صفات الله تعالى الصفات الفعلية كقوله وخلق الله ورزق الله وعطاء الله وإحسان الله ونحو ذلك مما يصدر عن قدرة الله تعالى فالحلف بهذه الصفات منهي عنه ولا يوجب كفارة إذا حنث وهاهنا خمس مسائل ( المسألة الأولى ) قال ابن يونس قال أصحابنا : " معاد الله ليست يمينا إلا أن يريد اليمين " وقيل : معاد الله وحاشا الله ليستا بيمين مطلقا لأن المعاد من العود ومحاشاة الله تعالى التبرئة إليه فهما فعلان محدثان يريد إلا أن يريد اليمين وقيل إن لفظ معاد الله كناية يحتمل أن يريد بها ذات الله تعالى وصفاته العلى فإن معادا من العود وهو اسم مكان العود والله تعالى يعود إليه الأمر كله كقوله تعالى { وإليه يرجع الأمر كله } فإطلاق لفظ المكان على الله تعالى من المعاد والمرجع مجاز والمجاز يفتقر إلى نية فهي كناية إذا أريد بها المجاز كان حلفا بقديم وهو وجود الله تعالى وإن لم تكن له نية كان منصرفا لحقيقته وهو المعاد الحقيقي فيكون حلفا بمحدث فلا يلزم به شيء ثم إذا أراد به الحلف فلا يخلو إما أن ينصبه أو يرفعه أو يخفضه .

فإن نصبه كان التقدير ألزم نفسي معاد الله ويكون الإلزام هاهنا إلزاما حقيقيا لموجب اليمين وهو الكفارة ولا بد في ذلك من نية أو عرف كما تقدم في قوله [ ص: 47 ] علي عهد الله وكفالة الله ونحوه فلا بد من هاتين النيتين وأما إن رفع فتقديره معاد الله قسمي فيكون جملة اسمية خبرية استعملت في الإنشاء للقسم بها إما بالنية أو بالعرف الموجب لنقل الخبر من أصله اللغوي إلى الإنشاء وإن لم ينو لم يلزم به شيء فإن كل قسم لا بد فيه من الإنشاء فمتى عدم الإنشاء لم يكن قسما لأن الخبر بما هو خبر لا يوجب كفارة ولا هو قسم وكذلك إذا قلت أقسم بالله لقد قام زيد هو جملة إنشائية ولذلك لا تحتمل التصديق والتكذيب وإن خفض كان على حذف حرف الجر من القسم كقولهم الله بالخفض ولا بد أيضا من نية الإنشاء أو عرف يقتضي ذلك .

وأما حاشا لله فمعناه براءة لله أي براءة منا لله ويحتمل هذا أيضا أن يكون كناية وأن يراد به الكلام القديم وتصح إضافته إليه تعالى باللام فإن الله تعالى ينزه نفسه بكلامه النفساني وذلك التبرؤ قديم وهو لله تعالى فتمكن إضافته إليه تعالى باللام فإن وجدت نية لذلك رتبة أخرى في القسم به أو عرف يقوم مقامها وجبت الكفارة وإن لم يوجب ذلك لم تجب الكفارة فهو كناية كما مر في مثل معاد الله مع أن أبي يونس لم ينقل إيجاب الكفارة مع النية إلا في معاد الله خاصة : المسألة الثانية هاهنا ألفاظ اختلف في مدلولها هل هو قديم فيجوز الحلف به وتلزم به الكفارة أو هو محدث فلا يجوز الحلف به ولا تلزم به الكفارة تخريجا على قواعدهم وهذه الألفاظ هي غضب الله ورحمته ورضاه ومحبته ومقته كقوله تعالى { كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } وكذلك بغضه في قوله عليه الصلاة والسلام { أبغض المباح إلى الله الطلاق وإن الله ليبغض الحبر السمين } وكذلك رأفته في قوله تعالى { لرءوف رحيم } ونحو ذلك من هذه الألفاظ التي حقائقها لا تتصور إلا في البشر والأمزجة والمخلوقات ولما استحالت حقائقها على الله تعالى وتعين حملها على المجاز فاختلف العلماء في المجاز المراد بها [ ص: 48 ]

فقال الشيخ أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه المراد بهذه الأمور إرادة الإحسان لمن وصف بذلك من الخلق في صفة الرحمة ونحوها وإرادة العقوبة لمن وصف بذلك من الخلق في لفظ الغضب ونحوه وقال القاضي أبو بكر الباقلاني رضي الله عنه المراد بذلك أن الله تعالى يعاملهم معاملة الراحم والغضبان فيكون المراد في الأول الإحسان نفسه وفي الثاني العقاب نفسه فغضب الله تعالى عند الشيخ إرادته العقاب وعند القاضي العقاب وكذلك الرحمة هل هي إرادة الإحسان أو الإحسان نفسه ورضاه تعالى إرادة الإحسان أو يعاملهم معاملة الراضي فيحسن إليهم أي يفعل بهم ذلك ومحبته إرادة الإحسان في قوله تعالى { يحبهم ويحبونه } والإحسان نفسه وكذلك بقية هذه الألفاظ تتخرج على هذين المذهبين وقد ورد الرضى بمعنى ثالث يرجع إلى الكلام القديم كقوله تعالى { ولا يرضى لعباده الكفر } أي لا يشرعه دينا للعباد وشرعه تعالى كلامه القديم وفي القرآن مواضع يتعين فيها مذهب الشيخ ومواضع يتعين فيها مذهب القاضي ومواضع تحتمل المذهبين فالأول كقوله تعالى { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما } فهذا ظاهر في الإرادة لأن الوسع عبارة عن عموم التعلق ويدل على ذلك أيضا اقترانها بالعلم وإن وسع الرحمة [ ص: 49 ] كوسع العلم وهذا ظاهر في الإرادة .

وأما ما يتعين فيه مذهب القاضي فقوله تعالى { هذا رحمة من ربي } إشارة إلى السد وهو إحسان من الله تعالى لا إرادة الله تعالى القديمة وأما ما يحتمل الأمرين فقوله تعالى { الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم } يحتمل في الرحمن الرحيم أنه يريد الإحسان أو الإحسان نفسه يحتمل المذهبين لعدم القرينة ومذهب الشيخ أقرب من مذهب القاضي رضي الله عنهما وسبب ذلك أن الرحمة التي وضع اللفظ بإزائها وهو حقيقة فيها هي رقة الطبع .

وإذا رق طبعك على إنسان فإن هذه الرقة في القلب يلزمها أمران أحدهما إرادة الإحسان إليه والثاني الإحسان نفسه فهما لازمان للرقة التي هي حقيقة اللفظ والتعبير بلفظ اللزوم عن اللازم مجاز عرفي شائع فلذلك تجوز العلماء إليها غير أن إرادة الإحسان ألزم للرقة فإن كل من رحمته وأحسنت إليه فقد أردت الإحسان إليه وقد تريد الإحسان وتقصر قدرتك عن الإحسان إليه فالإرادة أكثر لزوما للرقة وإذا قويت العلاقة كان مجازها أرجح فمجاز الشيخ أرجح لأنه الإرادة فإن قلنا بمذهب الشيخ كانت هذه الأمور قديمة يجوز الحلف بها ويلزم بها الكفارة أو على مذهب القاضي كانت محدثة لا يلزم بها كفارة وينهى عن الحلف بها ( المسألة الثالثة ) قال ابن يونس الحالف برضى الله تعالى ورحمته وسخطه عليه كفارة واحدة يعني لأنه كرر الحلف بصفة واحدة وهي الإرادة فتجب كفارة واحدة وهذا يدل على أن الفتيا بطريقة الشيخ أبي الحسن في حمل هذه الأمور على الإرادة وأنه إذا جمع بين عشرة أو أكثر من هذه الأمور لا تجب إلا كفارة واحدة بخلاف قوله وعلم الله وقدرة الله وإرادة الله وعزة الله فإنه يختلف فيه هل تتعدد عليه الكفارة لتغاير الصفات المحلوف بها أو تتحد الكفارة بناء على أن قاعدة الأيمان التأكيد حتى يريد الإنشاء بخلاف تكرير الطلاق الأصل فيه الإنشاء حتى يريد التأكيد أو قاعدة الجميع الإنشاء حتى يريد التأكيد وهذا هو الأنظر والأول هو المشهور في المذهب [ ص: 50 ] واعلم أن الفتيا بإلزام الكفارة في هذه الألفاظ على ما يقله ابن يونس إن لم يقيد بأنه نوى إرادة الله تعالى فهو مشكل فإن اللفظ حقيقة في أمور محدثة لا توجب كفارة .

وإنما حملت على هذه الإرادة القديمة مجازا ولم تشتهر في الإرادة حتى صارت حقيقة عرفية في الإرادة بل مجاز خفي دل الدليل عند الشيخ أبي الحسن على أنه المراد باللفظ والقاعدة أن الألفاظ لا تنصرف لمجازاتها الخفية إلا بالنية وأن اللفظ لا يزال منصرفا إلى الحقيقة اللغوية دون مجازه المرجوح حتى تصرفه نية المجاز المرجوح فإلزام الكفارة بمجرد هذه الألفاظ من غير نية خلاف القواعد بل ينبغي أن يقال إن أراد بهذه الألفاظ صفة قديمة لزمته الكفارة وإلا فلا ( المسألة الرابعة ) إذا قيل لك رحمة الله وغضبه قائمان بذاته أم لا وهل هما واجبا الوجود أم لا وهل كانا في الأزل أم لا ونحو ذلك من الأسئلة فخرج جوابك في جميع هذه الأسئلة في جميع هذه الألفاظ على مذهب الشيخ أبي الحسن وعلى مذهب القاضي فعلى مذهب الشيخ تقول قائمان بذاته واجبا الوجود أزليان صفتان لله تعالى وعلى مذهب القاضي تقول ليسا قائمين بذاته بل ممكنان مخلوقان حادثان ليسا بأزليين .

وكذلك جميع ما يرد من هذه الأسئلة في جميع هذه الألفاظ ( المسألة الخامسة ) مقتضى ما قاله مالك رحمه الله في قوله علي ميثاق الله وكفالته أنه يوجب الكفارة أنه إذا قال هاهنا علي رزق الله أو خلقه أن تجب عليه الكفارة [ ص: 51 ] فإن المدرك هناك إن كان هو أن العرف نقلها لنذر الكفارة في زمانه رضي الله عنه فصار النطق بهذه العبارة نذرا للكفارة فتلزمه بالنذر لا بالحلف لأنه هو مقتضى لفظ علي فإنها لا تستعمل إلا في النذر ونحوه وليست من حروف القسم إجماعا بل من حروف اللزوم والنذر كقوله لله علي صوم يوم وصدقة دينار ونحو ذلك فكذلك يلزمه هنا إذا وجد عرف في رزق الله وخلقه وأنه صار قوله علي رزق الله أنه نذر أن يتصدق بشيء من رزق الله تعالى أو ببعض خلقه من نبات أو جماد أو حيوان مما يسوغ التصدق به كالبقرة والغنم ونحوهما وأن يسوي بين المسألتين إن وجد في العرف الموجب لنقلهما للنذر لزم وإن لم يوجد العرف الناقل للنذر لم يلزم وكذلك إذا وجد عرف يوجب النقل لنذر غير الكفارة يجب ذلك المعنى الذي نقل العرف اللفظ إليه فيجب ولا تجب الكفارة بل يدور مع العرف كيفما دار وإن كان المدرك النية فتصح أيضا في خلق الله تعالى ورزقه أن ينوي بهما إرادة الخلق وإرادة الرزق الإرادة القديمة فتجب الكفارة إن كان نوى الحلف أو النذر إن كان نوى بعض المندوبات من الأفعال .

وعلى كل تقدير فالمسألتان سواء واعلم أنه إذا كان المدرك العرف الناقل فلا بد من النقل في لفظة علي إلى القسم فتكون بمعنى الباء والواو وحروف القسم [ ص: 52 ] فتجب الكفارة وتكون يمينا أو يقع النقل في أمانة الله وميثاقه ويكون قد عبر بهما عما يلزمه بسبب الحنث فيهما وهو الكفارة فيكون نذرا للكفارة بلفظ الموجب لها نقلا عرفيا ويكون مجازا رابحا من باب التعبير بالسبب عن المسبب فإن الكفارة مسببة على الحلف بهذه الألفاظ فلا بد من أحد هذين النقلين فيما قاله مالك في قوله علي عهد الله وميثاقه ومتى فقد النقل فلا بد من النية الصارفة للنذر أو الحلف بالصفة القديمة واستعمال علي مجاز ومتى فقد العرف والنية تعين أن لا يجب بجميع هذه الألفاظ شيء ألبتة كما لو قال علي علم الله وعلي سمع الله وبصره فإن هذه الألفاظ لا توجب شيئا إلا بالنية ونقل عرفي ولعل الإمام حمل ذلك على ذلك فتأمل .

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

قال ( القسم الرابع من صفات الله تعالى الصفات الفعلية كقوله وخلق الله ورزق الله وعطاء الله وإحسان الله ونحو ذلك إلى قوله وهاهنا خمس مسائل ) قلت ما قاله في ذلك صحيح قال ( المسألة الأولى ) قال ابن يونس قال أصحابنا معاد الله ليست يمينا إلا أن يريد اليمين وقيل معاد الله وحاشا الله ليستا بيمين مطلقا لأن المعاد من العود ومحاشاة الله التبرئة إليه فهما فعلان محدثان يريد إلا أن يريد اليمين إلى آخر المسألة قلت ما قاله فيه نظر [ ص: 47 ] قال ( المسألة الثانية ) هاهنا ألفاظ اختلف في مدلولها هل هو قديم فيجوز الحلف به وتلزم به الكفارة أو هو محدث فلا يجوز الحلف به ولا تلزم به الكفارة تخريجا على قواعدهم وهذه الألفاظ هي غضب الله تعالى ورحمته ورضاه ومحبته ومقته إلى قوله ونحو ذلك من هذه الألفاظ التي تمتنع حقائقها على الله تعالى ويتعين حملها على المجاز فاختلف العلماء في المجاز المراد بها قلت ما قاله من امتناع حقائقها على الله تعالى إنما ذلك بناء على تفسيرها بما يمتنع عليه كتفسيرهم الرحمة بالرقة والمحبة بالميل وفي ذلك نظر للكلام فيه مجال لكن على تسليم امتناع تلك الحقائق لا بد من الصرف إلى المجاز كما قال العلماء والله تعالى أعلم [ ص: 48 ]

قال ( فقال الشيخ أبو الحسن الأشعري المراد بهذه الأمور إرادة الإحسان لمن وصف بذلك من الخلق في صفة الرحمة ونحوها إلى قوله وبقية هذه الألفاظ تتخرج على هذين المذهبين ) قلت ما قاله وحكاه صحيح قال ( وقد رد القاضي بمعنى ثالث يرجع إلى الكلام القديم كقوله تعالى { ولا يرضى لعباده الكفر } أي لا يشرعه تعالى دينا للعباد وشرعه تعالى كلامه ) قلت ليس شرع الله تعالى كلامه بل شرعه مقتضى كلامه وهو الأحكام وهي التي يلحقها النسخ إلى بدل وإلى غير بدل وكلام الله تعالى الذي هو صفة ذاته لا يصح نسخه لا لبدل ولا لغير بدل فالأظهر أن قوله تعالى { ولا يرضى لعباده الكفر } ليس راجعا إلى الكلام القديم والله أعلم .

قال ( وفي القرآن مواضع يتعين فيها مذهب الشيخ ومواضع يتعين فيها مذهب القاضي ومواضع تحتمل المذهبين فالأول كقوله تعالى ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فهذا ظاهره في الإرادة لأن الوسع عبارة عن عموم التعلق ويدل أيضا على ذلك اقترانها بالعلم وإن وسع الرحمة كوسع العلم وهذا ظاهر في الإرادة ) قلت ليس كلامه هنا بصحيح فإنه قال هذا من المواضع التي يتعين فيها مذهب الشيخ أبي الحسن وقال إنه ظاهر في الإرادة والظاهر لا يتعين إلا حيث يسوغ استعمال الظواهر وذلك في الأحكام الشرعية وليس هذا منها وقال إن وسع الرحمة كوسع العلم بعد تفسير الوسع بعموم التعلق وليس تعلق الإرادة كتعلق العلم فإن العلم يتعلق بالواجب والجائز والمحال والإرادة لا تتعلق إلا بالجائز [ ص: 49 ]

قال ( وأما ما يتعين فيه مذهب القاضي فقوله تعالى { هذا رحمة من ربي } إشارة إلى السد وهو الإحسان من الله تعالى لا إرادة الله تعالى القديمة ) قلت وكلامه هنا أيضا ليس بالجيد فإن الموضع محتمل وإن كان ظاهرا فيما قاله فأين تعين مذهب القاضي مع قيام الاحتمال .

قال ( وأما ما يحتمل الأمرين فقوله تعالى { الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم } إلى آخر ما قاله في المسألة ) قلت ما قاله في ذلك صحيح وما رجح به مذهب الشيخ أبي الحسن ظاهر والله تعالى أعلم . وما قاله في أول المسألة الثالثة إلى قوله والأول هو المشهور في المذهب ظاهر أيضا [ ص: 50 ]

قال ( واعلم أن الفتيا بإلزام الكفارة في هذه الألفاظ على ما نقله ابن يونس إن لم يقيد بأنه نوى إرادة الله تعالى فهو مشكل فإن اللفظ حقيقة في أمور محدثة لا توجب كفارة إلى آخر المسألة ) قلت لا إشكال في ذلك فإن اللفظ وإن سلم أنه حقيقة في أمور محدثة مجاز غير غالب في الصفة القديمة فقرينة الحلف به كافية في حمله على المجاز والله تعالى أعلم . قال ( المسألة الرابعة إلى آخرها ) قلت ليس ما قاله فيما إذا وقع التخريج على مذهب الشيخ أبي الحسن بمستقيم لقوله تقول قائما بذاته واجبا الوجود أزليان لأن الرحمة على مذهب الشيخ أبي الحسن إرادة الثواب والغضب إرادة العقاب والإرادة واحدة لا تتعدد بتعدد متعلقها كإرادتنا والله أعلم قال .

( المسألة الخامسة مقتضى ما قاله مالك رحمه الله تعالى في قوله علي ميثاق الله وكفالته أنه يوجب الكفارة أنه إذا قال هاهنا علي رزق الله تعالى أو خلقه أن تجب عليه الكفارة ) قلت ليس ما قاله عندي بصواب لأنه إذا قال علي ميثاق الله فمقتضاه علي يمين فتلزمه كفارة يمين وإذا قال علي رزق الله فلا شيء عليه إلا أن ينوي بذلك الكفارة والفرق بينهما أن الميثاق ونحوه جرى العرف بأن المراد به اليمين ورزق الله ونحوه لم يجر عرف بذلك وليس قول القائل علي رزق الله كقوله علي صوم يوم لأن رزق الله ليس اسما لطاعته فيلزم نذرها وصوم يوم اسم [ ص: 51 ]

قال ( فإن المدرك هنالك إن كان هو أن العرف نقلها لنذر الكفارة في زمان فصار النطق بهذه العبارة نذرا للكفارة فتلزمه بالنذر لا بالحلف إلى قوله ونحو ذلك ) قلت ما تأوله من أن قول القائل علي ميثاق الله جرى فيه عرف بنذر الكفارة مجرد توهم لا حجة عليه وليس عندي كما توهم بل قول القائل علي ميثاق الله جرى فيه العرف بأن المراد بها اليمين التي شرعها الله تعالى وجعلها ميثاقا بين عباده فلزوم الكفارة ليس بنذر الكفارة بل بالتزام اليمين .

قال ( فكذلك يلزمه هنا إذا وجد عرفه في رزق الله وخلقه وأنه صار قوله علي رزق الله أنه نذر أن يتصدق بشيء من رزق الله إلى قوله بل يدور مع العرف كيفما دار ) قلت صدر كلامه بالعرف في نذر الكفارة ثم خرج إلى العرف في نذر شيء من رزق الله وهذا الذي خرج إليه أجنبي عن مسألة مالك رحمه الله فإنه أوجب الكفارة في قول القائل علي ميثاق الله ونحوه وما قال من أنه يدور مع العرف كيفما دار صحيح إذا ثبت عرف .

قال ( وإن كان المدرك النية فتصح أيضا في خلق الله ورزقه إلى قوله إن كان نوى بعض المنذورات من الأفعال ) قلت ما قاله هنا صحيح قال ( وعلى كل تقدير فالمسألتان سواء ) قلت قد تقدم أنهما ليستا سواء قال ( واعلم أنه إذا كان المدرك العرف الناقل فلا بد من النقل في لفظ علي إلى القسم فتكون بمعنى الباء والواو وحروف القسم [ ص: 52 ] فتجب الكفارة وتكون يمينا ) قلت وما المانع أن تكون يمينا من غير نقل في لفظ علي بل يبقى لفظ علي معناه من غير نقل ويكون قائله حالفا فإن الميثاق معناه يمين ما فكأنه قال علي يمين فلزمه الكفارة إذا حنث .

قال ( أو يقع النقل في أمانة الله وميثاقه ويكون قد عبر بهما عما يلزم بسبب الحنث فيهما وهو الكفارة إلى منتهى قوله فإن الكفارة مسببة عن الحلف بهذه الألفاظ ) قلت بنى كلامه في هذه المسألة على أن الميثاق ونحوه ليس بيمين ثم إنه هنا بنى على أنه يمين تلزم فيه الكفارة وإذا كان يمينا تلزم فيه الكفارة فما المحوج إلى النقل فيه وادعاء المجاز الراجح فيه هذا كلام ساقط لا خفاء بسقوطه قال ( فلا بد من أحد هذين النقلين إلى آخر ما قاله في المسألة ) قلت قد تبين أن من ذلك بدا واقتضى كلامه حيث قال فإن الكفارة مسببة عن الحلف بهذه الألفاظ أنه لا يحتاج فيها إلى نقل ولا نية والله أعلم .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( والقسم الرابع ) منها أعني الصفات الفعلية كقوله وخلق الله ورزق الله وعطاء الله وإحسان الله من كل ما يصدر عن قدرة الله تعالى قال الأصل فينهى عن الحلف بها ولا يوجب كفارة إذا حنث ا هـ .

وقد تقدم عن العلامة الأمير أنه مبني على أن الصفات الفعلية أمور اعتبارية تتجدد بتجدد المقدور وأنها حادثة كما يقول الأشاعرة أما إن لوحظ المذهب الماتريدي من أنها قديمة ترجع إلى صفة التكوين أو أريد مصدرها ومنشؤها وهو القدرة أو الاقتدار الراجع للصفة المعنوية أي كونه قادرا فتنعقد بها اليمين وتجب الكفارة مع الحنث فلا تغفل وها هنا أربع مسائل ( المسألة الأولى )

المعنى الحقيقي لمعاد الله وحاشا الله هو هو المعاد الحقيقي للعباد وبراءة الله أي براءة منا لله وهما فعلان محدثان فلذا قال ابن يونس قال أصحابنا معاد الله ليس يمينا إلا أن يريد اليمين وقيل معاد الله وحاشا الله ليستا بيمين مطلقا لأن المعاد من العود ومحاشاة الله تعالى التبرئة إليه فهما فعلان محدثان . ا هـ قال الأصل يريد إلا أن يريد اليمين . ا هـ .

أي بأن يريد بمعاد الله ذات الله تعالى وصفاته تعالى مجازا وذلك لأن معادا اسم مكان من العود والله تعالى يعود إليه الأمر كله لقوله تعالى { وإليه يرجع الأمر كله } فأطلق اسم المكان على الله تعالى مجازا فلفظ معاد الله كناية يحتمل أن يريد به المعاد المجازي فيكون حلفا بقديم وهو وجوده تعالى وتلزم الكفارة بالحنث ويحتمل أن يريد به المعاد الحقيقي فيكون حلفا بمحدث فلا يلزم به شيء كما إذا لم تكن له نية أصلا لانصرافه لحقيقته حينئذ وهو المعاد الحقيقي وبأن يريد بحاشا الله الكلام [ ص: 71 ] القديم فإن الله تعالى ينزه نفسه بكلامه النفساني فتصح إضافته إليه تعالى باللام فلفظ حاشا الله كلفظ معاد الله إن أريد به المعنى الحادث لم يكن يمينا ولا يلزم به شيء كما إذا لم يرد به شيء أصلا وإن أريد به المعنى القديم كان يمينا يوجب الكفارة عند الحنث هذا هو الموافق لقول ابن الشاط المتقدم في الفرق الذي قبل هذا الفرق متى عني بالأمور المضافة أمر قديم فاليمين بها منعقدة أو أمر حادث فاليمين بها غير منعقدة إلخ فمن هنا نظر ابن الشاط هنا في قول الأصل أنه لا بد مع نية المعنى القديم فيهما من نية أخرى للقسم بواحد منهما أو عرف يقوم مقامها وذلك لأن لفظ كل منها إن نصب فعلى تقدير ألزم نفسي معاد الله وحاشا الله فيكون إلزاما حقيقيا لموجب اليمين وهو الكفارة ولا بد في ذلك من نية أو عرف وإن رفع فعلى تقدير معاد الله أو حاشا الله قسمي فيكون جملة اسمية خبرية استعملت في إنشاء القسم بها إما بالنية أو بالعرف الموجب لنقل الخبر من أصله اللغوي إلى الإنشاء وإن خفض فعلى حذف حرف القسم الجار كقولهم الله بالخفض ولا بد أيضا من نية الإنشاء أو عرف يقتضي ذلك ا هـ .

ملخصا قلت ووجه النظر أن واو القسم وجميع حروفه ولفظه بأي صيغة لا تستعمل إلا لإنشاء القسم وقد تقدم التصريح بذلك أول الكتاب ولذلك " الزم " لا يستعمل إلا لإنشاء الالتزام والتزام القديم التزام لليمين فيوجب الكفارة ولو لم تكن نية لإنشاء القسم فتأمل بإنصاف والله أعلم .

( المسألة الثانية ) رحمة الله ورضاه ومحبته وغضبه ومقته في قوله تعالى { كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } وبغضه في قوله عليه الصلاة والسلام { أبغض المباح إلى الله الطلاق وإن الله ليبغض الحبر السمين } ورأفته في قوله تعالى الرءوف الرحيم ونحو ذلك من الألفاظ التي قيل إن حقائقها لا تتصور إلا في البشر والأمزجة والمخلوقات بناء على تفسيرها بما يمتنع عليه تعالى كتفسيرهم الرحمة بالرقة والمحبة بالميل ونحو ذلك فعلى تسليم امتناع تلك الحقائق لا بد من الصرف إلى المجاز فاختلف العلماء في المجاز المراد بها فقال الشيخ أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه المراد في لفظ الرحمة ونحوها إرادة الإحسان لمن وصف بذلك [ ص: 72 ] من الخلق وفي لفظ الغضب ونحوه إرادة العقوبة لمن وصف بذلك من الخلق وقال القاضي أبو بكر الباقلاني رضي الله عنه المراد بذلك أن الله تعالى يعاملهم معاملة الراحم والغضبان فيكون المراد في الأول أي لفظ الرحمة ونحوها الإحسان نفسه وفي الثاني أي لفظ الغضب ونحوه العقاب نفسه وذلك أن الرحمة التي وضع اللفظ بإزائها .

وهو حقيقة فيها هي رقة الطبع وهذه الرقة في القلب يلزمها أمران أحدهما إرادة الإحسان إليه والثاني الإحسان نفسه فهما لازمان للرقة التي هي حقيقة اللفظ والتعبير بلفظ الملزوم عن اللازم مجاز عرفي شائع غير أن إرادة الإحسان ألزم للرقة فإن كل من رحمته وأحسنت إليه فقد أردت الإحسان إليه وقد تريد الإحسان إليه وتقصر قدرتك عن ذلك فالإرادة أكثر لزوما للرقة وإذا قويت العلاقة كان مجازها أرجح فمجاز الشيخ أبي الحسن أرجح من مجاز القاضي فعلى مذهب الشيخ يجوز الحلف بهذه الأمور ويلزم بها الكفارة لكون مدلولها قديما وعلى مذهب القاضي لا يلزم بها كفارة وينهى عن الحلف بها لأن مدلولها محدث إلا أن يلاحظ الحالف المذهب الماتريدي أو مصدرها على ما مر عن العلامة الأمير في صفة الفصل فلا تغفل . وإذا قيل لك رحمة الله وغضبه هل هما قائمان بذاته تعالى أم لا وهل هما واجبا الوجود أم لا وهل كانا في الأزل أم لا ؟ ونحو ذلك من الأسئلة فقل على مذهب الشيخ هما عبارة عن الإرادة

وهي صفة واحدة قائمة بذاته تعالى واجبة الوجود أزلية وقل على مذهب القاضي ليسا قائمين بذاته بل ممكنان مخلوقان ليسا بأزليين والحق أن الأصل في الإطلاق الحقيقة ولا يصار إلى المجاز إلا عند التعذر ولا تعذر ضرورة أن الرحمة التي هي من الأعراض النفسانية هي القائمة بنا ولا يلزم من ذلك أن يكون مطلق الرحمة كذلك حتى يلزم كون الرحمة في حقه تعالى مجازا ألا ترى أن العلم القائم بنا من الأعراض النفسانية وقد وصف الحق تعالى بالعلم ولم يقل أحد إنه في حقه تعالى مجاز وكذا القدرة وغيرها فلم لا يجوز أن تكون الرحمة حقيقة واحدة هي العطف وتختلف أنواعه باختلاف الموصوفين به فإذا نسبت إلينا كانت كيفية نفسانية [ ص: 73 ] وإلى الله كانت حقيقة فيما يليق بجلاله من الإحسان أو إرادته وكون الرحمة منحصرة وضعا في الكيفية النفسانية دونه خرط القتاد كما قاله العارف المحقق الملا إبراهيم الكوراني في كتابه قصد السبيل أفاده العلامة ابن عابدين على المنار الأصولي وإليه والله أعلم يشير العلامة ابن الشاط بقوله وما قاله من امتناع حقائقها على الله تعالى إنما ذلك بناء على تفسيرها بما يمتنع عليه تعالى كتفسيرهم الرحمة بالرقة والمحبة بالميل وفي ذلك نظر للكلام فيه مجال ا هـ .

على أن الخادمي نقل عن بعض أن من معاني الرحمة اللغوية إرادة الخير وعن بعض آخر أن منها الإحسان فعلى هذين لا تجوز أصلا فاحفظه أفاده العلامة الأنباصني على بيانية الصبان والله أعلم ( المسألة الثالثة )

قال ابن يونس الحالف برضى الله تعالى ورحمته وسخطه عليه كفارة واحدة ا هـ .

يعني لأنه كرر الحلف بصفة واحدة وهي الإرادة وهذا يدل على أن الفتيا بطريقة الشيخ أبي الحسن في حمل هذه الأمور على الإرادة وأنه إذا جمع بين عشرة أو أكثر من هذه الأمور لا تجب إلا كفارة واحدة بخلاف قوله وعلم الله وقدرة الله وإرادة الله وعزة الله فإنه يختلف فيه هل تتعدد عليه الكفارة لتغاير الصفات المحلوف بها أو تتحد الكفارة بناء على أن قاعدة الأيمان التأكيد حتى يريد الإنشاء بخلاف تكرير الطلاق الأصل فيه الإنشاء حتى يريد التأكيد أو قاعدة الجميع الإنشاء حتى يريد التأكيد وهذا هو الأنظر والأول هو المشهور في المذهب قال الأصل وما نقله ابن يونس من إلزام الكفارة في هذه الألفاظ إن لم يقيد بأنه نوى إرادة الله تعالى فهو مشكل لأنه خلاف القواعد وذلك أن هذه الألفاظ حقيقة في أمور محدثة لا توجب كفارة وإنما دل الدليل عند الشيخ أبي الحسن على أن المراد بها الإرادة القديمة مجازا خفيا لعدم اشتهارها في الإرادة حتى صارت حقيقة عرفية والقاعدة أن الألفاظ لا تنصرف لمجازاتها الخفية إلا بالنية وأن اللفظ لا يزال منصرفا إلى الحقيقة اللغوية دون مجازه المرجوح حتى تصرفه نية المجاز المرجوح فكان ينبغي أن يقال إن أراد بهذه الألفاظ صفة قديمة لزمته الكفارة [ ص: 74 ] وإلا فلا ا هـ .

قال ابن الشاط لا إشكال في ذلك فإن اللفظ وإن سلم أنه حقيقة في أمور محدثة ، مجاز غير غالب في الصفة القديمة فقرينة الحلف به كافية في حمله على المجاز والله تعالى أعلم . ا هـ

المسألة الرابعة

لا يقتضي قول مالك بوجوب كفارة في قوله علي ميثاق الله وكفالته أنه يوجبها إذا قال ها هنا علي رزق الله أو خلقه وإن قال الأصل ذلك لظهور الفرق بينهما بأن الميثاق ونحوه جرى العرف بأن المراد به اليمين فإذا قال علي ميثاق الله فمقتضاه علي يمين فتلزمه كفارة يمين ورزق الله ونحوه لم يجر عرف بذلك فإذا قال علي رزق الله فلا شيء عليه إلا أن ينوي بذلك الكفارة وليس قول القائل علي رزق الله كقوله علي صوم يوم لأن رزق الله ليس اسما لطاعته فيلزم نذرها وصوم يوم اسم لطاعته ولا مانع من أن يكون علي ميثاق الله يمينا ويكون قائله حالفا مع بقاء لفظ علي فيه على معناه من غير نقل له إلى القسم وجعله من جملة حروفه كالباء والواو فإن الميثاق معناه يمين ما فكأنه قال علي يمين فتلزمه الكفارة إذا حنث كما علمت أفاده ابن الشاط .




الخدمات العلمية