الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                              المقام العاشر :

                                                                                                                                                                                                              أن هذه الآية نص في غرضنا ، دليل على صحة مذهبنا ، أصل في براءة النبي صلى الله عليه وسلم مما نسب إليه أنه قاله عندنا ، وذلك أنه قال تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته } فأخبر الله تعالى أن من سنته في رسله وسيرته في أنبيائه أنهم إذا قالوا عن الله قولا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه ، كما يفعل سائر المعاصي ، كما تقول : ألقيت في الدار كذا ، وألقيت في العكم كذا ، وألقيت في الكيس كذا .

                                                                                                                                                                                                              فهذا نص في أن الشيطان زاد في الذي قاله [ ص: 307 ] النبي صلى الله عليه وسلم لا أن النبي قاله ; وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ تلا قرآنا مقطعا ، وسكت في مقاطع الآي سكوتا محصلا ، وكذلك كان حديثه مترسلا متأنيا ، فيتبع الشيطان تلك السكتات التي بين قوله : { ومناة الثالثة الأخرى } وبين قوله تعالى : { ألكم الذكر وله الأنثى } ، فقال يحاكي صوت النبي صلى الله عليه وسلم : وإنهن الغرانقة العلا ، وإن شفاعتهن لترتجى .

                                                                                                                                                                                                              فأما المشركون والذين في قلوبهم مرض لقلة البصيرة وفساد السريرة فتلوها عن النبي صلى الله عليه وسلم ونسبوها بجهلهم إليه ، حتى سجدوا معه اعتقادا أنه معهم ، وعلم الذين أوتوا العلم والإيمان أن القرآن حق من عند الله فيؤمنون به ، ويرفضون غيره ، وتجيب قلوبهم إلى الحق ، وتنفر عن الباطل ; وكل ذلك ابتلاء من الله ومحنة .

                                                                                                                                                                                                              فأين هذا من قولهم ، وليس في القرآن إلا غاية البيان بصيانة النبي صلى الله عليه وسلم في الإسرار والإعلان عن الشك والكفران .

                                                                                                                                                                                                              وقد أوعدنا إليكم توصية أن تجعلوا القرآن إمامكم ، وحروفه أمامكم ، فلا تحملوا عليها ما ليس فيها ، ولا تربطوا فيها ما ليس منها ، وما هدي لهذا إلا الطبري بجلالة قدره ، وصفاء فكره ، وسعة باعه في العلم ، وشدة ساعده وذراعه في النظر ; وكأنه أشار إلى هذا الغرض ، وصوب على هذا المرمى فقرطس بعدما ذكر في ذلك روايات كثيرة كلها باطلة ، لا أصل لها ، ولو شاء ربك لما رواها أحد ولا سطرها ، ولكنه فعال لما يريد ، عصمنا الله وإياكم بالتوفيق والتسديد ، وجعلنا من أهل التوحيد بفضله ورحمته . .

                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية