الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          [ ص: 40 ] ( فصل في الرد على الجبرية والقدرية بسنن الله وآياته ) قد سبق لنا قول قريب في الرد على الجبرية والقدرية بإثبات سنن الله تعالى في تفسير ( كذلك زينا لكل أمة عملهم ) ( 108 ) ( ص669 ج 7 ) رددنا فيه على الفخر الرازي إمام هذه النزعة وفارس هذه الحلبة ، ثم إننا رأيناه قد عاد في تفسير هذه الآية إلى بسط القول في تلك المسألة ، والرد على المعتزلة ، فاستحسنا أن ننقل أقوى كلامه ونقفي عليه بقول وجيز فيه قال :

                          " ولنختم تفسير هذه الآية بما روي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال : تذاكرنا في أمر القدرية عند ابن عمر فقال : لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا منهم نبينا صلى الله عليه وسلم فإذا كان يوم القيامة نادى مناد وقد جمع الناس بحيث يسمع الكل : أين خصماء الله فتقوم القدرية . وقد أورد القاضي هذا الحديث في تفسيره وقال : هذا الحديث من أقوى ما يدل على أن القدرية هم الذين ينسبون أفعال العباد إلى الله تعالى قضاء وقدرا وخلقا ; لأن الذين يقولون هذا القول هم خصماء الله لأنهم يقولون لله : أي ذنب لنا حتى تعاقبنا وأنت الذي خلقته فينا وأردته منا وقضيته علينا ولم تخلقنا إلا له وما يسرت لنا غيره ؟ فهؤلاء لا بد أن يكونوا خصماء الله بسبب هذه الحجة ، أما الذين قالوا : إن الله مكن وأزاح العلة ، وإنما أتى العبد من قبل نفسه فكلامه موافق لما يعامل به من إنزال العقوبة ، فلا يكونون خصماء الله بل يكونون منقادين لله ، هذا كلام القاضي وهو عجيب جدا ، وذلك لأنه يقال له : يبعد منك أنك ما عرفت من مذاهب خصومك أنه ليس للعبد على الله حجة ولا استحقاق بوجه من الوجوه ، وأن كل ما يفعله الرب في العبد فهو حكمة وصواب وليس للعبد على ربه اعتراض ولا مناظرة ، فكيف يصير الإنسان الذي هذا دينه واعتقاده خصما لله تعالى ، أما الذين يكونون خصماء لله فهم المعتزلة وتقريره من وجوه .

                          ( الأول ) أنه يدعي عليه وجوب الثواب والعرض ويقول : لو لم تعطني ذلك لخرجت عن الإلهية وصرت معزولا عن الربوبية وصرت من جملة السفهاء . فهذا الذي مذهبه واعتقاده ذلك هو الخصم لله تعالى .

                          ( والثاني ) أن من واظب على الكفر سبعين سنة ثم إنه في آخر زمن حياته قال : لا إله إلا الله محمد رسول الله من القلب ، ثم مات ثم إن رب العالمين أعطاه النعم الفائقة والدرجات الزائدة ألف ألف سنة ، ثم أراد أن يقطع تلك النعم عنه لحظة واحدة فذلك العبد يقول : أيها الإله إياك ثم إياك أن تترك ذلك لحظة واحدة ؛ فإنك إن تركته لحظة واحدة صرت معزولا عن الإلهية والحاصل أن إقدام ذلك العبد على ذلك الإيمان لحظة واحدة أوجب على الإله إيصال تلك [ ص: 41 ] النعم مدة لا آخر لها ، ولا طريق له ألبتة إلى الخلاص عن هذه العهدة فهذا هو الخصومة ، أما من يقول إنه لا حق لأحد من الملائكة والأنبياء على الله تعالى وكل ما يوصل إليهم من الثواب فهو تفضل وإحسان من الله تعالى فهذا لا يكون خصما .

                          ( والوجه الثالث في تقرير هذه الخصومة ) ما حكي أن الشيخ أبا الحسن الأشعري لما فارق مجلس أستاذه أبي علي الجبائي وترك مذهبه وكثر اعتراضه على أقاويله عظمت الوحشة بينهما فاتفق أن يوما من الأيام عقد الجبائي مجلس التذكير وحضر عنده عالم من الناس وذهب الشيخ أبو الحسن إلى ذلك المجلس وجلس في بعض الجوانب مختفيا عن الجبائي وقال لبعض من حضر هناك من العجائز إني أعلمك مسألة فاذكريها لهذا الشيخ ، قولي له : كان لي ثلاثة من البنين ، واحد كان في غاية الدين والزهد ، والثاني كان في غاية الكفر والفسق ، والثالث كان صبيا لم يبلغ فماتوا على هذه الصفات ، فأخبرني أيها الشيخ عن حالهم . فقال الجبائي : أما الزاهد ففي درجات الجنة ، وأما الكافر ففي دركات النار ، وأما الصبي فمن أهل السلامة ، قال : قولي له : لو أن الصبي أراد أن يذهب إلى تلك الدرجات العالية التي حصل فيها أخوه الزاهد هل يمكن منه ؟ فقال الجبائي : لا ؛ لأن الله يقول له : إنما وصل إلى تلك الدرجات العالية بسبب أنه أتعب نفسه في العلم والعمل وأنت فليس معك ذاك . فقال أبو الحسن : قولي له : لو أن الصبي حينئذ يقول : يارب العالمين ، ليس الذنب لي لأنك أمتني قبل البلوغ ، ولو أمهلتني فربما زدت على أخي الزاهد في الزهد والدين . فقال الجبائي : يقول الله له : علمت أنك لو عشت لطغيت وكفرت وكنت تستوجب النار فقبل أن تصل إلى تلك الحالة راعيت مصلحتك وأمتك حتى تنجو من العقاب . فقال أبو الحسن : قولي له : لو أن الأخ الكافر الفاسق رفع رأسه من الدرك الأسفل من النار فقال : يارب العالمين ويا أحكم الحاكمين ويا أرحم الراحمين ، كما علمت من ذلك الأخ الصغير أنه لو بلغ كفر علمت مني ذلك ، فلم راعيت مصلحته وما راعيت مصلحتي ؟ قال الرازي : فلما وصل الكلام إلى هذا الموضع انقطع الجبائي ، فلما نظر رأى أبا الحسن فعلم أن هذه المسألة منه لا من العجوز .

                          " ثم إن أبا الحسين البصري جاء بعد أربعة أدوار أو أكثر من بعد الجبائي فأراد أن يجيب عن هذا السؤال فقال : نحن لا نرضى في حق هؤلاء الإخوة الثلاثة بهذا الجواب الذي ذكرتم ، بل لنا هاهنا جوابان آخران سوى ما ذكرتم ، ثم قال : وهو مبني على مسألة اختلف شيوخنا فيها ، وهي أنه هل يجب على الله أن يكلف العبد أم لا ؟ فقال البصريون : التكليف محض التفضل والإحسان وهو غير واجب على الله تعالى . وقال البغداديون : إنه واجب على الله تعالى ، قال : فإن فرعنا على قول البصريين فلله تعالى أن يقول لذلك الصبي : إني طولت عمر الأخ [ ص: 42 ] الزاهد وكلفته على سبيل التفضل ولم يلزم من كوني متفضلا على أخيك الزاهد بهذا الفضل أن أكون متفضلا عليك بمثله ، وأما إن فرعنا على قول البغداديين فالجواب أن يقال : إن إطالة عمر أخيك وتوجيه التكليف عليه كان إحسانا في حقه ولم يلزم منه عود مفسدة إلى الغير فلا جرم فعلته . وأما إطالة عمرك وتوجيه التكليف عليك كان يلزم منه عود مفسدة إلى غيرك ؛ فلهذا السبب ما فعلت ذلك في حقك فظهر الفرق . هذا تلخيص كلام أبي الحسين البصري سعيا منه في تلخيص شيخه المتقدم عن سؤال الأشعري ، بل سعيا منه في تخليص إلهه عن سؤال العبد .

                          وأقول : قبل الخوض في الجواب عن كلام أبي الحسين ، صحة هذه المناظرة الدقيقة بين العبد وبين الله ( تعالى ) إنما لزمت على قول المعتزلة ، وأما على قول أصحابنا رحمهم الله فلا مناظرة ألبتة بين العبد وبين الرب ، وليس للعبد أن يقول لربه لم فعلت كذا أو ما فعلت كذا ، فثبت أن خصماء الله هم المعتزلة لا أهل السنة ، وذلك يقوي غرضنا ويحصل مقصودنا ثم نقول : أما الجواب الأول وهو أن إطالة العمر وتوجيه التكليف تفضل فيجوز أن يخص به بعضا دون بعض . فنقول : هذا الكلام مدفوع لأنه - تعالى - لما أوصل التفضل إلى أحدهما فالامتناع من إيصاله إلى الثاني قبيح من الله تعالى ; لأن الإيصال إلى هذا الثاني ليس فعلا شاقا على الله تعالى ولا يوجب دخول نقصان في ملكه بوجه من الوجوه ، وهذا الثاني يحتاج إلى ذلك التفضل ، ومثل هذا الامتناع قبيح في الشاهد ، ألا ترى أن من منع غيره من النظر في مرآته المنصوبة على الجدار لعامة الناس قبح ذلك منه ؛ لأنه منع من النفع من غير اندفاع ضرر إليه ولا وصول نفع إليه . فإن كان حكم العقل بالتحسين والتقبيح مقبولا فليكن مقبولا هاهنا ؛ وإن لم يكن مقبولا لم يكن مقبولا ألبتة في شيء من المواضع ، وتبطل كلية مذهبكم ، فثبت أن هذا الجواب فاسد . وأما الجواب الثاني فهو أيضا فاسد ، وذلك لأن قولنا تكليفه يتضمن مفسدة ليس معناه أن هذا التكليف يوجب لذاته حصول تلك المفسدة ، وإلا لزم أن تحصل هذه المفسدة أبدا في حق الكل وإنه باطل . بل معناه أن الله تعالى علم أنه إذا كلف هذا الشخص فإن إنسانا آخر يختار من قبل نفسه فعلا قبيحا ، فإن اقتضى هذا القدر أن يترك الله تكليفه ، فكذلك قد علم من ذلك الكافر أنه إذا كلفه فإنه يختار الكفر عند ذلك التكليف ، فوجب أن يترك تكليفه ، وذلك يوجب قبح تكليف من علم الله من حاله أنه يكفر وإن لم يجب هاهنا لم يجب هنالك . وأما القول بأنه يجب عليه - تعالى - ترك التكليف إذا علم أن غيره يختار فعلا قبيحا عند ذلك التكليف ، ولا يجب عليه تركه إذا علم تعالى أن ذلك الشخص يختار القبيح عند ذلك التكليف ، فهذا محض التحكم ، فثبت أن الجواب الذي استخرجه أبو الحسين بلطيف فكره ودقيق نظره بعد أربعة أدوار ضعيف ، وظهر أن خصماء الله هم المعتزلة لا أصحابنا والله أعلم . انتهى كلام الرازي .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية