الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            ثم إنه سبحانه وتعالى لما شرفه في هذه السور من هذه الوجوه العظيمة ، قال بعدها : ( إنا أعطيناك الكوثر ) أي : إنا أعطيناك هذه المناقب المتكاثرة المذكورة في السور المتقدمة التي كل واحدة منها أعظم من ملك الدنيا بحذافيرها ، فاشتغل أنت بعبادة هذا الرب ، وبإرشاد عباده إلى ما هو الأصلح لهم ، أما عبادة الرب فإما بالنفس ، وهو قوله : ( فصل لربك ) وإما بالمال ، وهو قوله : ( وانحر ) وأما إرشاد عباده إلى ما هو الأصلح لهم في دينهم ودنياهم ، فهو قوله : ( ياأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) [ الكافرون : 2 ] فثبت أن هذه السورة كالتتمة لما قبلها من السور ، وأما أنها كالأصل لما بعدها ، فهو أنه تعالى يأمره بعد هذه السورة بأن [ ص: 113 ] يكفر جميع أهل الدنيا بقوله : ( ياأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) ومعلوم أن عسف الناس على مذاهبهم وأديانهم أشد من عسفهم على أرواحهم وأموالهم ، وذلك أنهم يبذلون أموالهم وأرواحهم في نصرة أديانهم ، فلا جرم كان الطعن في مذاهب الناس يثير من العداوة والغضب ما لا يثير سائر المطاعن ، فلما أمره بأن يكفر جميع أهل الدنيا ، ويبطل أديانهم لزم أن يصير جميع أهل الدنيا في غاية العداوة له ، وذلك مما يحترف عنه كل أحد من الخلق فلا يكاد يقدم عليه ، وانظر إلى موسى عليه السلام كيف كان يخاف من فرعون وعسكره ، وأما ههنا فإن محمدا عليه السلام لما كان مبعوثا إلى جميع أهل الدنيا ، كان كل واحد من الخلق ، كفرعون بالنسبة إليه ، فدبر تعالى في إزالة هذا الخوف الشديد تدبيرا لطيفا ، وهو أنه قدم على تلك السورة ، هذه السورة فإن قوله : (إنا أعطيناك الكوثر ) يزيل عنه ذلك الخوف من وجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدها : أن قوله : ( إنا أعطيناك الكوثر ) أي الخير الكثير في الدنيا والدين ، فيكون ذلك وعدا من الله إياه بالنصرة والحفظ ، وهو كقوله : ( ياأيها النبي حسبك الله ) [ الأنفال : 64 ] وقوله : ( والله يعصمك من الناس ) [ المائدة : 67 ] وقوله : ( إلا تنصروه فقد نصره الله ) [ التوبة : 40 ] ومن كان الله تعالى ضامنا لحفظه ، فإنه لا يخشى أحدا .

                                                                                                                                                                                                                                            وثانيها : أنه تعالى لما قال : ( إنا أعطيناك الكوثر ) وهذا اللفظ يتناول خيرات الدنيا وخيرات الآخرة ، وأن خيرات الدنيا ما كانت واصلة إليه حين كان بمكة ، والخلف في كلام الله تعالى محال ، فوجب في حكمة الله تعالى إبقاؤه في دار الدنيا إلى حيث يصل إليه تلك الخيرات ، فكان ذلك كالبشارة له والوعد بأنهم لا يقتلونه ، ولا يقهرونه ، ولا يصل إليه مكرهم بل يصير أمره كل يوم في الازدياد والقوة .

                                                                                                                                                                                                                                            وثالثها : أنه عليه السلام لما كفرهم وزيف أديانهم ودعاهم إلى الإيمان اجتمعوا عنده ، وقالوا : إن كنت تفعل هذا طلبا للمال فنعطيك من المال ما تصير به أغنى الناس ، وإن كان مطلوبك الزوجة نزوجك أكرم نسائنا ، وإن كان مطلوبك الرياسة فنحن نجعلك رئيسا على أنفسنا ، فقال الله تعالى : ( إنا أعطيناك الكوثر ) أي لما أعطاك خالق السماوات والأرض خيرات الدنيا والآخرة ، فلا تغتر بمالهم ومراعاتهم .

                                                                                                                                                                                                                                            ورابعها : أن قوله تعالى : ( إنا أعطيناك الكوثر ) يفيد أن الله تعالى تكلم معه لا بواسطة ، فهذا يقوم مقام قوله : ( وكلم الله موسى تكليما ) [ النساء : 164 ] بل هذا أشرف ؛ لأن المولى إذا شافه عبده بالتزام التربية والإحسان كان ذلك أعلى مما إذا شافهه في غير هذا المعنى ، بل يفيد قوة في القلب ويزيل الجبن عن النفس ، فثبت أن مخاطبة الله إياه بقوله : ( إنا أعطيناك الكوثر ) مما يزيل الخوف عن القلب والجبن عن النفس ، فقدم هذه السورة على سورة : ( قل ياأيها الكافرون ) [ الكافرون : 1 ] حتى يمكنه الاشتغال بذلك التكليف الشاق والإقدام على تكفير جميع العالم ، وإظهار البراءة عن معبودهم فلما امتثلت أمري ، فانظر كيف أنجزت لك الوعد ، وأعطيتك كثرة الأتباع والأشياع ، إن أهل الدنيا يدخلون في دين الله أفواجا ، ثم إنه لما تم أمر الدعوة وإظهار الشريعة ، شرع في بيان ما يتعلق بأحوال القلب والباطن ؛ وذلك لأن الطالب إما أن يكون طلبه مقصورا على الدنيا ، أو يكون طالبا للآخرة ، أما طالب الدنيا فليس له إلا الخسار والذل والهوان ، ثم يكون مصيره إلى النار ، وهو المراد من سورة تبت ، وأما طالب الآخرة فأعظم أحواله أن تصير نفسه كالمرآة التي تنتقش فيها صور الموجودات ، وقد ثبت في العلوم العقلية أن طريق الخلق في معرفة الصانع على وجهين : منهم من عرف الصانع ، ثم توسل بمعرفته إلى معرفة مخلوقاته ، وهذا هو الطريق الأشرف الأعلى ، ومنهم من عكس وهو طريق الجمهور . [ ص: 114 ] ثم إنه سبحانه ختم كتابه الكريم بتلك الطريق التي هي أشرف الطريقين ، فبدأ بذكر صفات الله وشرح جلاله ، وهو سورة : ( قل هو الله أحد ) [ الإخلاص : 1 ] ثم أتبعه بذكر مراتب مخلوقاته في سورة : ( قل أعوذ برب الفلق ) [ الفلق : 1 ] ثم ختم الأمر بذكر مراتب النفس الإنسانية ، وعند ذلك ختم الكتاب ، وهذه الجملة إنما يتضح تفصيلها عند تفسير هذه السورة على التفصيل ، فسبحان من أرشد العقول إلى معرفة هذه الأسرار الشريفة المودعة في كتابه الكريم .

                                                                                                                                                                                                                                            الفائدة الثانية في قوله : ( إنا أعطيناك الكوثر ) هي أن كلمة : ( إنا ) تارة يراد بها الجمع وتارة يراد بها التعظيم .

                                                                                                                                                                                                                                            أما الأول : فقد دل على أن الإله واحد ، فلا يمكن حمله على الجمع ، إلا إذا أريد أن هذه العطية مما سعى في تحصيلها الملائكة وجبريل وميكائيل والأنبياء المتقدمون ، حين سأل إبراهيم إرسالك ، فقال : ( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ) [ البقرة : 129 ] وقال موسى : رب اجعلني من أمة أحمد . وهو المراد من قوله : ( وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر ) [ القصص : 44 ] وبشر بك المسيح في قوله : ( ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ) [ الصف : 6 ] .

                                                                                                                                                                                                                                            وأما الثاني : وهو أن يكون ذلك محمولا على التعظيم ، ففيه تنبيه على عظمة العطية لأن الواهب هو جبار السماوات والأرض والموهوب منه ، هو المشار إليه بكاف الخطاب في قوله تعالى : ( إنا أعطيناك ) والهبة هي الشيء المسمى بالكوثر ، وهو ما يفيد المبالغة في الكثرة ، ولما أشعر اللفظ بعظم الواهب والموهوب منه والموهوب ، فيا لها من نعمة ما أعظمها ، وما أجلها ، ويا له من تشريف ما أعلاه .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية